مقاومة التطبيع في تونس

 

دعاة التطبيع مع العدو الصهيوني يرفعون اصواتهم ورؤوسهم في تونس

شكري لطيف

الخيانة لم تعد مُجرّد وجهة نظر، والدعوة للتطبيع مع العدو الصهيوني لم تعد تُقال “على استحياء” او بصوت خافت.

في أحلك فترات الدكتاتورية و العمالة للنظام التونسي ، كان رموز السلطة “يحتاطون” و “يراوغون” عبر بالونات اختبارية للتلويح بخيار التطبيع الذي كان يُمارس سرا مثله مثل العادة السرية التي لا يُعلنها فاعلها .

ويوم تجرّأ بن علي بمناسبة قمة المعلومات (اكتوبر سنة 2005)* و وجّه دعوة -ظنّها سرية- للمجرم شارون ، أطبقنا عليه سماء تونس رغم جحافل أجهزته القمعية من بوليس نظامي وسري وسياسي وميليشياوي ،واضطرّ الى اعلان حالة طوارئ ومنع جولان وسط العاصمة واغلق كل منافذها لمنع تظاهرنا ضدّ دعوته لشارون.

اما اليوم ، وبعد ترحيل بن علي ، فقد أصبح خياره الخياني العميل والتطبيعي خيارا علنيا لا يتورّع انصاره من الدعوة له بكل صفاقة .واذا عُرف السبب بطل العجب !!! فسلطة الترويكا بقيادة حركة النهضة التي كانت في مرحلة الدعوة ترفع شعارات “تحرير فلسطين فرض عين” و”معاداة الصليبيين واليهود المستعمرين والمستكبرين في الارض”، طلّقت شعاراتها السابقة طلاقا لا رجعة عنه، و دخلت مسرعة، فرحة مسرورة، جنّة التبعية للشيطان الاكبر والتطبيع مع ربيبته الصهيونية…

 أضحى الشيخ الراشد المرشد (راشد الغنوشي)* الضيف المدلل لــ”ابياك” منبر الحركة الصهيونية في امريكا واصبح رموز وصقور اليمين الصهيوني العالمي من “ماكين” الى “اولبرايت” يُقتبلون بالاحضان في مكتبه بمقر حركة النهضة، وفي مكتبي رئيسي حكومته الخليفة السادس “حمادي الجبالي” و”علي العريض”، واستبيحت الاراضي التونسية لرجال الاعمال والسياسة والجواسيس الصهاينة تحت ستار “السياحة” .

اما في مجلس تدليس الارادة الشعبية (المجلس التأسيسي)*، فقد وقفت حركة النهضة بكل قوتها وثقلها لمنع تجريم التطبيع مع العدو الصهيوني ولم تقبل حتى بتوصيف الصهيونية كشكل من اشكال العنصرية.
لم يتوقف هذا النهج التطبيعي مع حكومة “التكنوقراط” المزعومة التي اجمع عليها احزاب “الوفاق”،  فكانت مواصلة امينة له عبر راس حربتها وزيرة السياحة السابقة.

اما السلطة الندائية-النهضوية الوفاقية (المتشكلة من حزب “نداء تونس”، وهو يمثل رجال ونساء عهد بورقيبة وبن علي وحزب الإخوان المسلمين أي “النهضة” وبعض الأحزاب الأخرى التي شكلها رجال الأعمال والمرتشين)* فهي “الخلاصة” السياسية الصافية للتوافق على نهج الوكالة لعواصم النهب والتفويت في السيادة على الارض والموارد والحاضر والمستقبل.

النتيجة المنطقية لهذا المسار التراكمي هي ما نشهده هذه الايام من حملة مسعورة تستغلّ الحج اليهودي السنوي الى كنيس “الغريبة” في جزيرة جربة للترويج والدعوة الصريحة الى “التطبيع مع العدو الصهيوني” والاعتراف الرسمي بـــ”دولة اسرائيل” عبر “اقامة علاقات ديبلوماسية رسمية”…
بلغت هذه الدعوات ذروتها مع المقال الذي نشره ديبلوماسي سابق يدعى “فرحات عثمان”، ومع الومضات الاشهارية حول حج الغريبة في وسائل الاعلام الرسمية والخاصة.
ما قراناه و ما سمعناه و تابعناه، لا يخرج عن  نفس الحجج المعهودة الواهية التي ترددت طويلا مثل “طاحونة الشيئ المعتاد” من نوع “الواقعية” و”الجدوى الاقتصادية” و”التاسق مع الشرعية الدولية” و”التسامح” و”نبذ التعصّب”، وهي في الحقيقة، الحجج التي انتهت صلاحيتها منذ زمن طويل ولم تعد قادرة حتى على اخفاء نذالة وجبن أصحابها المُفرّطين في الحقّ والعدالة والمُنبطحين امام الاحتلال والغزو الاجرامي البربري لفلسطين ولمنطقتنا العربية ككل.

اما اخطر ما صاحب هذه الحملة ، فهو الاعلان الرسمي عن زيارة “حجاج اسرائيليين” الى تونس و التطابق المريب الذي تقيمه عدة وسائل اعلام بين ما تسّميه “الجالية” اليهودية والجالية “الاسرائيلية” وحول الامن المتوفر لها في تونس.

يهّمنا التاكيد مرة اخرى ان تونس ليس وطن طوائف ولا جاليات، تونس المشروع الديمقراطي اليساري التقدمي التي ناضلنا و نناضل من اجل بنائها هي تونس التي تشكّل فيها المواطنة – لا المعتقد او اللون او الجنس- مقياس و شرط الانتماء.

إن ارتفاع اصوات انصار التطبيع ورفع رؤوسهم علنا من جحور التقيّة أصبح كاشفا للوجه والتوجهات و الممارسات الفعلية للنظام السياسي القائم حاليا بكل أجهزته ومؤسساته، وهو الامر الذي يطرح على كل من رفعوا معنا في السابق شعارات معاداة التطبيع ونصرة الشعب الفلسطيني واصبح طرفا في احدى مؤسسات النظام واعني بها مجلس النواب، وجب على هؤلاء (كحدّ ادنى)* ان لا يخفوا رؤوسهم بين كثبان كراسي المجلس وأن لا يطلّقوا ما بقي من قيمهم ومرجعياتهم المعادية للصهيونية والاستعمار.
تونس في 5 ماي 2015

■ ■ ■

 

تعقيب من “كنعان”

أضافت هيئة تحرير مجلة “كنعان” بعض التحويرات في الشكل، وليس في الجوهر، إلى الجمل والعبارات التي رافقتها نجمة (*) من أجل توضيح المعنى لغير التونسيين، أو لغير المتابعين بدقة لهذا الموضوع في تونس، كما نشير إلى ارتكاب العدو الصهيوني عدوان مباشرا على تونس، إذ قصفت طائراته الحربية ضاحية “حمام الشط”، حيث كان مقررا عقد اجتماع لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم 1 تشرين الأول/اكتوبر 1985، فقتلت عشرات التونسيين والفلسطينيين، واغتالت المخابرات العسكرية الصهيونية عددا من القادة الفلسطينيين في تونس بين 1988 و1991 (منهم أبو جهاد وأبو اياد)، وقاد “إيهود باراك” إحدى فرق الإغتيال، وتشكل المطالبة بمحاكمة المجرمين المسئولين عن هذه الإغتيالات والتصفيات الجسدية والعدوان بالطائرات، الحد الأدنى الضروري من المطالب المنصنفة في خانة “الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان”

عن هيئة تحرير مجلة “كنعان”