مستمعون طائفيون!

تعقيب على حديثي للميادين

عادل سمارة

قلما وُجدت كتابة سياسية أو اقتصادية محايدة ناهيك عن كونها بلا هدف. ربما بعض الفلسفة القديمة كانت للإنسانية وحسب، ومع ذلك يكتب الفيلسوف من مناخ موقعه السياسي والاقتصادي وعلاقته بالحاكم…الخ. ولأن الكتابة محكومة بحق القارىء في التعليق والتقييم واتخاذ موقف، يصبح من حق الكاتب ان يكتب كما يشعر وكيف ينتمي وكيف يرى وبالطبع بما يعتقد أنه يخدم القضية التي يهدف ترويجها ودعمها. لذا كثيرا ما تاتيك ردود مع او ضد بأدب وأحيانا دونما أدب…الخ. وبالطبع فعدم الرد على المؤدبين هو مشكلة الوقت، أما غير المؤدبين، فلا داع أصلاً ليس احتقارا لهم، بل إن الرد عليهم حتى بادب يغشهم لأنهم قد يشعرون بأن ما كتبوه له قيمة فيتمادوا عليك وعلى غيرك فيصلوا  حالة اللاعودة عن الجهل المتعالم بل والمعولم.

لعل اخطر بل أوسع جدال يدور في الوطن العربي وخاصة في فلسطين وكلها محتلة هو المتعلق بالطائفية. لقد جهز الغرب الرأسمالي من لندن لباريس لواشنطن ملفات ودراسات وأبحاث نظرية وميدانية إلى جانب إخباريات وأبحاث أكاديمية وقدموا منحا سخية لأبحاث أكاديمية كلها لقراءة الوطن العربي اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ونفسيا وسياسيا بالطبع. بدأ هذا من مشروع تحويلنا إلى الرجل المريض بعد الاستعمار العثماني وذلك بضربنا بجرثومة التعصب والاحتراب الطائفي التي وجدت لها تربة شديدة السوء فاستقبلتها بشغف  وشبق.

لعل أحد أهم أسباب نجاح هذا العدوان الطائفي أنه لا يحتاج عقلا ولا ثقافة ولا حتى استعمال العقل بحده الأدنى حتى لو كان ذلك العقل قريباً من التخلف البيولوجي.  لا مؤاخذة.

ماذا يحتاج المرء حتى يكون ويصطف ويقتل ويكتب ويفجر طائفياً؟  من ناحية علمية لا شيء. لم يعلم الإمام علي “كرَّم الله وجهه” أنه حينما قال بأن “الدين حمال أوجه” بأن المتخلفين استغلوا قوله هذا أكثر مما تعلم منه العباقرة! . استخدمه الأغبياء والخبثاء أكثر مما استخدمه العلماء. فالكل يُفتي. فكان قوله حمَّال أوجه أيضاً.

في الطائفية والمذهبية لا يحتاج المرء حتى ليكون متعلما الابتدائية، فليس فيها علم اجتماع ولا فلسفة ولا شعر ولا فيزياء ولا اقتصاد ولا علم نفس. فيها فقط:

“وما أنا إلا من غَزيَّة إن غزت….غزوت وإن تَرشُد غزية أرشدِ”

طبعا غزية هي قيادة الطائفة التي تقبض وهابيا وتلقي بفتات للمضيعين وتسلحهم وتدربهم، فلا يجدون افضل منه حالا.  وحين تغزو فالذين يغزون هم الفقراء، وحين ترشد يكون قد مات فريق من الفقراء. أعتقد ان  أحد اسباب الرشد الذي في لبنان اليوم لأن قطاعا واسعا من فقراء المذهبية قد قُتل، وتدين الرض للصهيونية والإمبريالية.

الصراع الطائفي الذي لا يزال في مرجل يوقدون تحته بالمال الذي يحوله إلى النووي وليس بالقش والحطب، هو الذي يحكم الكثير من العقول فتقرا طائفيا بلا مواربة . بل لا  تقرأ إلا طائفيا ومن الطائفة تذهب إلى الدول والأنظمة بقراءة طائفية ايضاً.

لم يكن الأعداء نائمين ولا مغفلين حين أشعلوا الطائفية والمذهبية. لقد درسوها وخمَّروها وأعادوها لنا إسلاما تدميرياً.

■ ■ ■

وصلتني على الخاص الرسالة التالية :

(( مساء الخير د.عادل سماره كيف حالك . أنا أكتب لك على الخاص حتى لا أحرجكة بكلامي ولحرصي الشديد أن لا أسيء لك بكلامي رغم أنك لا تعرفني مجرد صديق فيسبوك وقارئ جيد لك ولكتاباتك الرائعة التي أنتظرها لقراءتها والاستمتاك بالمعلومات التي تزودنا بها وكل يوم أتفاجأ بكتاباتك التي كنت أعتز بها وأتثقف من خلال مواضيعك المهمة والشيقة التي تنير عقول الناس . ولكن من بداية التحالف السعودي الأمريكي الصهيوني كما تصفه بدأت أقرأ أشياء أخرى . هذه كتابات إيرانية شيعية بين السطور وتكثيف ظهورك على فضائية الميادين والسورية وتقوم بالترويجيرلها مسبقاً ومديحك للنظام الإيراني والنظام السوري وتمجيدك للسيد بعد كل لقاء له . ثم هجومك العنيف على قطر والسعودية وتركيا وتصورهم أنهم عملاء لأمريكا واسرائيل وتتهمهم بقتل الشعب اليمني . ما الذي يحدث يا دكتور لماذا لم تذكر إبادة النظام السوري للشعب السوري لماذا لم تذكر تدمير الجيش الإيراني لسوريا وقتل الشعب السوري وتزويد إيران للجيش السوري الخائن لشعبه بالسلاح الفتاك بأوامر إسرائيلية أمريكية وتدمير واحتلال اليمن من قبل جيش إيران بمسمى الحوثيين الذين يبيدون كل يوم أبناء اليمن . الآن ما الفرق بين داعش والتحالف السعودي والحوثيين والنظام السوري والإيرانيين والإسرائيليين والأمريكان وحزب الله الموجودين في سوريا كلهم قتلة كلهم يسعون لإبادة شعوب دول المنطقة للسيطرة والهيمنة عليهم أما يدل هذا على مآمرة على الشعوب السنية والشيعية معاً يخيفنى دفاعك المستميت عن إيران والشيعة والنظام السوري الذي يستظيفك باستمرار على فضائياتهم. غذراً يا دكتور على كلامي ولكن لولا معزتك التي تكونت عن بعد لما تجرأت بمخاطبتك بهذه الكلمات. للمعرفة فقط أنا مواطن عادي ولست ذو منصب ولا متنفذ لهذا السبب أنا اعتز بكتاباتك السابقة وأنت حر بالرد. وشكراً لسعة صدرك))

■ ■ ■

واجبت الرجل بما يلي:

(((شكرا استاذ … بداية إن كنت فلسطينياً فإنني انا الذي يستغرب. سوريا وطن مهدد وفي هكذا موقف لا استطيع ان اكون محايدا. غيري بوسعه ان يقضي حياته مراقبا. انا لا. كفلسطيني بلا وطن لا اقبل ضياع اي شبر عربي. لا أؤمن بأي كلمة طائفية. بل احتقر الطوائف بأجمع قياداتها. لذا يؤسفني استخدامك كلمة شيعي. مبروك على إيران إخلاص قياداتها. هل إيران استعمار؟ لنفترض نعم. لماذا لا نقيم قوة عربية. هذا جوهر كل ما اكتب. ويا سيدي حين يكون الأمريكي والسعودي وحتى الصهيوني معا، سأكون مع من يواجههم بلا مواربة. نعم أعلق على خطاب السيد، ما العيب. أنا لست طائفي. انا لست تربية 40 سنة من الإقليمية الفلسطينية التي تضخ ضد سوريا للتغطية على الاعتراف بالكيان الصهيوني. وحصل. حاول ان تنظر في كامل الصورة قبل 3 اشهر حينما هاجم السيد صدام حسين هاجمت انا السيد. وعلى أية حال إن كنت تحب النشر علانية صدقني لا مانع لدي فأنا لم أخفي مواقفي. انا يا صديقي عروبي شيوعي بلا مواربة)))

انتهت المكاتبة.

■ ■ ■

طبعاً، لا داع لتوسع. إنما، حين يكون بيننا طائفيين إلى هذا الحد وهذا العدد ينسون الأعداء الحقيقيين للأمة والبشرية أي الكيان الصهيوني والولايات المتنحدة والغرب الراسمالي الرسمي والاستعمار العثماني وحكام السعودية وقطر وأمثالهم ومثقفي الطابور السادس قرضاوي وبشارة وطرابلسي والعظم…الخ) من ينسى هؤلاء يكون قد تورط في طائفية الدم حتى لو لم يحمل السلاح.

ثم ينسب كل جرائمهم لسوريا.

الغريب واللافت، أن هذا الرجل  كتب بعد أن استمع لحديثي الأخير للميادين، لكنه لم يلتقط جوهر حديثي مع أنني قلته بوضوح: إن المطلوب:

·        مقاومة عربية يقودها السيد.

·       وحركة سياسية شعبية عربية

·       ومشروع تنمية بالحماية الشعبية.

ترك الرجل كل هذا وقادته حساسية  هائلة بأن حديثك شيعي! لم يرى العمق العروبي فوضع للحديث عنوانا طائفياً. وهو لا يمكنه ان يفعل سوى هذا، لأنه بدون زج الوباء الطائفي في الحديث، لا يجد ما ينقدني به.

أختم بالقول بأن كثيرا من المستعمين يطلبون سماع ما يطربهم في السياسة. وهذا بلا جدوى، لأن المرء يجب ان يسمع غير ما يعرف  أو يحب.