خواطر

 اللغة والثقافة العربية في فرنسا

الطاهر المعز

اللغة العربية هي لغة رسمية في 25 دولة، ويتكلمها ويكتبها حوالي 350 مليون مواطن عربي، إضافة إلى عشرات ملايين المسلمين الذين تعلموها، إلى جانب لغتهم الأم، وهي إحدى اللغات الست المعتمدة رسميا في الأمم المتحدة، ولكنها محاصرة ومحظورة في فرنسا التي استعمرت بلدان المغرب العربي الأربعة (موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس) إضافة إلى سوريا ولبنان، ونظمت حملات على مصر وسوريا وفلسطين منذ القرن الثامن عشر، ويوجد في فرنسا ما لا يقل عن ثلاثة ملايين مواطن ومهاجر (في فرنسا) يتكلمون اللغة العربية، ويحاول أكثر من 300 ألف شخص أن يتعلم اللغة العربية، خارج إطار التعليم الرسمي، وفي مؤسسات تسيطر عليها عادة منظمات الإسلام السياسي، لأن مدارس القطاع العام (مدارس وزارة التربية والتعليم) لا تخصص سوى 7600 مقعد لدراسة العربية في التعليم المتوسط والثانوي، في ظروف سيئة جدا، تفتقر إلى المدرسين الأكفاء وإلى وسائل الإيضاح والكتب والمراجع والمصادر الخ، بحسب دراسة نشرتها مجلة “تيليراما” عدد 3408 (كاثوليكية، مختصة في نقد برامج التلفزيون)، وألغت وزارة التعليم العالي التعليم باللغة العربية وأهم الشهادات والإمتحانات، في حين خصصت موارد هامة لتعليم اللغة الصينية، نظرا لأهمية الصين الإقتصادية، وحتى لما كانت العربية تدرس في المدارس الإبتدائية، كانت خارج أوقات الدراسة الرسمية، وأوكلت وزارة التعليم الفرنسية بهذه المهمة إلى قنصليات حكومات بورقيبة والحسن الثاني، بهدف مراقبة المهاجرين، من خلال تعليم العربية لأبنائهم، من ميزانية تونس والجزائر والمغرب، بمدرسين غير أكفاء، ولكنهم من المقربين إلى المسؤولين السياسيين في المغرب العربي، وتوقفت هذه الدروس منذ أكثر من عقدين، وأصدرت الدولة وبعض البلديات والهيئات العمومية المحلية، مراسيم ونصوص تحرم التخاطب بالعربية في الإدارة ومكاتب مختلف المصالح العمومية، والمدارس، وعدم الرد (بالعربية) على استفسارات المواطنين أو المهاجرين الذين لم يفهموا جيدا ما ورد في بعض الوثائق الإدارية، وسبق أن سلطت بلدية باريس وبعض مصالح الدولة عقوبات على موظفين حاولوا إرشاد المواطنين باللغة العربية…

لم تحارب الدولة الفرنسية ومؤسساتها اللغات الأخرى، بل كانت اللغة العربية هي الوحيدة المستهدفة، بعد أن كانت جامعة “السوربون” مقصدا لكبار الأدباء العرب، من أجل الحصول على شهادة الدكتوراه في الآداب والحضارة العربية (منهم طه حسين)، وتستهدف الحكومات الفرنسية المتعاقبة الحضارة العربية بشكل خاص (*)، ونجحت لدى الرأي العام المحلي في ربط صورة العربي بالإرهابي، وكان الإرهابي هو الفلسطيني قبل 30 سنة وأصبح الإرهابي هو “المسلم”، ولكنه يبقى دائما عربيا ومهاجرا أو ابن مهاجر…

لا ننتظر من العرب الآخرين (عرب النفط والغاز) أن يشترطوا على الحكومة الفرنسية إيلاء بعض الأهمية للغة والثقافة العربية، مقابل توقيع عقود شراء أسلحة، مثل طائرة “رافال” التي تمتلكها عائلة “داسو”، والتي تحول الرئيس “الإشتراكي” فرانسوا هولاند إلى موظف تجاري لديها. لا ننتظر من هؤلاء العرب الصهاينة، عملاء أمريكا والكيان الصهيوني أن يدافعوا على اللغة والحضارة العربية، لأن وظيفتهم في هذا العالم هي تشويه اللغة والحضارة وتفتيت الدول العربية، بناء على خطة صهيونية/امبريالية، إضافة إلى رائحة الغاز والنفط التي تفوح من مواقفهم وممارساتهم…

ما نطلبه هو أن يكف المثقفون العرب على تملق حكومة فرنسا ومنظماتها، وأن يكفوا عن اعتبارها “بلاد حقوق الإنسان”، لأنها في الواقع بلاد حقوق الكلاب، أما الإنسان، فتتعامل معه الشرطة والقضاء بحسب اسم عائلته ومكان ولادة أبويه ولونه، ودينه المفترض، فالعربي “مسلم” رغم أنفه، ولو كان اسمه “جورج” (حبش أو ابراهيم عبد الله)

نطالب المثقفين والشباب العرب أن يتظاهروا أمام سفارات فرنسا وقنصلياتها ومراكزها “الثقافية” ومنظماتها “غير الحكومية” للتنديد بمواقفها تجاه العرب، دولا وشعوبا ومواطنين أفراد

نحن عرب منفتحون على الآخر، لكننا نحارب هذا “الآخر” عندما يحتقرنا أو يحاربنا أو يحتل أراضينا أو يساند أعداءنا، وحكومة فرنسا “جمعت فأوعت”، إذ وفرت كل عوامل العداء لنا كشعوب عربية، ومارست ضدنا القتل في الماضي والحاضر، ومن واجبنا التعامل معها بنفس أساليبها، وإذا لم نستطع إلى ذلك سبيلا، نندد بمواقفها ولا نستسلم أو ننبطح أمامها

(*) المقصود بالعربي أو العرب، كل من سكن هذا الوطن الكبير الممتد من البحر إلى البحر، أكان أرمنيا أو كرديا، لجأ قبل عشرات السنين، جراء المجازر التي ارتكبتها الحكومات التركية، وأصبح مواطنا لبنانيا أو سوريا، أو بربر المغرب العربي، وهم السكان الأصليون لهذه المنطقة، قبل مجيء العرب، وتعريب أغلبية السكان، وأصبحت اللغة العربية وسيلة للتخاطب بين جميع مكونات المجتمعات العربية، ولكن اللغة (أي لغة) هي وعاء حضاري وتاريخي وثقافي، وتتجاوز مجرد التخاطب بين الناس، فاللغة أدب وشعر واكتشافات علمية وتبادل خبرات وأمثال شعبية تؤرخ لتطور البشرية في تلك الرقعة من الأرض، وحضارتنا العربية سابقة للحضارة الفرنسية، فاللغة العربية سبقت ميلاد المسيح بأكثر من خمسة قرون، في حين لا يتجاوز عمر اللغة الفرنسية، ومعظم اللغات الأوروبية أربعة أو خمسة قرون