حين تتكرر الكثير من وقائع التاريخ!

د. عادل سمارة

الأرض المحتلة

قراءة في كتاب:

د. عصام محمدالسعدي

الحركة الوطنية الأردنية 1946-1953: محاولة لإعادة كتابة  تاريخ الأردن.

منشورات  معهد المشرق للدراسات الجيوسياسية، الطبعة الأولى،  2014.

فقد طلب إليَّ الصديق عبد الله حمودة قراءة هذا العمل الجاد ل د. عصام محمد السعدي. آمل أن أكن أوفيت بالغرض خدمة للأردن والحركة الوطنية الأردنية وكامل الوطن العربي الكبير.

التاريخ كائن حي يشمل ماضينا وبعض واقعنا، ولكن لا يجب أن يحكم واقعنا الذي هو طفل التاريخ كي لا يكون واقعنا نسخة عن ماضينا تماما، وهو لن يكون كذلك سوى في تخيل بعضنا هذا رغم تشابهات كثيرة. والتشابهات ليست سوى دليل درجة عالية من ضعف الأداء والحراك. ولعل هذا ما أغرى وأغوى كثير من الكتاب الغربيين باتهام الشرق بالسكونية والجمود بانتظار فاعل استعماري أو “استعماري حضاري” ليفض بكارة هذا الشرق فيحمل حملا مشوها لا شرقيا ولا غربياً.

هكذا كتاب د. عصام السعدي  عرض نقدي تحليلي لمشهد الواقع كما كان. حين تقرأه تعيشه حتى لو لم تكن من شهوده، وذلك بالتوثيق الممل، والتوثيق ضروري ومركزي حتى لو لم يكن المبحث أكاديمياً.

لماذا أذكر التاريخ، لأن في العالم أو للعالم تواريخاً هي بعيدة عن التاريخ بمضمونه العلمي ودوره كشاهد ومعلم. ولكي لا نجلد أنفسنا كثيراً، فالتاريخ الذي نراه للعالم بدأ تشويهه من الغرب الراسمالي الرسمي ومن كثير من مستخدميه وموظفيه من دوائر الاستشراق والأكاديميا وخاصة الدوائر المركَّبة المهجنة أي أكاديميا جوهريا مخابراتية. ولعل أكثر ضحاياها كنا نحن العرب كأمة قيد الاستهداف الدائم ولا نزال. ولعل جامعات بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة ضليعة في هذا،  أما برنارد لويس فهو قاسم البلدين المشترك ناهيك عن جذره وولائه الصهيوني.

صحيح أن التاريخ غالبا هو تاريخ الطبقات الحاكمة في المركز والمحيط. وربما يكون الفارق في المستوى الثقافي والأكاديمي، بمعنى أن أكاديميي ومثقفي الغرب الراسمالي هم غالباً، بمن فيهم اليسار، يمحضون لائهم دائما لبلدانهم حتى باختلافهم مع الطبقات الحاكمة. ومن يتذكر موقف اليسار الغربي ضد العراق في حرب 1991 وحتى اليوم يدرك ما نقول تماماً. بينما يزخر الوطن العربي بمثقفي الطابور السادس الثقافي الذين يخدمون بوضوح الثورة المضادة.

وإذا كانت امريكا قد اشترت الكثير من الصحف والمثقفين في الأردن في الفترة التي غطاها الكتاب، فإن الولايات المتحدة وحكام النفط قد اشتروا كتابا وصحفيين ومثقفين وإعلاميين  في طول الوطن العربي وعرضه.

وإذا كان الكاتب، ولغرض إنجاز هدف التوثيق العلمي قد تحاشى المقارنة بين الأمس واليوم فقد اجزت لنفسي تلك القارنة…..

كتاب السعدي في تأريخه للحركة الوطنية الأردنية يزخر بكشف الخاصرتين الضعيفتين في الأردن:

  • القشرة السياسية الحاكمة
  • والقشرة الثقافية الخادمة

لماذا القشرة وليس النخبة؟ لأن النخب  نتاج طبيعي لبنية اجتماعية سياسية متحورة عن تشكيلة اجتماعية اقتصادية طبيعية، وهذا في الأردن غائب بل غائب في معظم الكيانات العربية أي تفريخات جريمة سايكس-بيكو.

لعل أحد مرتكزات الكتاب في تأكيد الكاتب على أن الأردن ليس كيانا قابلا للحياة بمعزل عن سوريا أو العراق او كليهما، وعدم توفر هذه الإمكانية كانت “وبرأينا” لا تزال مخزن تفسير كون الأردن كيان يعيش بدوره المتخارج غرباً مما جعله أداة للغرب الرأسمالي من جهة وسور شرقي للكيان الصهيوني الإشكنازي من جهة ثانية.

وبلد في وضع كهذا يفقد هويته من جهة، ولا يتمكن من تركيب هوية أخرى من جهة ثانية. فهو حالة مركَّبة من أسرة حاكمة ليست أردنية. ويكون وضعها طبيعي لو كانت عروبية ووحدوية التوجه، لكنها ليست هكذا كما يؤكد الكاتب. بلد شعبه عربي وسياسته غربية متخارجة، وأصبح نصف شعبه عربي فلسطيني كذلك بينما النظام على تنسيق في خدمة العدو الذي اغتصب فلسطين. فكيف لا يكون هذا حال غريب لا بل خطير؟ بل نظام استدعى درجة من اللبرالية السياسية  أي برلمان وانتخابات حرة وحكومة ديمقراطية…الخ ص 92 بينما هو مستعمرة خاضعة للاستعمار المباشر. وديمقراطية تحت الاستعمار لا بد أن تكون مشوهة. وربما كانت تلك الديمقراطية المشوهة، سابقة تاريخية لفلسطينيي الأرض المحتلة 1967 ليقيموا ديمقراطية تحت استعمار استيطاني اقتلاعي وهي اللعبة التي اشغلتهم عن التحرير بالانشغال في مكاسب الحكم الأعرج فالاقتتال.

كتاب الحركة الوطنية الأردنية يبين أن الأردن عاش وضعية من ضياع الهوية عبر تورطه في تناسل الهويات: فهو بلد عربي سياسته غربية، وهو بلد يزعم الديمقراطية بملكية أسرية ومطلقة، وهو بلد يشاكس على مختلف القطريات العربية ويزعم بأن نظامه عربي اصيل، وهو بلد فيه مظاهر ما بعد حداثية في مجتمع ما قبل راسمالي، وهو بلد استهلاكي دون قاعدة إنتاجية مناسبة…الخ

يكشف السعدي بأن الجغرافيا، بمعنى الحيز هي من أهم هواجس النظام. فبقعة صحراوية في أغلبها وتقع بين قطرين عربيين كبيرين ومكتملي الهوية ويناصبهما العداء يدفعه إلى توسيع الحيز ولو على حساب سحق الحيز الفلسطيني على يد الإمبريالية ولصالح العدو الصهيوني  ليأخذ كسرة منه. هذا ما يتضح من دور الملك عبد الله في تأييد مسودة التقسيم كما وردت في الكتاب الأبيض 1937 ومشروع التقسيم الذي تبنته الأمم المتحدة عام 1947. وهو تأييد كان اساسه أن يبتلع النظام الأردني الضفة الغربية وليس قبول به كي يُقام كيان فلسطيني مؤقت ريثما تُتاح فرصة تحرير فلسطين. وبالطبع بين الكاتب ان مسألة التقسيم كانت خلافا دائما بين الملك والمعارضة، الملك مع التقسيم والمعارضة ضده. ولهذه الأسباب تحديداً وقف الملك عبد الله ضد حكومة عموم فلسطين بشكل متواصل وواجه حتى كل الجامعة العربية من أجل تمرير موقفه هذا. ولكي يُجهز على الحق الحقيقي في تقرير المصير، اي حق العرب الفلسطينيين فقد سخر قواته العسكرية والأمنية لتصفية المقاومة الفلسطينية إثر اغتصاب فلسطين 1948، ولعبت هذه القوات دور الحارس لحدود فلسطين المحتلة.

بل يبين الكاتب دور الملك عبد الله في إيصال الجيوش العربية التي يُفترض أنها حاولت الدفاع عن فلسطين عام 1948، إيصالها إلى هزيمة، اي دخول حرب بهدف الهزيمة في الحرب وهو ما قدم للكيان الصهيوني خدمة هائلة. وقد لا ابالغ في الذهاب مع الكاتب إلى الحد الذي أعتقده وكتبت عنه كثيراُ وهو دور العرب في بناء الكيان الصهيوني بدءا من الحرب بهدف الهزيمة إلى تفريغ الوطن العربي من اليهود العرب في سياسات جوهرها أن الكيان الصهيوني صار أمرا واقعاً منذ بداياته الأولى.

من مرتكزات الكتاب علاقة النظام في الأردن بالاستعمار البريطاني وهي علاقة حجر أساس في خلقه واستمراره. وكأن الكاتب يريد القول بأن السلطة في الأردن مستجلبة إليه من الجزيرة العربية كما هي السلطة الصهيونية مستجلبة من مئة قومية وأمة. وقد يكون هذا أحد اسرار ذلك التحالف الوثيق اللصيق بين الطرفين وخاصة قطع اية إمكانية لكيان فلسطيني حيث استمات الملك عبد الله لتنفيذ قرار تقسيم فلسطين ليقضم شرقي فلسطين في النهاية بل وتغيير اسم هذا الجزء في عملية تكريس خطاب يتحاشى ذكر اسم فلسطين! ومن هنا يمكننا القول بأن هذا الدور ضد فلسطين هو الذي قلب العلاقة ليصبح شرق الأردن هو المركز وبقية فلسطين هي المحيط. وهو ما تجلى سياسيا وإداريا في تصنيع مؤتمر اريحا وتغليفه بعروبة الشعبين في خطوة كرست الكيان الصهيوني بينما بقي النظام ضد الوحدة العربية الحقيقية مع العراق وسوريا!

ومسألة استخدام النظام للخطاب القومي الوحدوي العروبي  بما يقوِّض الوحدة العربية هي مسألة في منتهى الخطورة ولا تزال. فهو خطاب ومن ثم موقف قُطري يستغل الانتماء العروبي لتوسيع رقعة حكمه من جهة، ولاجتثاث القضية الفلسطينية في خدمة المشروع الصهيوني بينما يقف ضد اي توجه وحدوي حقيقي حتى بين اقطار عربية أخرى (موقف الأردن ضد الوحدة المصرية السورية 1958-61″ .

إن إيراد هذه المسألة في كتاب السعدي يتقاطع مع مسالة أساسية في الوطن العربي وهي وجود قوميتين في الوطن العربي:

  • قومية الطبقات الحاكمة وهي جوهريا قطرية تجزيئية معادية للوحدة العربية ومتخارجة مصلحيا لصالح العدو الراسمالي الغربي
  • وقومية الطبقات الشعبية التي تجسدت في مسيرة الحركة الوطنية الأردنية وهي قومية  وحدوية واشتراكية في التحليل الأخير.

لعل الكتاب هو تاريخ التناقض بل الصراع بين هذين التوجهين. ومن المفارقات العجيبة أن هذا لا يزال على حاله. ففي حين برر النظام الهاشمي ضم بقية فلسطين إلى الأردن  مستخدما المسألة القومية بينما هو مضاد للعروبة، فإن عاصفة الحزم اليوم ضد اليمن هي استخدام خبيث للمسألة القومية من أنظمة هدفها تقويض العمق والبعد العروبيين.

وهذا يفتح على مسألة مرتبطة مباشرة وهي الدفاع العربي المشترك (ص 286 ) والذي لم يتم ابدا تفعيله للدفاع عن اي قطر عربي دفاعا حقيقيا، بل تم تشغيله أحيانا لصالح صراع المحاور العربية ، ويتم اليوم إحياؤه لسيطرة حكام النفط وخاصة السعوديين على اليمن لإبقائه حديقة خلفية لمجلس التعاون الخليجي وحتى تقسيمه إلى دويلات. وهكذا، بدل أن يتم تفعيل هذا الدفاع المشترك ضد الكيان الصهيوني يتم الاعتراف بهذا الكيان من البعض علانية ومن البعض سرا!

وفي حين كان النظام ضد الوحدة العربية بشكل عملي، كانت الحركة الأوطنية الردنية تجسيدا للقومية الكامنة سواء من حيث النضال داخل الأردن نفسه او من خلال المشاركة بالتظاهرات والتأييد لمختلف الأقطار العربية في نضالاتها التحررية سواء في العراق أو مصر أو المغرب…الخ. وهذا يفتح مجددا على مقارنة ذلك المناخ العروبي حينها ليس في الأردن وحده بل في مجمل الوطن العربي وبين ما يحصل اليوم من موات الشارع العربي حيث يرى ذبح الحواضر العربية التاريخية القاهرة دمشق بغداد صنعاء وكأنه يتابع مسلسللا تلفزيونيا. هل هي مشكلة الحركة التحررية العربية أم مشكلة الأنظمة التابعة أم دور الكيان والإمبريالية، هذا حديث آخر.

يكشف السعدي خلل بنية الجيش الأردني. جيش عربي يقوده جنرال بريطاني يمثل الحضور الاستعماري المعادي للأمة العربية. جنرال مستشرق يحرص على انتقاء الضباط من أوساط أمية كي يضمن ولاء لسياسات البلد وليس للبلد ويستثني المتعلمين من ابناء الفلاحين قدر الإمكان. لذا، كان الجيش في معظم صفحات الصراع السياسي في الأردن أداة قمع الحركة الوطنية بدل الشرطة ، كما لم تتمكن العناصر العروبية فيه من الدفاع كما تريد عن فلسطين بل عن حدود الأردن نفسه مع الكيان الصهيوني.

يمكن القول بأن الكاتب حاول بنجاح إنصاف الحركة الوطنية في الأردن من حيث عروبتها وإخلاصها وتضحياتها، وحاول إنصاف الجناح العروبي في النظام ممثلا في الملك طلال. لكنه أوضح محدودية ما يمكن لشخص في نظام بكامله أن يغير علاوة على أن بلدا فقيرا وتابعا كان ولا يزال أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الذهاب عروبيا في علاقة وحدوية مع جارتيه العربيتين وإما البقاء في إسار  التبعية للاستعمار وللصهيونية وهو ما حصل ولا يزال.

وإنصاف الحركة الوطنية شديد الأهمية لأنه في التحليل الأخيرإنصاف للشعب نفسه لا سيما في مرحلة من تطور/تخلف الوطن العربي لا يطفو فيها على السطح سوى الحكام والطابور السادس الثقافي. لذا يمكننا القول بان الكتاب هو “تاريخ معاناة ونضال الحركة الوطنية الأردنية”.

من المهم أن الكاتب ابرز دور الحركة الوطنية الأردنية في موقفها من الكيان الصهيوني وفي تواصلها مع حركة التحرر العربية مقابل دور النظام المعاكس تماما بمعنى أن الأردن عاش تلك الفترة، في صراع داخلي بين الثورة والثورة المضادة. وهنا نعود إلى التاريخ، فالنظام يقف اليوم في مركز الثورة المضادة في الوطن العربي وخاصة ضد الجمهوريات العربية وجيوشها. وبالطبع هناك اختلاف خطير اليوم بمعنى أن الثورة المضادة قد التهمت قوى الدين السياسي وهو ما لم يكن بادياً في الفترة التي عالجها الكتاب.

يولي الكاتب تركيزا كبيرا على دور الحزب الشيوعي في الحركة الوطنية الأردنية، سواء في جذرية موقفه من النظام أو في دعمه لثورة رشيد عالي الكيلاني او موقفه من الاستعمار ومشاركته في مختلف الفعل الاحتجاجي والثوري في الأردن. ويعطي الحزب الشيوعي أكثر من الأحزاب الأخرى وخاصة حزب البعث. كما يركز الكاتب على دور الحزب في محاولة تكريس الكيانية الفلسطينية بعد اغتصاب فلسطين بما هي كيانية وجودها كليا ضد العدو الصهيوني ويبين كيف ان هذا كان تناقضا رئيسيا بين الحزب والنظام.

وقد يكون هذا طبيعي طالما هو موثقاً. ويبقى لأهل المعرفة والاختصاص مناقشة حدود الدقة في ذلك.

ورغم إشارة الكاتب إلى إخفاقات في أداء الحزب الشيوعي مثل مراجعة موقفه من تأييد ثورة الكيلاني في العراق، إلا أنه أغفل مسألة أساسية في تاريخ الحزب لم تندمل في ذاكرة الشعب والعروبة وهي الاعتراف بالكيان الصهيوني. ولا أدري إن كان الكاتب مع هذا الاعتراف ام لا.  والاعتراف كلف ولا يزال الشيوعيين جميعا اهتزاز ثقة الجماهير بهذا التيار، تكلفة وصلت حد اتهام الماركسية بأنها صهيونية. ولا زلت أعتقد ان المطلوب من كل الشيوعيين العرب الذين اعترفوا بالكيان أن ينقدوا انفسهم ويسحبوا ذلك الاعتراف. فلا يستقيم النضال من أجل فلسطين مع الإبقاء على الكيان والاعتراف به. أو بالتعبير الشعبي، “ما بتركب”.  بل يمكنني الذهاب إلى القوال بأن اعتراف أحزاب شيوعية عربية بما فيها الفلسطيني/الأردني بالكيان الصهيوني ساهم في سهولة اعتراف البرجوازية القطرية الكمبرادورية العربية بهذا الكيان وكل ذلك في سياق التطبيع مع العدو. ولا ننسى أن اعتراف الاتحاد السوفييتي بالكيان يكشف خلل ساسته ومفكريه حينها في فهم النظام الراسمالي العالمي وتحديداً في مستوى التحليل الاقتصادي الذي هو ميدان الماركسيين! مما اوقعهم في دعم مشروع راسمالي استيطاني أبيض وأسقطهم في موقف مركزاني اوروبي ضد شعب أُغتصب وطنه.

أما تغطية الكاتب لاعتراف الحزب الشيوعي بالكيان بمقولة ” وقوف الشيوعيين مع حق الشعوب في تقرير مصيرها” (ص 150)  فهي تغطية تثير جدلا كبيرا في كل من النظرية والتطبيق. فحق الشعوب في تقرير مصيرها هو حقها في وطنها وليس في وطن الآخرين، ناهيك عن أن الكيان الصهيوني لا يمثل أو يشكل شعباً بما هو تجميع من مئة قومية؟. وحق تقرير المصير مسألة تحدث عنها الثوري لينين كما تحدث عنها الإمبريالي ويدرو ويلسون، ولكل فهمه.

لعل تركيز الكاتب على شخصيتين مركزيتين محليتين في البحث بطوله كان شديد الأهمية وهما الملك عبد الله ورئيس وزرائه توفيق ابو الهدى.

لم يخفق الكاتب ابداً في توضيح دور الملك عبد الله كعدو للقومية العربية وحتى للجامعة العربية لأنه رآها، على تهافتها” خطرا على كيان يحكمه. بل وصف العرب ب الأمم العربية وهذا مدخل استشراقي من جهة ويتقاطع مع القطريين العرب وكثير من شيوعيي ما بعد الحداثة ومع الهدف الصهيوني من جهة ثانية . لعلها خلطة غريبة بالطبع.

  واضح أن ثلاثي الحكم حينها كان الملك عبد الله ويده اليمنى السياسي ابو الهدى واليسرى البريطاني جلوب باشا. هذا هو النظام إذن. لذا طبيعي ان يكون دوره مضاد للشعب الأردني والفلسطيني والعرب عامة.

ما لم يقله الكاتب إلا أنه عناه بوضوح بأن هذا الثلاثي لعب دورا مركزيا في ضياع فلسطين وتثبيت الكيان الصهيوني وخاصة عبر علاقة النظام بالاستعمار البريطاني ومن ثم الأمريكي.

وبالمقابل بين الكاتب أن الشام كانت دوما ملاذ المناضلين الأردنيين حين اشتداد القمع. مثلا مجيء ابو غنيمة إلى عمان معلنا انه جاء بجواز سفر سوري! وهذا هو الجذر القومي الذي حرص الملك عبد الله على اجتثاثه. هل يعيد التاريخ نفسه حين نشير إلى أن سوريا كانت الملاذ للمقاومة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي لبغداد 2003! وهي ملاذ المقاومة الفلسطينية اليوم.

أشار الكاتب الى علاقة الأردن بتركيا في كون النظامين جزءا من معسكر الثورة المضادة من جهة  وتجمعهما علاقة قوية ودور في خدمة الكيان الصهيوني من جهة ثانية  وعلاقة تحالف متواصل حتى اليوم في فلك استعماري. إنه التحالف “التاريخي” بين تركيا والكيان والنظام الأردني والذي يتجلى اليوم بوضوح ضد سوريا والعراق بل وضد العروبة باسرها.

هذا الكتاب مرآة للحركة الوطنية الأردنية. صحيح أنه غطى بضع سنوات من تاريخ هذه الحركة، ولكنه باب يفتح على حقبتين من التاريخ:

  • حقبة أو الفترة التي غطاها الكتاب
  • والحقبة الحالية التي تتشابه إلى حد محزن مع الحقبة قيد البحث مما يبين أن التاريخ قد تحرك بطيئا في الوطن العربي وبأن محرك قيادته كان في أغلبه بيد الثورة المضادة، فكان الدوران على المحور كبيرا وعميقا إلى حد كبير.

وهكذا، إذا كان الكاتب، ولغرض إنجاز هدف التوثيق العلمي،  قد تحاشى المقارنة بين الأمس واليوم فقد أجزت لنفسي ذلك وإن على سبيل الشيىء بالشيء يُذكر وليس  على اساس المقارنة التامة.

أختم بالقول، بأننا بحاجة إلى مثل هذا المجهود لقراءة مختلف جوانب تاريخ أمتنا العربية، نعم لأن التاريخ سجل الصراعات الطبقية والقومية بالطبع.