إشكالياتنا مع الغرب: لماذا؟ وإلى أين؟

(الجزء الأول)

 

مسعد عربيد

 

“عاهدونا ووعدونا بالكثير مما لم أعد أحصيه ولا أتذكره، ولكنهم لم يحترموا من كل عهودهم ووعودهم إلا واحداً. قالوا بأنهم سيأخذون بلادنا منا وقد نفذوا ذلك فعلاً.”

رد كلاود (1822 – 1909)

زعيم هندي أصلاني أميركي

ما زال الغرب، بعد مضي أكثر من قرنين على عدائه السافر لشعوبنا، موضوعاً خلافياً وإشكالياً نختلف فيه ونتجادل، لا في السياسة فحسب، بل وفي العديد من دروب حياتنا وثقافتنا وتفاصيل يومياتنا.

الغرب بالمقابل، يدرك هذا كله ويرصده وليس لديه خلافاً أو إشكالية معنا بهذا الصدد، فقد حسم أمره، منذ أمدٍ بعيد، وصاغ مشروع هيمنته على بلادنا والعالم بأسره، ولا يكلف نفسه الكثير من العناء في الجدل حول مشروعه وجدواه، بل يوظّف جلّ طاقته في تطوير آليات تنفيذ هذا المشروع وتكيفه مع المتغيرات والمستجدات.

وفي حين نرسل أبناءنا لتلقي التعليم في الغرب، يرسل لنا الغرب الارساليات والمنظمات “غير الحكومية” و”الخيرية” التي تدّعى أنها جاءت لتبشر بيننا بدين وُلد أصلاً في بلادنا ومن رحمنا، ولتعظ بنا بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان كي تندس في بيوتنا وثقافتنا ومدارسنا وتتدخل في أصغر تفاصيل حياتنا.

يدّعي الغرب أنه حطّ رحاله في بلادنا “ليساعدنا” على التحضر والتقدم، فنهب ثرواتنا وجنّد عملاءه من بيننا وربط نخبنا السياسية والثقافية بالتبعية له، وأحكم القبضة على اقتصادنا الذي ما زال مرتبطاً بمصالحه وسوقه وعجلة اقتصاده.

بدأ الغرب مشروعه بدراسة حالتنا، ففهم أوضاعنا ومواقع القوة والضعف فينا، ثم استثمر في مراكز الأبحاث (والتجسس) لترسم المخططات من أجل استدامة هيمنته علينا. أما نحن، فلا زلنا نحاول سبر أغواره، فنختلف فيه أكثر ما نتفق عليه، ولكننا في كل الأحوال ننساق وراء أجندته وفي خدمة مخططاته.

 الإشكالية، إذن، تكمن فينا، في مواقفنا وسياساتنا ومجمل تعاطينا مع الغرب، وقبل هذا وذاك، هي في عقولنا ووعينا، وتقاعسنا عن دراسه التاريخ والتعلم من دروسه وعبره، ناهيك عن استدخالنا للخضوع والدونية له وغياب الرغبة والإرادة في مناهضته ومقاومة سياساته.

نعم بوسعنا، بلا شك، أن نلقي باللائمة على أنظمتنا وساساتنا وصنّاع القرار فينا، ولكن ألم يصطف هؤلاء في جبهة الأعداء منذ أن نصبهم الغرب حكّاماً علينا؟ فما جدوى الملامة إذن؟ وإلى أين ستفضي بنا؟

في واقع الشعوب وتاريخها، لا مكان للحوار مع المستعِمر والحكام التابعين له، فالعلاقة مع هؤلاء محكومة بعلاقة تناحرية بالصراع والمحاسبة. أما في بلادنا فنراهم يتربعون على عروشهم عقوداً حتى حين يصلون إليها من خلال “الثورة”.

 

مناقشة في المصطلح

 

لنبدأ من سؤال المصطلح ودقته.

تناولتُ في هذه الدراسة رؤية الغرب الرأسمالي للعرب وللعالم وسياساته ومخططاته حيال أوطاننا، وإشكالياتنا معه، واستخدمتُ مفردة “الغرب الرأسمالي” وأحياناً “الغرب” بشكل متبادل كمفهوم تاريخي ـ سياسي ـ اجتماعي بالمعنى الشامل للكلمة. وما أود الإشارة اليه، هو أنني استخدمتُ هذه المفردة بشكل مجازي، ف”الغرب” بكل مكوناته وقواه الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ليس كلاً واحداً دون تمايز طبقي واقتصادي وثقافي وسياسي، بل هو كغيره من التشكيلات الاجتماعية يتضمن طيفاً عريضاً من الطبقات والقوى والتيارات والمواقف وما يحتدم فيما بينها من تناقضات وصراعات اجتماعية (طبقية) واقتصادية وثقافية. وهو يشمل أيضاً دولاً غير تلك التي تمثل الكولونيالية الكلاسيكية (بريطانيا وفرنسا) والإمبريالية الأميركية (الولايات المتحدة الأميركية)، مثل الدول الاسكندنافية وغيرها. لذا ينبغي التوضيح بان “الغرب” كما نقصده في هذا المقال يتمثل بثقله السياسي والإستراتيجي والاقتصادي والعسكري أي الغرب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والإمبريالية الأميركية.

ما أقصده، إذن، في هذه المعالجة هو الغرب الرأسمالي المهيمن وخطابه الإعلامي والسياسي والثقافي أي خطاب القوى الطبقية المهيمنة والحاكمة فيه، هذا دون اغفال أن مختلف دول الغرب الأخرى حتى الصغيرة منها تصطف ضدنا حين الضرورة. ففنلندا، على سبيل المثال، أعطت الولايات المتحدة خرائط الملاجىء “البانكرز” التي قامت ببنائها شركات فنلندية فضربتها أمريكا، والنرويج أعطت الولايات المتحدة النظارات الليلية في غزوها للعراق.

(1)

الغرب كمشروع هيمنة

 

“لو خسرتم في كل عام ما يتجاوز مائتي مليون ليفر[1] التي تجنوها اليوم من مستعمراتكم، ولو لم تقوموا بالتجارة الحصرية مع مستعمراتكم لتغذية مصانعكم، وتصونوا اسطولكم، وتضمنوا استمرار منتوجاتكم الزراعية، وتسددوا ثمن مستورداتكم، وتوفروا احتياجات البذخ، ولكي تحصلوا على ميزان تجاري يحقق لكم التفوق في أوروبا وآسيا، حينها أقول لكم بوضوح إن الممكلة تكون قد ذهبت بلا عودة.”

أسقف فرنسا الأسقف موري Maury

من دراسة قدمها للجمعية العمومية الفرنسية عام 1791[2]

 

“الآخرون” والغرب

 

على الرغم من التغيرات العميقة التي حلّت بالعالم والعلاقات الدولية في العقدين الأخيرين، بما فيها الإرهاصات المبكرة لنهوض تعددية قطبية وإزاحة وحدانية القطبية الأميركية دون عودة، والهزات البنيوية (الاقتصادية والاجتماعية) التي اصابت الغرب الرأسمالي، لا بد أن نقرّ موضوعياً أن هذا الأخير قد نجح في الولوج الى قرنه السادس ممعناً بمخططاته وخطابه ورؤيته للعالم (بما فيه من شعوب وعلاقات وموارد)، مطوعاً الحقائق السياسية والمتغيرات الدولية لخدمة مصالحه وبسط هيمنته، حتى تمكن من الوقوف على رأس عالم وحيد القطب كقوة وحيدة مهيمنة دون منازع. هو إذن مشروع نهب غايته التراكم الرأسمالي والأرباح دون ضوابط ويقف الأوروبي – الأميركي الأبيض سعيداً مهيمناُ على الكون ومقدراته.

أما لو وقفنا في الجهة المقابلة لنرى كيف ينظر الآخرون إلى هذا الغرب، فسنجد أننا أمام مفارقاتٍ لافتة.

□ فبالرغم من عمق الأزمة الاقتصادية والبنيوية التي ألمت بالغرب الرأسمالي والتى توالت مشاهدها على مدى العقود الأخيرة، فقد مالت الكثير من الكتابات لاعتبارها مجرد “أزمة مالية” مرجعين أسبابها إلى الانهيار المالي الذي حصل في أيلول/سبتمبر 2008.

□ أمَّا البعض الآخر فقد وجد في الوهن الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي أصاب الغرب أزمة عابرة وسحابة صيف سرعان ما تنقشع، ووجد في “عناد” الغرب الرأسمالي وإصراره على المضي قدماً في مشروع هيمنته والمزيد من نهب ثروات الشعوب، دليلاً على قدرته على التعافي والنهوض من الأزمات المرة تلو الأخرى وربما بشكل لانهائي.

□ وهناك أيضاً تلك القلة ممن استفاقوا على نقد الماركسية للنظام الرأسمالي منذ أكثر من قرن ونصف وتفسير الطبيعة البنيوية لأزمته الدائمة وانهياره المحتوم. لم تدّخر هذه القلة جهدا في تكرار وترويج بعض المقولات الماركسية وإن بشكل عابر.

□ بعض التحليلات عثر على الإجابة المنشودة في الحتمية التاريخية وتقلب دورة التاريخ، فرأى اندثار الغرب الرأسمالي من منظور حتمية زوال الإمبراطوريات والحضارات وإحلال امبراطوية محل أخرى. ولذلك، ظلت هذه الكتابات بعيدة عن فهم مكونات الخطاب الغربي ومشروعه في الهيمنة عبر آلياته السياسية والإعلامية والثقافية والاجتماعية.

ولكن ماذا عن العرب؟ كيف نظرنا إلى أزمة الغرب؟

لم يكن عمق هذه الأزمة وتداعياتها ليثير الكثير من القلق لدى الكثيرين من مفكرينا وكتّابنا، على الرغم من أنها (الأزمة) تستهدفنا أكثر من آية منطقة في العالم. فنجد أنَّ قلة منّا قد قرأت التاريخ وأحداثه من منظور المشروع الغربي الرأسمالي وسعيه الدؤوب للهيمنة ولـ”غربنة” العالم، وهي القراءة الوحيدة، من وجهة نظري، المؤهلة لصياغة رؤية نقدية للغرب الرأسمالي ومشروعه، واستشراف إمكانية اندثاره وزوال هيمنته البشعة، والأهم، التأسيس لمقاومة مشروعه في الهيمنة على أوطاننا والعالم بأسره ونهب موارده وثرواته، لأنَّ هذه المقاومة تظل في نهاية المطاف، درب الإنسانية الوحيد إلى الخلاص من الظلم والاستغلال وبناء الاشتراكية وتحقيق التنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية.

تفكيك الخطاب

 

لا أظن أنّنا نجافي الحقيقة والواقع إن قلنا إنَّ الرأسمالية الأميركية قد نجحت، سواء بسطوة منها أو لضعف منا أو كلاهما، في صياغة وتعميم خطاب إمبريالي ـ رأسمالي يعكس طبيعة مشروعها في الهيمنة وتكتمل فيه كافة المكونات السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والإعلامية التي تنتظم في خدمة هيمنة الأيديولوجيا الرأسمالية والأجندة الإمبريالية.

وبهذا المعنى أستخدم مصطلح الخطاب أو الخطاب الغربي والأميركي.

كيف لنا أن نغير علاقاتنا مع الغرب ونحسم إشكالياتنا معه إن لم نفهمه؟ فالتعامل معه مشروط بفهمه وفهم خطابه، ومشروعنا في مقاومته ودحره أيضاً مشروط بتفكيك مكونات خطابه وصولاً الى نقده وتكوين وعي شعبي مقاوم. (انظر تجارب أميركا اللاتينية وتصاعد الوعي الشعبي المعادي للإمبريالية الأميركية لسنواتٍ عديدة قبل وصول القوى والأحزاب الاشتراكية الى السلطة).

مقدمات تاريخية[3]

 

يستدعي فهم  الخطاب الغربي الرأسمالي وتفكيكه قراءة التاريخ من منظور بانورامي والوقوف عند بعض المنعطفات التاريخية المفصلية التي (1) ساهمت في تكوين الغرب كمفهوم وخطاب ومشروع، و(2) تلك التي شهدت محاولات البشرية في مناهضة الرأسمالية وأنظمتها ونضالها الدؤوب لإزالة الاستغلال الرأسمالي وشق درب الاشتراكية. وبين فكي هذين المشروعين اشتبكت البشرية في نضال مستديم، وما زالت.

وفي سياق هذه القراءة السريعة للتاريخ، سأكتفي هنا بتذكير القارئ بشكل سريع ببعض المحطات التاريخية الهامة لمسيرة الرأسمالية ومحاولات الإنسانية في مواجهتها والتصدي لها:

– نشأة النظام الرأسمالي (بين أعوام 1450 و 1550 على وجه التقريب) والتي تزامنت مع اكتشاف الأميركتين وسقوط غرناطة آخر معاقل الأندلس؛

ـ مبادئ العقد الاجتماعي ونشأة النظام الرأسمالي؛

ـ الثورة الفرنسية (1789) وشعاراتها في الحرية والمساواة والأخوة؛

– الثورة الصناعية والتكنولوجية في انكلترا وغيرها من البلدان الأوروبية وتأثيراتها الكبيرة على نمط الإنتاج وما يفرزه من علاقات طبقية واجتماعية، والتطور الاقتصادي في الغرب (أوروبا الغربية والولايات المتحدة)؛

ـ عصر الثورات الأوروبية (1848 وما تلاها)؛

– “البيان الشيوعي” (1848) وتأسيس الحركة الشيوعية العالمية على يدي كارل ماركس وفريدريك انجلز كبوادر نقد الرأسمالية ومحاربتها؛

– بدايات الإمبريالية كمرحلة من مراحل النظام الراسمالي في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، كنتيجة للتطور الإنتاجي والصناعي في الغرب وحاجته الى توسيع أسواقه وسيطرته على المواد الخام في بلدان المحيط.

ـ انتصار الاشتراكية للمرة الأولى في التاريخ البشري في روسيا (1917)، وفي بلدان أوروبا الشرقية والصين في أعقاب الحرب الإمبريالية الثانية (1939 – 1945)، ولاحقاً في كوبا؛

ـ نهوض العالم الثالت وحركاته الوطنية التحررية من أجل الاستغلال وإزالة الكولونيالية الأوروبية، ثم إخفاق هذه الأنظمة الجديدة بعد ذلك في الحفاظ على سيادتها الوطنية واستقلالها الاقتصادي واستعصاء تجاربها في التنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية؛

ـ خُبو النمط السوفييتي في الإنتاج والبناء الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية.

ركائز الخطاب الغربي

 

وفي عودة الى خطاب الغرب الرأسمالي، فإنه يمكننا أن نقول بإيجاز ان ركائزه تقوم على محورين أساسيين: (1) استئثاره في تسيير العالم وشؤونه و(2) التحكم في مصائر شعوبه والهيمنة على مقدراتها وثرواتها. وفي مسعاه لتحقيق هذه الأهداف، لم يتوقف هذا الغرب عن تطوير نظرياته ومقولاته وشعاراته التبريرية التي تؤكد على:

1) تفوقه المادي (الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي والعسكري)؛

2) تفوقه المعنوي والحضاري والثقافي (والادعاء بأنه نبراس العلم والمعرفة وحامي قيم الحرية والمساواة والديمقراطية….الخ).

بالطبع هذا لا يعني أن الغرب الرأسمالي ينفرد عبر التاريخ البشري في السعي وراء الهيمنة والنهب، فقد شاهدنا كل الإمبراطوريات تستخدم القوة والسلطة وكافة أساليب القتل والبطش وفنون الحرب من أجل تحقيق مصالحها. إلاّ أنَّ الغرب الرأسمالي تميّز بعدة سمات أهمها:

أولاً: سعيه المثابر إلى اختلاق وإنتاج وتطوير مقولات وآليات نظرية وثقافية (فلسفية، أخلاقية، ايديولوجية، علمية، دينية..) لتبرير سياساته واثبات شرعية أفعاله وشرعنة مشروعه في الهيمنة.

ثانياً: توظيف الدين (المسيحية الغربية في هذه الحالة) والمؤسسة الدينية في خدمة الأهداف والمصالح السياسية لمشروع الهيمنة الغربية، حيث لعب الدين دوراً رئيساً في خلق الذرائع وإنتاج المقولات التبريرية. وقد وظّف الغرب التبريرات الدينية واتخذ لبوس الدين في الكثير من الحالات قبل نشوء الرأسمالية (حروب الفَرَنجّة في بلادنا مثلاً). وقد تمادى في هذا النهج منذ بوادر نشوئها (الراسمالية) واقتحامه للنصف الغربي من العالم واستيطانه بعد أنْ أباد الملايين من شعوبه الأصلانية.

لنتأمل ما قاله القس ديزموند توتو (من جنوب أفريقيا) وما فيه من عبر:

“حينما جاءت البعثات التبشيرية إلى أفريقيا، كان لديهم الإنجيل ولدينا الأرض، فقالوا لنا: لنغمض أعيننا ونصلِّ، وحينما فتحناها وجدنا الإنجيل بيدنا والأرض بيدهم”.

 

ثالثاً: ارتكز مشروع الغرب الرأسمالي على عولمة نظام اقتصادي – اجتماعي رأسمالي تغلغل في كافة أطراف الكرة الأرضية واخترق المجتمعات البشرية واقتصاداتها وثقافاتها ولم يحصر ذاته في بقعة جغرافية محددة، صغرت أم كبرت.

خلاصة القول ان الغرب الرأسمالي نسج، على مدى القرون الخمسة الغابرة، مجموعة من الرؤى والسياسات والإستراتيجيات المعادية لشعوب العالم والهادفة إلى نهب مواردها والهيمنة على مقدراتها. وقد استخدم في هذا الغرض العديد من الشعارات والمقولات التي شملت كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية من أجل تعليب أطماعه. ومما يجدر ذكره، وهو حقاً ما يعنينا في هذا السياق انه يتم تفصيل هذه الشعارات على مقياس الواقع الغربي (الأوروبي – الأميركي) من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، ثم يتم اسقاطها على واقع الشعوب الأخرى المغاير تماماً بل المناقضٍ لهذه الشعارات والأكاذيب الخادعة. ولعل تعامل الغرب مع الوطن العربي (دوله، مجتمعاته، حكوماته، رؤسائه وملوكه وأمرائه..)، أبلغ نموذج على موقفه من الآخرين، لأنه تعامل قائم على الفوقية والعنصرية، ومبني على أوهام الغرب عن العرب التي، على الرغم من أنها  تعود الى قرونٍ مديدة، لم تغادر ثقافته ولا خطابه وبالتأكيد لم تغادر إستراتيجيته وسياساته.

رابعاً: يحسن بنا في هذا الصدد أن نتذكر أن أميركا، إضافة إلى كونها جزءً أساسياً من الغرب الرأسمالي وزعيمته، قد انفردت بسمات وخصوصيات (تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية) تنبع من ظروف نشأتها وتطورها التاريخي والسياسي والاجتماعي. وفي التنقيب في ثنايا هذه الخصوصيات، تكمن القدرة على فهم “أميركا” فهماً يميزها عن المكونات الأخرى للغرب الرأسمالي مثل أوروبا الغربية.

وليس المقصود هنا أنَّ هذه مكونات الغرب متناقضة فيما بينها – فهي على العكس محكومة في التحليل النهائي بسقف المصالح المشتركة رغم اختلاف “الحسابات” أحياناً والتناقضات الثانوية أحياناً أخرى وحتى المزاحمة على الربح والكسب والهيمنة – بل ما أود أن اقوله هو أن التمايز بينها يقوم على أساس توزيع الأدوار وأداء المهام والوظائف لتحقيق مصالح الغرب الرأسمالي. في هذا السياق، فإنَّ أميركا تحتل موقع الزعامة، وهي التي تتصدر التحديات والمواجهات الكبيرة. أمَّا المكونات الأخرى، الصغرى والكبرى، والتي تتشكل بمجملها من الكولونيوليات السابقة الهرمة (بريطانيا وفرنسا مثالاً) فتؤدي وظائف تخدم في النهاية المصالح والرؤية الأميركية وتنصاع في الغالب لإستراتيجيتها. وسوف نرى لاحقاً لدى معالجتنا للحالة العربية كيف تميزت أميركا عن الكولونياليات الأخرى ونافستها في تحقيق مصالحها في الوطن العربي.

خامساً: تقوم الثقافة الشعبية السائدة في الغرب في مجملها على تقبل هذه الخطاب في محتلف مستوياته والإجماع عليه، مع الإقرار ببعض الاستثناءات والجهود المخلصة اليسارية والأممية المتفانية في تعرية هذا الخطاب ومناهضته. وهذا يعني بالمدلول العملي وبكلام أكثر صراحةً ووضوحاً، أن هناك تواطؤاً فعلياً ونظرياً بين مجتمعات ومؤسسات المجتمع المدني في الغرب الرأسمالي من جهة، وسياسات وإستراتيجيات طبقاته الحاكمة المهيمنة، من جهة أخرى.

سادساً: صفوة القول هي إن رؤية الغرب من هذا المنظار تسمح لنا أنْ نلحظ أنَّ تاريخه منذ نشوء الرأسمالية حافل بالأدلة التي تؤكد نزعته نحو التفوق والاستعلاء وإصراره على التفرد والتميز وامتلاك الحقيقة واحتكار الخصوصيات والامتيازات، وتسخير هذا في استغلال الشعوب الأخرى لخدمة مصالحه وتحقيق أرباحه وإشباع جشعه الاستهلاكي غير المسبوق في التاريخ البشري.

مشروع الغرب ومحو الثقافات

 

لم يتوقف دور الغرب على الاستعمار ونهب الموارد، بل تميز مشروعه في الهيمنه بأبعاد ثقافية سعت الى تدمير ومحو ثقافات الآخر ومعارفه وتاريخه وحتى ذاكرته. ولم يتوقف هذا على إبادة حضارات وثقافات الشعوب الهندية الأصلانية عند انشاء المستوطنات الأوروبية البيضاء في الأميركتين، فقد أصابتنا، نحن العرب، من ذلك حصة كبيرة بعد سقوط الأندلس، وطالت غيرنا من شعوب افريقيا وآسيا.[4]

أليس من حقنا أن نتساءل: إذا كانت أوروبا قد نهلت من معارف العرب والمسلمين وفكرهم وثقافتهم، وإذا كانت هذه المعارف قد لعبت دوراً كبيراً في النهضة الأوروبية وحركتها التنويرية، فأين هذه المعارف في ثقافاتهم وجامعاتهم اليوم؟

لقد طمسوها قروناً طويلة ثم محوها من التاريخ ولم يعد يذكرها أحد، حتى الأجيال  الناشئة من العرب لم تعد تعرف شيئاً عن مساهمات الحضارة والمعارف العربية – الإسلامية في الحضارة الإنسانية وتحديداً في بناء أوروبا الحديثة.

كانت المعادلة، من وجهة نظرهم، بسيطة: الآخر، غير الأوروبي، غير الأبيض، غير المسيحي – الغربي مصيره الزوال والإبادة، وهو ما يفسر وحشية الغرب في الانقضاض على محاولات المواجهة والتصدي التي تقوم بها المجتمعات المستعمَرة. أما ما يمكن أن يقبل به الغرب وفق معادلته هذه، تحت ما اختلقوه من مسميات وشعارات التسامح والحوار بين الأديان والثقافات، والثقافة الوحيدة التي يقبلها الغرب ويستطيع أن يتسامح أو يتعايش معها فهي تلك التي تقوم على الخنوع والخضوع للغرب الرأسمالي وتقديس قيمه والاستسلام لهمينته المطلقة على العالم.

هنا تكمن جذور ما أسموه “الإسلام المعتدل” وهو الإسلام الذي صنعه الغرب وحلفاؤه في شبه الجزيرة العربية ليتوافق مع رؤية الغرب ويخدم مصالحه ويقمع الشعوب العربية ويحول دون آية محاول للتقدم والتنمية والعدالة الاجتماعية.

وبفضل نهج الجهل والتجهيل الذي اتبعته مؤسساتنا التربوية من جهة، ومساعي الغرب في تزييف التاريخ والوعي والثقافة العربية من جهة أخرى، لم تعد مجتمعاتنا ومدارسنا وجامعاتنا تدرّس أبناءنا دور العرب في الحضارة الإنسانية. وقد تمت عملية المحو هذه وفق مخططات ممنهجة ومدروسة واتخذت الاشكال الرئيسية التالية:

1) إبادة مؤسسات العلم والمعرفة في بلادنا وطمس المعارف وتغييب وسائل الحفاظ عليها ونشرها.

2) الاغتيال الجسدي والمعنوي للعديد من المفكرين والعلماء.

3) دور الارساليات التبشيرية التي قَدِمت الى بلادنا تحت غطاء المساعدة في التحضر والرقي وتقديم العون وتعزيز التعليم والمؤسسات التربوية.

4) اعادة كتابة التاريخ بمساعدة ومساهمة العديد من كتابنا ومثقفينا ومنظماتنا لترويج الادعاءات بان الحضارة الغربية تحتل موقع الصدارة ودونها كل الحضارات الأخرى بما فيها الحضارة العربية – الإسلامية وغيرها من حضارات الشرق.

5) هيمنة الخطاب الغربي في بلادنا ومجتمعاتنا والذي يصور الغرب نبراساً للتقدم والحضارة، أما الشرق فهو وكر للتخلف والجهل والهمجية.

خداع “الرسالة التنويرية” للغرب

 

ليس المقصود من وراء هذا العنوان التنكر لمبادئ وقيم الحرية والديمقراطية أو المساواة والأخوة والعدالة الاجتماعية، فهذه كلها شئنا أم أبينا، شاء الغرب أم أبى، ملك للإنسانية جمعاء وتراثها الحضاري، وليست حكراً على الغرب أو الشرق، ولا تقتصر على أي جزءٍ من العالم دون غيره.

وعليه، فإن مساهمات الغرب في تعزيز هذه القيم والأفكار ليست الوحيدة، وليست الأولى، وليست أيضاً الأكثر فضلاً على الإنسان والمجتمعات البشرية. فالقراءة الأمينة للتاريخ تُملي علينا النظر الى مساهمات الغرب كحلقة في سلسلة طويلة من مساهمات الشعوب والحضارات وتلاقحها في شرق الأرض وغربها، مساهمات متعددة وجليلة امتدت لعشرات القرون قبل ظهور الغرب الرأسمالي. ولا أشير هنا الى حضارت الأمم القديمة (العربية، الصينية، الهندية وغيرها) فحسب، بل حضارت منسية لم نعد نذكر منها شيئاً مثل حضارات الشعوب الهندية الأصلانية التي انتشرت في النصف الغربي  من الكرة الأرضية لعشرات القرون قبل أن يرى الغرب النور، ولم يدّخر هذا الأخير جهداً في إبادة الملايين من شعوبها وطمس معارفها وثقافاتها ومحوها وهو ما يفسر جهلنا التام بها أو حتى بوجودها في زمن من أزمنة التاريخ.

هنا نقف أمام مفارقتين – كذبتين:

1) الأولى، كذبة انتحال الغرب لهذه القيم والأفكار (الحرية والمساواة والديمقرطية وقيم العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الإنسان المرأة والطفل وغيرها) والصاقها بتراثه الحضاري والثقافي.

2) والثانية، ادعاؤه بشمولية هذه القيم والأفكار التي يدّعي (الغرب) كذباً أنه أسسها وطبقها ويذود عنها، والحقيقة أنها مُلك للإنسانية بأسرها ولكل الشعوب والحضارات. ولا نقصد هنا الانتقاص من أهمية ودور الأفكار والمفاهيم الإنسانية، إلاّ أن اللافت في الأمر هو إصرار الغرب على شمولية هذه الأفكار التنويرية، في حين أن تاريخه العنصري والفوقي والاستعماري ينطق بعكس ذلك تماماَ: أي أنه استأثر بهذه القيم والشعارات لشعوبه ومجتمعاته وكأنها امتيازات يتمتعون بها لوحدهم دون الشعوب “الأخرى”، على خلاف زعمه بشموليتها وإنسانيتها. فكل ما ينضح به تاريخ القرون الخمسة الأخيرة يشير إلى حقيقة واحدة، تؤكدها الوقائع، وهي أنَّ الغرب يؤمن، وإن لم يقل هذا جهاراً (ولن يفعل)، باستحالة المساواة بين البشر، بغض النظر عما تقوله دساتيره ومواثيقه ونصوصه الاجتماعية والقانونية الحافلة بمفردات الحرية والمساواة والأُخوة والديمقراطية. وفي حين تتغنى الأدبيات الغربية بشمولية هذه المبادىء الإنسانية، نجد على أرض الواقع أنَّ تقديرها للشعوب “الأخرى” هو عكس ذلك تماما، فهي شعوب في نظره ليست جديرة إلاّ بالاحتلال والاستغلال والهيمنة.

لنأخذ على سبيل المثال شعارات الثورة الفرنسية، (وبالمثل يمكننا سحب الاستنتاجات ذاتها على شعارات الثورة الأميركية على بريطانيا – الأم ودستور الولايات المتحدة الأميركية).

طرحت الثورة الفرنسية مبادئ أضحت من المقولات التأسيسية التي حكمت الفكر الغربي الذي أدعى أنها شعارت إنسانية تعبر عن رسالة الغرب للبشرية في ارساء قيم الحرية والأخوّة والمساواة والديمقراطية بين البشر. غير أن حملة نابليون على مصر والتي وصلت الى شواطئ الاسكندرية صيف 1798، أي بعد الثورة الفرنسية بعقد من الزمن، أثبتت فساد وخداع هذه الرسالة التنويرية للغرب الذي حضر الى مصر لأهداف استعمارية (سياسية واقتصادية وثقافية) متخفياً وراء حجاب شعارات الثورة الفرنسية ومستخدماً إياها كايديولوجية لتسويغ الغايات الاستعمارية لهذه الحملة.

بالطبع، هذا لا ينفى الفوائد الجمة التي عادت بها هذه الحملة على مصر وبلدان المنطقة وأهمها الانفتاح الواسع على العلوم والمعارف واللغات والصناعة الغربية التي التقطها محمد علي وأفاد منه في بناء الدولة الحديثة والقوية في مصر خلال العقود الأربعة الأولى من القرن التاسع عشر. غير أن هذا الانفتاح وتعامل الغرب مع تجربة محمد علي ظل خاضعاً لركائز الإستراتيجية الغربية، أي التصدي لبناء دولة عربية حديثة واجهاض محاولات النهوض بالدولة وتطوير المجتمع في مصر (وبالمثل في اي بلدٍ آخر في المنطقة العربية). ومن هنا جاء تحالف بريطانيا مع الإمبراطورية العثمانية الواهنة في القضاء على محمد علي وجيشه وتقويض دولته الناهضة في مصر. ولا ننسى أن فرنسا التي كانت خصم بريطانيا حينها وحليفه محمد علي قد انحازت ضده أيضاً.

خطاب الغرب واختلاق المقولات الكاذبة

 

في البدء كانت الكذبة. وقد اختلقها الغرب عبر محطات تاريخية مختلفة وعمد الى تكرارها حتى صدّقتها الأكثرية وأصبحت من المُسلمات السائدةً. فكيف لا تكون صحيحة وسليمة إن كان الكل يصدقها؟ ألا يعني قبول الأكثرية بها أنها حقيقة؟

اضافة الى خداع الرسالة التنويرية للغرب – وما ناقشناه أعلاه من تبجحه بأنه هو الذي أسس لحركات التنوير الاجتماعية والثقافية وحركات الإصلاح الديني وصولاً الى فصل الدين عن السلطة/الدولة و”علمنة” المجتمع وبناء مجتمعات مدنية علمانية تقوم على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وقوانينها – بالاضافة الى هذا كله ثمة مقولات كاذبة وملفقة روّج لها الغرب من أجل ترسيخ الكذبة الكبرى: تفوقه المزعوم.

عمل الغرب الرأسمالي دون كلل وبديناميكية مذهلة على تطوير بنيته الاجتماعية ونظرياته وسياساته في الهيمنة، وقبل أن نلج الى أكاذيبه أستطرد لتناول النهج الذي تبناه الغرب الرأسمالي والذي تمثل في مسارين رئيسيين:

1) تطوير المبادئ والشعارت المفرطة في إنسانيتها وشموليتها وإنتاج الآليات النظرية والقانونية من أجل استخدامها لتبرير وشرعنة سياساته عبر مسيرة تاريخية طويلة ومعقدة؛

2) وفي مسار موازٍ وعبر الحقبات التاريخية ذاتها انتهك الغرب كل هذه المبادئ جملة وتفصيلاً في أفعال العدوان والحروب والقتل والذبح وإبادة الملايين من الشعوب في شرق العالم وغربه، ناهيك عن نهب الموارد والثروات موظفاً في ذلك وبشكل مثابر كل ما أنتجه من نظريات لتبرير هذه الانتهاكات والخروقات.

يشكل هذان المساران المتواكبان محورين أساسيين في قراءة الغرب ومفتاحاً لفهمه. إلاّ أن المفارقة المذهلة والمحزنة في آن، أنّه مع اشتداد هجمة الغرب على الشعوب “الأخرى” وتطوير آليات مشروعه في الهيمنة، نشهد الكثير من هذه الشعوب ونخبها السياسية والثقافية والأكاديمية قد تجاوزت كل الحواجز في التعامل مع الغرب وأخذت تتهافت على قيمه وأسلوب حياته وتتقبل منظوره إلى العالم “والآخر” وتستدخل نظمه القيمية الاجتماعية والسياسية بما فيها السياسات والإستراتيجيات المعادية لمصالح تلك الشعوب ذاتها وتستشرف في تلك السياسات الحلّ والبديل.[5]

لست معنياً هنا بالاستفاضة في مقولات الغرب وأكاذيبه، ولكنني سأكتفي بتسليط بعض الضوء على أهمها:

1) ادعاؤه بأن الغرب هو الذي أنقذ البشرية من الفاشية والنازية وخاض ضدها حروب القرن العشرين، ولا يضيره تكرار هذا الادعاء متنكراً لحقائق التاريخ وهي أنَّ الاتحاد السوفييتي، القوة الاشتراكية الأولى في التاريخ الحديث والوحيدة إبّان الحرب الإمبريالية الثانية ومحاربة النازية والفاشية ودفع دماء خمسة وعشرين مليوناً من أبنائه وأن هزيمة النازية في غزوها للاتحاد السوفييتي هي التي قررت نتيجة الحرب، وأن يوغسلافيا الصغيرة والمتخلفة آنذاك، على سبيل المثال، ضحت بعُشر سكانها على مذابح النازية، ويصح الاستنتاج ذاته على العديد من البلدان الاشتراكية أوروبا الشرقية.

2) تفاخره في التصدى للشيوعية ومحاربتها في حروبه الساخنة والباردة “وانقاذ” البشرية من مخاطر البولشفية وعدوى الاشتراكية. ولا زلنا نذكر ما اعتاد الغرب على ادعائه وترديده من مقولات وأطروحات في بداية تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، حين أعلن موت الاشتراكية وفوز الرأسمالية وتألقها “كخيار” وحيد لهذه البشرية البائسة ووعوده بمستقبل زاهر للإنسانية جمعاء. أما ما آل إليه هذا المستقبل، فهو ماثل اليوم أمامنا بكل مآسيه وكوارثه وأوجاعه![6]

3) مقولة الحرب على “الإرهاب”: استهل الغرب القرن الواحد والعشرين بهذه الحرب مدّعياً الدفاع عن الإنسانية و”حماية” الإنسان وحقوقه المهدورة في الدول “المارقة” والذود عن “الديمقراطية”، فأعلن حربه ضد “الإرهاب”، مكرراً التأكيدات المتملقة والمنافقة عن احترامه للإسلام والمسلمين ومقدساتهم وقيمهم ورسولهم، بينما كانت حروبه وعُنصريته لا تبرهن إلاّ عكس ذلك.[7]

4) ادعاؤه الذود عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل. فالغرب، من منظوره، هو الذي يهب لنجدة الفقراء والأطفال في أفريقيا وهايتي والعالم الثالت وإنقاذهم من مخالب الجوع والفقر والمرض. أما قتله لمئات الآلاف من أطفال العراق وسورية وتشريد ما يقارب من أربعة ملايين من ابرياء هذين البلدين، فهذا لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئاً، لا في عقول وضمائر شعوب هذا الغرب ولا لدى الكثيرين من المثقفين والمفكرين في بلادنا. فالغرب، كما يرون، يبذل غاية جهده ويضحي بالغالي والنفيس من أجل تعميم الديمقراطية ومساعدة الشعوب على التخلص من أنظمتها الفاسدة والمستبدة وحماية حقوق الإنسان وتلقينها للشعوب في أفعانستان والعراق وهايتي وغيرها.[8]

5) خدعة “حماية المدنيين” و”التدخل الإنساني”

 

علينا أن نغادر أحلامنا ونتخلى عن معتقداتنا وصداقاتنا القديمة  التي تعود إلى ما قبل أن تبدأ الحياة. اترك أوروبا هذه حيث لا يتوقف الحديث  عن الإنسان بينما هم يقتلونه حيث يجدونه وفي كل زوايا شوارعهم وأنحاء الكرة الأرضية. لقد أحكموا الخناق على الإنسانية جمعاء على مدى القرون باسم ما يدعونه التجرية الروحانية. انظر اليهم اليوم، فهم يترنحون  بين الانحلال الذرّي والروحاني.”

 

فرانز فانون ( 1925 ـ 1961)

في كتاب”معذبو الأرض”

 

تتسم أدبيات الخطاب الغربي الرأسمالي السائد في نظرتها إلى الشعوب “الأخرى” بفوقية وعُنصرية المركزانية الغربية (الأوروبية ــ الأميركية) وتوظيف هذه القراءة في خدمة أهدافه السياسية والاقتصادية والأيديولوجية.

فالغرب الرأسمالي، كما ذكرنا، بمجمل قواه المهيمنة سياسياً وإعلامياً (دون الدخول في مناقشة الاستثناءات القليلة) ينظر إلى الآخرين والشعوب “الأخرى” على اختلاف مسمياتها (غير الأوروبية، غير البيضاء، الملونة، شعوب العالم الثالث، شعوب الشمال مقابل الجنوب…الخ)، بفوقية من خلال النظارة الأوروبية الغربية البيضاء. أما بالنسبة لشعوبنا، فلم يرَ هذا الغرب فيها سوى تركة لحضارة متخلفة استبدادية لا تملك من القدرات والمهارات ما يؤهلها لإدارة شؤونها ومعالجة مشاكلها، لذا ينبغي احتلالها (كانوا يسمونه انتداباً) لمساعدتها على التحضر والتقدم. وهي شعوب تبغض بعضها وتتناحر فيما بينها، محكومة بالتخلف والكراهية البغيضة التي تنهش لحمها منذ قرون مديدة. لهذا، ووفق المنظور الغربي، فإنَّ شعوبنا قد ابتُليت بالتخلف الحضاري الشرقي (العثماني) لقرونٍ طويلة وتتطلع إلى الغرب كي يضفي عليها أنواره وتستنير بقيمه وحضارته وكي يعينها في نهضتها وبناء الديمقراطية والاصلاح الأخلاقي والحضاري.[9]

لقد طغى هذا الخطاب (وما تضمنه من مواقف ومقولات فوقية وعُنصرية على المستويات الثقافية والإعلامية) على الإعلام والرأي العام والثقافة الشعبية في الغرب. ومن هذا المنظور انبثقت المفاهيم القائلة بأنَّ هذه الشعوب عاجزة عن التعاطي مع أوضاعها وغير مؤهلة لحلّ مشاكلها لوحدها، لذا يتوجب على الغرب “التدخل” لحمايتها ووقف المجازر ومذابح “الإبادة”.

لم يكن هذا المنظور مبتكراً، بل كان الغرب الرأسمالي الإمبريالي قد نسج سرده وطوره عبر قرون خمسة من التجارب الكولونيالية التي استعمرت البلاد والعقول.

في ثنايا هذا الخطاب وهذه النظرة نجد مجموعة متشابكة ومعقدة من القضايا نكتفي بعرض بعض عناصرها الرئيسة:

1) تقديم قراءة مضللة وسطحية للصراعات في تلك المجتمعات مفادها، أنّه صراع بين قوى إثنية وطائفية متناحرة تبغض بعضها لقرون طويلة، وهو من حيث الجوهر نفس مفهوم صراع قوى الشر والخير الذي تبلور وسادَ في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمر 2001.

ــ صراعات إثنية وقومية (كما في الحالة اليوغسلافية).

ــ صراعات دينية وطائفية (العراق وسوريا مثالاً).

ــ مذابح ضد الأبرياء (ألبان كوسوفو عام 1999).

أمّا الخطورة في هذا الطرح فتكمن في التستر المغرض والخبيث على الظروف الاجتماعية والاقتصادية والطبقية التي تغذي هذه الصراعات والتي كانت السبب الجذري في نشأتها وتفاقمها. فالصراعات والحروب والمذابح ليست من طبيعة البشر أو المجتمعات البشرية ولا هي من فطرة الشعوب العربية ولا اليوغسلافية أو غيرها، وإنما نتيجة ظروف ومصالح وتناقضات اجتماعية واقتصادية (طبقية) تحتدم حتى تصل درجة الغليان والانفجار. وهذا يعيد إلى الأذهان إصرار الغرب على تأبيد التخلف والتبعية كضمان لعدم التطور مما يجعل الاستعمار مبرراً، بل يقود لاستدعاء الاستعمار كما يجري اليوم.

لنأخذ الحالة اليوغسلافية على سبيل المثال، وهي التي سبقت احتلال العراق عام 2003 وكانت حقل التجارب للعديد من الادعاءات والأكاذيب التي أصبحت لاحقاً جزءً من سياسة الغرب الرأسمالي وخطابه وإعلامه. وهنا أقصد القصف الإمبريالي لصربيا  الذي استمر ثمانية وسبعين يوماً بامرة وزعامة الولايات المتحدة الأميركية تحت ذريعة حماية المدنيين الألبان في كوسوفو في حين أن صلب المشروع الغربي حيال يوغسلافيا كان يتمثل في تفكيكها أولاً ثم تدميرها ومحوها كوحدة سياسية وقومية واجتماعية، وهذا ما حصل.

وبالمثل رأينا العديد من النماذج السافرة لمثل هذه الادعاءات في الحالة السورية خلال السنوات الأربع الأخيرة:

– دعوة الغرب عبر عملائه المحليين والاقليميين (السعودية وقطر وأنظمة الخليج وتركيا والكيان الصهيوني…) الى ضرورة انشاء منطقة “ىمنة توفر الحماية للمدنيين ومنطقة حظر جوي تحمي المدنيين” (أحمد داوود اوغلو).

– “على الأسد أن يقود التحول الديمقراطي أو أن يتنحى” (الرئيس الأميركي أوباما).

– “السوريون هم الذين يطلبون المساعدة” (برنارد هنري ليفي).

– تأييد “والمطالبة بالتخل العسكري “لوقف المذابح باي طريقة” (برهان غليون).

2) تشويه الأدوار والمبالغة ببعضها والتقليل من بعضها الآخر، ولكن مع التركيز دوماً على دور وتأثيرات الأفراد والشعوب والإثنيات والأديان… الخ وتغييب العوامل الاجتماعية ـ الإقتصادية (الطبقية). وقد لقي هذا التشويه تعاوناً وتواطئاً من بعض النخب والقوى السياسية والاجتماعية المحلية في المجتمعات المُستهدفة، وأصبح أداة لمحو الذاكرة الجمعية والتاريخية لهذه الشعوب وإدخال شعارت “الحداثة” و”الديمقراطية” و”الليبرالية الغربية” إلى معجمها والولوج إلى عمق ثقافتها الشعبية.

3) العودة المتكررة كما أسلفت إلى مقولة عجز هذه الشعوب عن حلَّ مشاكلها دون “معونة الغرب” واستحالة التعايش المشترك بين كافة فئاتها، وبهذا يضحى التدخل الخارجي الغربي واجباً أخلاقياً وإنسانياً من أجل حماية المدنيين. وهذا هو بيت القصيد في الموقف الغربي وهو موقف رأسمالي إمبريالي بامتياز، وعُنصري (معادي للأخوة والمساواة وإمكانية التعايش المشترك بين الشعوب والقوميات والإثنيات).

4) وسمت السياسة الغربية والإعلام الغربي والعربي المأجور وبالقدر المستطاع النخب المثقفة المحلية المُخترقة والمرتشية، وسمت هذه الصراعات بحروب “إثنية” أو “طائفية” أو “حرب إبادة” تقترفها الأنطمة ضد شعوبها ومواطنيها (كما حصل في ليبيا وسورية).

ويعود السبب الرئيس في هذا التوصيف الى أنه يقدم الذريعة للقوى الإمبريالية المعتدية ويمكنها من توظيفه في تأجيج مشاعر التعصب والاقتتال وتعبئة الشارع وتجنيد المواطنين العاديين في الحرب والقتل ضد دين ما أو طائفة ما، أو عِرق وقومية وإثنية أخرى. وهكذا يتم طمس الأسباب الاقتصادية والطبقية والسياسية. وهي ذات الدعوات التي تغذي النزعات الحاقدة والميول الشوفينية المقيتة التي تحتكر “حقائق” التاريخ وتزورها لتخلق صوراً من الأحقاد التاريخية وأساطير كاذبة ملفقة تعيد توليدها كي تتناقلها الأجيال، جيلاً بعد جيل، وكي تدعي أنَّها من “طبيعة” تلك الشعوب والمجتمعات وأنّها سمة ثابتة فيها لا تتغير.[10]

بالإضافة إلى ذلك، نَحَتَ الغرب الرأسمالي مصطلح “الإبادة العِرقية” حيث عثر فيه على القدرة في إثارة المخاوف وتجنيد الرأي العام المحلي والعالمي وتأليب “المنظمات الدولية” ومؤسساتها الحقوقية والإنسانية ومحاكمها الدولية ويستدعي تنفيذ القرارات الدولية في التدخل العاجل “لدواعي إنسانية” مستخدماً ذريعة “التدخل الإنساني” Humanitarian Intervention واستيقاظ المؤسسات الدولية (أدوات الإمبريالية والرأسمالية الغربية وصنيعتها) من سباتها العميق على عذابات الإنسانية وتوثبها “المعهود” لنجدة الضحايا واللاجئين والمشردين (مقولة إبادة ألبان كوسوفو 1999 نموذجاً). ولم يغير من الأمر شيئأً أنَّ هذا الغرب ذاته هو الذي قام في الولايات المتحدة وكندا على جماجم الملايين من الشعوب الهندية الأصلانية، وأنَّ “التدخل الإنساني” المشروع وفق “الأعراف والمواثيق الدولية” يشترط ألاّ يتسبب هذا التدخل لـ”حماية حقوق الإنسان” بأضرار أكبر من الأضرار الناجمة عن انتهاكات حقوق الإنسان ذاتها، حيث تفيد التقارير أنّ أعداد المشردين من الصرب والغجر من كوسوفو نتيجة الحرب والقصف الجوي الذي قامت به قوات الناتو، تفوق من حيث النسبة المئوية أعداد اللاجئين من ألبان كوسوفو.

5) الإيحاء بأنَّ الغرب يقف كطرفٍ محايد، وأنه خارج دائرة الصراع وليس “طرفاً” فيه، بل هو مجرد “عامل خارجي”، يتعامل مع الصراع القائم من نقطة “خارجية” ونائية عن ساحاته. لذا اقتضى العمل منذ البداية على تشويه حقيقة ما يحدث في تلك المجتمعات (وهنا يأتي دور الإعلام المأجور) وتدمير ما جسدته من تاريخ وإرث التآخي والتعايش المشترك وما أنجزته هذه الشعوب بفضل هذا التعايش وفي ظله (أنظر ما حدث ويحدث في يوغسلافيا والعراق وسورية).