جرود عرسال وجرود عين الحلوة !

ثريا عاصي

        بصرف النظر عن المباهاة بوقوف “الأشقاء” آل سعود إلى جانب “الثورة السورية” بالإضافة إلى “أخوة الإسلام” في تركيا وإلى الإشتراكيين الفرنسيين باسم أحقية المستعمر القديم بالوصاية (حروب السيد هولاند في شاطيء العاج، مالي، أفريقيا الوسطى..! ) . وأبعد من دموع التماسيح التي يذرفها على الشعب السوري، في كل مناسبة السادة أردوغان التركي وسعود الفيصل آل سعود ووزير خارجية فرنسا فابيوس ومفكرها الفهلوي برنار هنري ليفي، ورغم الكم الهائل من الأكاذيب التي يروجها جميع هؤلاء، هناك حقيقة ثابتة، أكاد أن أقول يتوجب علينا حفظها في ذاكرتنا، كمَعلم من مَعالم تاريخنا المعاصر، هي أن الجيش العربي السوري قدم أزيد من سبعين ألف شهيد من أجل أن تبقى سورية، جمهورية عربية سورية !

        الخدعة الكبرى، التي إنطلت كما أظن على الكثيرين تمثلت في إخفاء الهدف الحقيقي من الحرب على سورية وفي تسويق مزاعم مفادها أن آل سعود والأمم المتحدة والحكومة الفرنسية والإدارة الأميركية، يضمرون جميعاً الخير والحب للسوريين ! ويتمنون لهم الأمن والرفاه في ظل خادم الحرمين !. بحسب هذه الخدعة ليس صحيحا انهم يريدون كسر الكيان الوطني السوري وتفرقة السوريين أيادي سبأ؟!

        إن ما يجري في سورية جريمة، أسموها “ثورة” ! ملايين السوريين يقبعون في مخيمات اللاجئين، رهائن لدى العثمانيين الجدد في تركيا، ولدى الأمم المتحدة وآل سعود في لبنان والأردن . أي انهم لن يستطيعوا الخروج من هذه المخيمات و”العودة”، ما لم تنتصر دولتهم العربية السورية  في الحرب ضد أعدائهم، أصدقاء الزور الذين غشوهم !

        من بين هؤلاء الأخيرين، يجب أن نذكر “الأصدقاء” الفلسطينيين، الذي حوّلوا كما يبدو، مخيم اللاجئيين الفلسطينيين في عين الحلوة في صيدا إلى قاعدة عسكرية يريدون الإنطلاق منها والتأثير على ميزان القوى في سورية ولبنان لصالح ” الثورة ” التي تخوضها “داعش” والنصرة !

أصدقاء الزور الفلسطينيين جعلوا مخيم اللاجئين في عين الحلوة كمثل القلمون وجرود عرسال  معقلاً لل”ثوّار” ضد المقاومة اللبنانية التي لا يستطيع أحد أن يزايد عليها في كفاح المستعمرين الإسرائيليين ودحرهم من جنوب لبنان .

        كيف نفهم إذن إنضمام “أصدقاء الزور الفلسطينيين” إلى الحرب ضد سورية والعراق بقصد إنشاء ” دولة إسلامية سنية ” ؟. من البديهي أن المقاومة اللبنانية تعترض عملياً وفعلياً على إقامة مثل هذه الدولة، ورغم قصورها النظري والإعلامي في التعبير عن طبيعتها الوطنية وعن شكلية  مظهرها المذهبي . يعترف الناطقون باسم هذه المقاومة، أن الأخيرة جزء من الثورة الإسلامية التي انطلقت من إيران وكلنا يعلم كم هي حريصة هذه الثورة الإيرانية على الوطن إيران ! فلماذا لا تكون المقاومة اللبنانية هي أيضا حريصة على الوطن لبنان ؟ أي فريق من أفرقاء السياسة في لبنان يستطيع مضاهاة حزب الله في البذل والتضحية دفاعاً عن التراب الوطني ؟

        يحق لنا أن نقول، إن غاية “أصدقاء الزور الفلسطينيين” من ” الدولة الإسلامية السنية ” هي دعم مشروع توطين الفلسطينيين خارج فلسطين . إذ من المفترض أن يكون الإنتماء للدولة الإسلامية السنية الموعودة، على أساس الدين والمذهب ! المفارقة هنا أن الفلسطينيين عرفوا الدولة الإسلامية في قطاع غزة، مثلما أنهم خبروا السلطة في رام الله قبل اغتيال الرئيس ياسر عرفات، ولقد كانت  نسخة طبق الأصل عن نظم الحكم العربية التي خبرناها جميعاً من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ! فضلاً عن أنهم يعيشون في الراهن في ظل سلطة التطبيع والتنسيق الأمني مع المستعمرين الإسرائيليين .

        أنا أزعم بأن لا “الدولة الإسلامية السنية” ولا السلطة، سواء كانت على شاكلة السلطة في زمان عرفات أو بعده، لم تضعا الفلسطينيين على الطريق المؤدي إلى حل قضيتهم الوطنية . من البديهي أن هذه الأخيرة هي قضية تحرر وطني وليست قضية دينية على الإطلاق . إن الثورات التي تخرج من المساجد في هذا الزمان كما لاحظنا، هي ثورات مشبوهة، دموية، تخريبية، تدميرية . إن قضية فلسطين هي قضية تحرر من الإستعمار .

        ليس من الضروري في هذا الزمان أن تلجأ الثورات دائماً إلى العنف وأن تستخدم السلاح . إن عبقرية الناس الوطنيين قادرة في مواجهة الإستبداد وفي كفاح عنصرية المستعمرين، على ابتكار وسائل نضال كفيلة بإيصالهم إلى الأهداف المنشودة . أما السلاح الذي يتدفق على ” ثوار الزور ” من آل سعود وتركيا وقطر وفرنسا والولايات المتحدة، فالغاية منه في الحد الأدنى تدعيم الإستبداد وفي الحد الأقصى استبداله من أجل استخدامه في قيادة المستعمَرين إلى حرب هيمنة إستعمارية، تمكن الأخيرين أي المستعمَرين من استعمار غيرهم .

إن حل القضية الوطنية الفلسطينيىة لا يكون بإعطاء ” الفلسطينيين الإسلاميين السنة ” أرض الذين يرفضون أن يكونوا ” إسلاميين سنة ” في لبنان وسورية والعراق وفلسطين !

:::::

“الديار”