متغيرات المشهد بعد عمليات القلمون

العميد د. امين محمد حطيط

لم يكن احد  ليصدق بان  تتم المرحلة الأساسية من عملية القلمون بالسرعة والطريقة التي حصلت فيها ، حيث استطاع الجيش العربي السوري و مجاهدو المقاومة التي ينظمها حزب الله ، تحقيق إنجاز عسكري إعجازي تجاوز خطوط ما رسمه المخططون أو حلم به المنفذون ، حيث أن المعركة التي كان مقدرا لها أن تكون على مرحلتين  أساسية تتوخى الإمساك بمفاتيح المنطقة و التحكم بالحركة و خطوط الأمداد فيها  ، و لاحقة تكرس لعمليات التنظيف و التطهير ، و أن لا تنجز باقل من  شهر و قد تصل إلى ستة أسابع ، فأنها أنجزت خاصة في المرحلة الأساسية بسرعة فاقت التوقع إذ لم تستغرق فعليا اكثر من أسبوع واحد ، تحققت خلاله الإنجازات الميدانية بما يزيد عن أهداف المرحلة الأساسية – مرحلة التحكم و السيطرة – و فتحت الطريق لتنفيذ مرحلة التطهير و التنظيف باقل ما كان مخططا  له  من الجهود و القدرات و بأقصر ما كان مرتقبا من وقت .

وتأسيسا على ذلك جاءت النتائج والمفاعيل التي أحدثتها معركة القلمون متجاوزة أيضا ما كان يمكن حصره بميدانها واندفعت لتؤثر على أكثر من اتجاه وحركة في كامل المشهد السوري والإقليمي بعناوينه العسكرية والسياسية والاستراتيجية إلى درجة يمكن معها القول بحصول متغيرات أساسية رسمت مشهدا مختلفا جذريا عما كان ساريا قبل القلمون. وهنا نستطيع التوقف عند التالي:

1.  على الصعيد السوري ومحور المقاومة: أحدثت معركة القلمون نقلة نوعية في معرض الصراع القائم بين المشروع الصهيواميركي العدواني، والمشروع الاستقلالي الإقليمي الدفاعي أمكن معها القول ب:

أ‌.   سقوط خطة فكي الكماشة التي عمل بها العدوان مؤخرا بعد فشله في الخطط الثلاث السابقة (خطة الإخوان – خطة بندر السعودية – خطة داعس التكفيرية)، سقوط ترافق مع صعوبة عملية بأطلاق خطة عدوان خامسة لضيق الوقت وتغير الميدان وانخفاض سقف المنفذين. إنجاز انعكس إخراجا للمنطقة السورية الوسطى الممتدة من دمشق وريفها جنوبا إلى حمص ومعظم ريفها شمالا من دائرة التهديد الجدي وبات الوسط السوري في مأمن فعلي بعيدا بشكل شبه نهائي عن خطر أي خطة تلجأ اليها قيادة العدوان على سورية. فقد كانت خطة فكي الكماشة تستند إلى القلمون بشكل جذري في نجاحها لتثبيت وتطويق دمشق وحمص والأن طارت تلك الفرصة وتعقدت تلك الخطة حتى أجهضت.

ب‌. سقط التفكير المعادي باللجوء إلى العنف والإرهاب من اجل أسقاط سورية، أو من اجل إعادة التوزان إلى الميدان وهو الهدف الذي أفشل جنيف 2 وتعثرت بسببه محاولات البحث عن حل سياسي للازمة. ولم يعد بعد القلمون بمقدور مدع القول بقدرته على أجراء تغيير ميداني عميق لصالحه ضد الدولة السورية، ولهذا اعترف أوباما بانه لا يملك حلا عسكريا في سورية.

ت‌. تغيير وظيفة العمل الإرهابي الميداني المستقبلي ضد سورية، فبعد أن كان يهدف إلى أسقاط الدولة أو إعادة التوازن إلى الميدان فيها بات هدفه الأن الاستنزاف والإرهاق ومنع تطوير إنجازات سورية لمنعها وحلفائها من صرفها في السياسة على مائدة الحل عندما يلجأ إلى التفاوض والحوار.

2.  على الصعيد اللبناني أكدت المقاومة قدراتها وبعد نظرها في تقييم الأمور وعدم الانجرار إلى المعارك الإلهائية أو الوقوع في فخ الغوغاء، إذ رغم كل ما قامت به الجماعات الملتزمة بالقرار السعودي وعبره أو بدونه بالقرار الصهيواميركي لثني حزب الله عن خوض هذه المعركة الاستراتيجية بمفاعيلها، ورغم الضغط على الجيش اللبناني لينأى بنفسه عن ميدانها فان المقاومة نفذت ما رأته صوابا لمصلحة الوطن ونسقت مع حليفها الاستراتيجي الجيش العربي السوري وحققت للبنان مكاسب هامة على الصعيدين الأمني والسياسي منها:

أ‌.   إبعاد خطر الإرهاب المباشر بالذراع القصيرة أو غير المباشر بالذراع الطويلة عن لبنان فارتاح لبنان من صواريخ العصابات المسلحة ومن سيارتها المفخخة ما أدى إلى انفراج أمنى واسع في الداخل اللبناني.

ب‌. سقوط هواجس كانت تلاحق اللبنانيين منذ أن أعلنت داعش خريطة دولتها المزعومة وضمت لبنان اليها، وحاولت تنفيذها في أب 2014 والهادفة إلى اقتطاع كلي وجزئي للمنطقة شمال خط عرسال طرابلس لإعلانه أمارة تتبع لدولة الإرهاب في العراق والشام (داعش).

ت‌. خفض مستوى مراهنات الفريق السياسي اللبناني الداعشي والنصروي الوهابي (ربطا بجبهة النصرة) ما يمنعه عن المغامرات بمصير الوطن ويجعله أكثر تقبلا لفكرة الشراكة الوطنية في إدارة الدولة بعيدا عن الهيمنة الاستئثارية التي جنح اليها منذ العام 2005 ما يعني التمهيد لتشكل بيئة خروج لبنان من حالة الانتظار وتعطيل إعادة تكوين السلطة ويبقى أن يكتمل الأمر بتحرك مسار الحل النهائي للمنطقة الذي يقترب.

3.     على الصعيد العسكري والاستراتيجي المتصل بإسرائيل والصراع معها تسجل:

أ‌.   خسارة إسرائيلية مزدوجة: فورية مرتبطة بالعدوان على سورية وتتمثل بفشل خطة فكي الكماشة التي شكلت إسرائيل احدى مكوناتها التنفيذية، واستراتيجية مستقبلية تعلق بطبيعة المواجهة مع المقاومة. إذ من غير ادنى شك تابعت إسرائيل عبر أقمارها الاصطناعية و طائراتها مجريات معركة القلمون و وقفت على النقلة النوعية للأداء الميداني العملاني لحزب الله و هو امر تجاوز ما كانت تتوقعه أن لجهة الأبداع في أساليب القتال أو لجهة استعمال الأسلحة الجديدة أو لجهة التعاون مع الجيش العربي السوري أو تناغم العمليات معه و كلها أمور تفرض على إسرائيل إعادة النظر بالعقيدة القتالية التي كانت راجعتها بعد حوب 2006  ، كما أنها تفرض عليها القبول صاغره بتفعيل اكبر لمعادلة الردع المتبادل و استبعاد حرب قريبة مع حزب الله ، تجرأ احد ضباطها قائلا عنها بانها لن تكون قبل 3 سنوات في حين كانت إسرائيل تهول بها في اشهر قريبة ،

ب‌. أما الأخطر على الصعيد الاستراتيجي المتصل بالمشروع الصهيو-أميركي فهو النتيجة التي أثبتها معركة القلمون بان الإرهاب إذا واجه المقاومة فانه يندحر حتما وهنا تكون الصفعة الأكبر التي تتلقاها أميركا التي عولت على الإرهاب جيشا سريا لها يشوه المقاومة أولا ثم يستنزفها ويلتهمها فأثبتت معركة القلمون أن المقاومة كعصا موسى تلقف ما يأفكون.

:::::

“الثورة”، دمشق