ليس بالمال والسلاح تحترم الممالك!

جمال محمد تقي

 

قالت مملكة السويد لمملكة ال سعود : بين البائع والشاري يفتح الله !

قررت الحكومة السويدية ذات المسحة اليسارية ، عدم تجديد اتفاقية التعاون العسكري مع المملكة السعودية ، لاسباب متعلقة بمواقف العديد من الاحزاب السويدية خاصة ، حزب اليسار وحزب البيئة الممثل بالحكومة بستة وزراء ، والداعية للتشدد بتنفيذ شروط ترخيص بيع السلاح وكل اشكال التعاون العسكري مع البلدان ذات الانظمة الاستبدادية او البلدان الداخلة بنزاعات عسكرية ، صحيح ان السويد قد خسرت زبونا سخيا لكنها قد ربحت احترامها لنفسها واحترام العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية المهتمة بشؤون التمييز وحقوق الانسان والفساد حول العالم ، اضافة لاحترام العديد من بلدان العالم الاخرى التي تنظر بازدراء للمعايير المزدوجة والانتقائية والبرغماتية المبتذلة التي تتعامل بها اغلب الدول الغربية المتشدقة بشعارات السلم العالمي وسيادة القانون وحقوق الانسان !

اتخذ هذا الموقف السويدي بعد تساوق مناقشته من قبل حزبي الائتلاف الحكومي المتشكل من الحزب الاجتماعي وحزب البيئة ، مع انتقادات مباشرة اطلقتها وزيرة الخارجية السويدية ، مارغوت فالستروم ، في البرلمان السويدي ، ضد التجاوزات المزمنة على حقوق الانسان في السعودية ، وكانت ملاحظاتها معززة بأدانة صريحة لعملية جلد الناشط الحقوقي السعودي رائف بدوي ، وايضا للتمييز المعلن ضد المرأة السعودية بدلالة منع قيادتها للسيارة ، ويبدو ان الوزيرة قد استبقت تلبيتها لدعوة الجامعة العربية لالقاء خطاب في اجتماع وزراء خارجية مجلس الجامعة بهذه الانتقادات المباشرة سعيا منها لتعويد الاذان الرسمية العربية على هكذا نمط من الانتقادات ، لكن !

لكن التمييز ضد النساء بالردود الدبلوماسية ايضا:

جاء الرد السعودي سريعا وقويا وغاضبا ، كيف تتجرأ ، حرمة ، مهما كان شأنها او هويتها على انتقاد شأن سعودي ملكي لا يفتي به غير وعاض البلاط ؟ كيف تفعل هذا وبلادها مستفيدة لحد بعيد من التعاون التجاري ناهيك عن العسكري مع المملكة ؟ كيف تتطاول وملكها كان من اوائل المهرولين للتعزية بوفاة الملك عبدالله ؟ حتى الامريكان يحسبون لكلامهم مع المملكة الف حساب ، انهم يضعون انتقاداتهم على آلسنة بعض النواب او بعض الشخصيات التي ليس لها مهام تنفيذية ، وهم يعرفون حساسية ان يأتي النقد من حرمة ، فكيف تجرأت هذه الحرمة ، هذه الوزيرة السويدية التي لم يمر على استيزارها اكثر من 6 اشهر ، على التدخل بخصوصيات المملكة ؟

بضغط سعودي الغت الجامعة العربية دعوتها للوزيرة ، ثم اصدرت بيانا شجبت به تصريحاتها الصحفية حول حقوق الانسان في المملكة ، ثم قررت الرياض سحب سفيرها من ستوكهولم ، وزادت عليه ايقاف اصدار التأشيرات الممنوحة لرجال الاعمال السويديين ، وتبعها بهذا الاجراء حكومة دولة الامارات المتحدة !

لم يكن الموقف الحكومي السويدي يحظى بحماسة النافذين  من رجال الاعمال السويديين ، والذين يدركون ان ما لايدخل بجيوبهم من ارباح الصفقات مع المملكة التي تحلي افواه المتعاملين معها بما لا يحلمون به من فوائد ، سيدخل جيوب اقرانهم من المنافسين الذين يفعلون الافاعيل لتسويق منتجاتهم في السوق السعودية ، هناك شركات مرموقة كانت قد حجبت صور نساء كتلوكاتها لارضاء رغبات الشاري الملكي في السعودية ، وهناك من تخاتل مع قوانين التجارة والتصدير في بلاده لاجل كسب رضى القائمين على الامر في السعودية !

لقد حذر فالمبري وهو واحد من اكبرعائلات المال والاعمال في السويد من استمرار حالة التشنج في العلاقة مع السعودية ومن تأثير القطيعة معها على نمو التجارة الخارجية السويدية ، وتبعه في ذلك العديد من رجال الاعمال ومديري الشركات الكبرى ، بما فيهم بعض مديري شركات انتاج السلاح وهندسة المشاريع العسكرية .

من جانبه اعرب رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين بنبرة لا تخلو من الاسف عن امله بتجاوز الازمة الدبلوماسية بين البلدين ، حتى الملك السويدي كارل ـ غوستاف السادس عشر ، وخروجا على المألوف ، اعلن عن استعداده للتوسط بين الدولتين لتجاوز الازمة الحاصلة ، وقد ابلغ ذلك رسميا لوزيرة الخارجية !

انتهت الازمة بعودة السفير السعودي لممارسة اعماله في ستوكهولم ، بعد ان اعتبرت السعودية ان تأسف رئيس الوزراء السويدي وقوله : يؤسفنا اي تأويل باننا اهنّا السعودية والاسلام ، على انه اعتذار حكومي ، معزز باطراء ملكي اعلنه كارل غوستاف ملك السويد عندما اكد على قوة العلاقة بين السويد والسعودية وعلى حرصه على استمرار العلاقة بينهما !

 العبرة بالنتائج الفعلية :    

لم تسحب وزيرة الخارجية السويدية تصريحاتها ، ولم تتنصل من مضامينها التي سببت الازمة ،  فقد قالت للصحافة بعد اعلان السعودية عن عودة سفيرها : هل قلت كلاما ليس صحيحا ، انتم اجيبوا ، واعادت ما قالته بطريقة استفهامية ، هل حقوق الانسان مصانة في السعودية نعم ام لا ؟ هل يسمح للنساء هناك بقيادة السيارة ، نعم ام لا ؟ انا لم اسيء للاسلام ، لان ليس فيما قلته علاقة بالدين، لقد تحاشت الاستفاضة بالموضوع استجابة للضغوط ، صحيح ان الوزيرة من نفس حزب رئيس الوزراء حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي ، وهو حزب اشتراكي  يصنف في مرتبة يسار الوسط ، لكنها اكثر يسارية منه واكثر خبرة بنفاق العلاقات الدولية !                

الاهم في الامر كله ، اللاعودة عن قرار ايقاف العمل بالاتفاقية العسكرية ، وذلك لانه قرار يتمتع بتأييد ناخبي احزاب اليسار الحاكم ، اي لا يستطيع الملك السويدي نقضه ، لان الملك يملك ولا يحكم ولا يستطيع رئيس الوزراء المغامرة بعدم التجاوب معه لان اغلب قواعد حزبه تؤيده !

اسلحة الراشي والمرتشي :

مصانع الاسلحة مستمرة بالانتاج ، واسواق تصريفها بيضاء كانت ام سوداء تحتاج دائما لمستهلكين جدد ، لكن عندما يزيد العرض على الطلب ، يزيد نهم البحث عن اسواق بديلة حتى لو كانت وهمية ، لتحقيق شيء من التوازن الذي لا يتحقق الا بالمزيد من الحروب والنزاعات الفعلية او الافتراضية .

الاستثمار في انتاج الاسلحة بالنسبة للدول المصدرة مصدر مثالي للعائدات الخارجية ، وبارباح خيالية لا يقاربها غير ارباح الاستثمار بمصانع الادوية العملاقة ، وارباح شركات الاستثمار بالنفط استخراجا وتحويلا وتوزيعا .

البلدان الصناعية وما بعد الصناعية منهمكة بتصدير ما يعود عليها بالوافرمن العائدات، كالاسلحة والادوية ووسائل انتاج الطاقة ، وكل ما يمكن ان يحتاجه المستهلك ، وخاصة السلع الاستراتيجية التي يكون التنافس على التحكم باسواق تصريفها بكل الاسلحة المتاحة ، اما البلدان المدمنة على الاستهلاك فانها تحاول ان تجد ما يعينها من موارد تسدد بها فواتير الاستيراد بما فيها الوهمي كاستيراد الحماية!

السعودية تنفرد بكونها دولة كبرى بتصدير سلعة استراتيجية واحدة وعلى نطاق فلكي حوالي 10 مليون برميل نفط يوميا ، مما يوفر لها عوائد ريعية مهولة من النقد تقدر بحوالي 450 ـ 500 مليار دولار سنويا ، وبذات الوقت هي اكبر دولة مستهلكة لكل ما تحتاجه بسبب من تشوه نموها وتخلفه البنيوي المتلازم مع تخلف منظومتها التحتية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وفكريا ، وهذا التفرد يجعلها محط اغراء لكل البائعين على اختلاف سلعهم . يجعلها في مقدمة الدول التي تثير شهية الطمع عند الباحثين عن الاحتكار ،  ولا يمكن ان تحتكر استراتيجيا الا بحالة واحدة هي رهن مصيرها بالمصالح الحيوية المستدامة للمحتكر نفسه ، وهذا الذي حصل بين مملكة ال سعود ومؤسسة النظام الاحتكاري الامريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام !

السعودية الان من بين الدول الخمس الاكثر تسلحا في العالم ، فقد جاء بتقرير معهد ستوكهولم الدولي لابحاث السلام : زادت نسبة مخصصات السعودية للتسليح عام 2014 بنسبة 4 % عن العام الذي سبقه ، واذا علمنا بان كلفت عام 2013 وحده من التسليح السعودي بلغت حوالي 68 مليار دولار فان النمو مطردا وبارقام مليارية تأكل نسبة لا تقل عن ربع العائد الريعي السنوي للنفط ، اذا حسبنا معه ميزانية التكلفة التشغيلية للمؤسسة العسكرية خلال عام واحد فقط !

ربع الربع يذهب لرشوة المتعاقدين من الطرفين واحيانا يضاعف هذا المبلغ ليدخل حسابات الامراء المتعاقدين ، كما هي امثلة فضيحة صفقة ـ اليمامةـ التي بلغت كلفتها 86 مليار دولار !

لعام 2014 خصوصيته مع صفقات التسلح السعودي مع امريكا تحديدا ، ففيه تعهد بصفقة تقدر بحوالي 90 مليار دولار لتعزيز القطعات البحرية ، وقبلها صفقات لا تقل اقلها عن 2,2 مليار دولار مع روسيا عام 2009 لشراء اسلحة مدرعة لا معنى لها سوى كونها محاولة للتأثير على المواقف الروسية ، تشير بعض التقارير التي سربتها الصحف الامريكية بان هناك نية سعودية لشراء اسلحة اضافية امريكية بقيمة 80 مليار دولار حتى عام 2018 .

يلاحظ ان قيم اغلب الصفقات التسليحية مع امريكا لا تتناسب مع كمية ونوعية ما تبتاعه منها السعودية ، اضافة الى وجود صفقات وهمية بعشرات المليارات ، كاسلوب لدعم الادارات الامريكية التي تتردد باتخاذ مواقف مدافعة عن نظام المملكة ، انه وسيلة من وسائل الرشوة التي يتكرم بها ملوك المملكة على بنوك العم سام اثناء ازماته المالية ، وهي وسيلة للتغطية على دفع تكاليف الحماية الامريكية للملكة اثناء اشتداد الازمات الامنية كما هو الحال بالحرب الدائرة باليمن!