دور أميركي في الخسارة الأردوغانية ؟

د. ليلى نقولا الرحباني

منذ صدور نتائج الانتخابات التركية، تحاول معظم الصحف والسياسيين المنضوين في المشروع الغربي ضد سورية التقليل من أهمية الخسارة، والتعتيم على دور السياسة الخارجية الأردوغانية فيها، مركّزين على عوامل داخلية بحت، وبعضهم ذهب إلى حد “التبشير” بعودة “حزب العدالة والتنمية” في أي انتخابات مبكرة، بسبب ما اعتبر أنه خوف الأتراك من عدم الاستقرار الاقتصادي الذي كانت تشهده تركيا قبل وصول “حزب العدالة والتنمية” إلى الحكم، وتشكيل الحكومات التركية بصورة منفردة لمدة ما يزيد على 12 عاماً.

 بالطبع، قد يكون للطابع الايديولوجي والقومي و”الهوياتي” تأثير كبير في الانتخابات التركية، كما السلطوية التي أظهرها أردوغان، وكمّ الأفواه وترهيب الصحافيين، والسيطرة على القضاء لتبرئة ابنه وأعضاء حزبه المتهمين بالفساد، بالإضافة إلى خطاباته الاستفزازية ضد النساء، والأهم تلك التي تتهم كل معارض له بـ”الكفر”؛ في موقف يذكّر بخطابات “النصرة” و”داعش” التي تتهم كل من لا يؤمن بعقيدتها بالكفر.. لكن، ماذا عن السياسة الخارجية الأردوغانية وقيادته للحرب في سورية؟

 بالتأكيد، لا يمكن للأكراد في تركيا ومعهم أكراد سورية أن ينسوا مشاركة الحكم التركي في حصار كوباني والسماح لمقاتلي “داعش” بالتقدم نحوها، ومنع المقاتلين الأكراد من دعم إخوانهم في سورية، والمناورات التي قام بها أردوغان قبل أن يسمح لمجموعة من مقاتلي البشمركة بالمساعدة في دحر “داعش”.

والأكيد أيضاً أن سياسة أردوغان الخارجية تجاه سورية كان لها تأثير على التصويت التركي في الانتخابات، خصوصاً بعدما برز في المجتمع التركي حنق تركي على ما يسمونه “غزو” سوري لمدنهم الكبرى، خصوصاً اسطنبول التي غزت اليد العاملة السورية أسواقها، وحرمت العديد من الشباب التركي وأبناء الطبقات الفقيرة فرص عملهم.

ويتبدى الحنق التركي في الكلام الذي يدور حول إرهابيين يتجوّلون بحُرّية في العديد من المناطق التركية، بغض نظر – بل بتشجيع – من حكومة “العدالة والتنمية”، وبتنسيق مع القوى الأمنية. وإذا كان الجميع يدرك مدى تعصب الأتراك لقوميتهم وهويتهم ولغتهم على مدى التاريخ، وكرههم للعرب، فيمكن لأي زائر لأسطنبول وأنقرة أن يرى أن بعض الأحياء والأسواق التركية العريقة تحوّلت إلى ما يشبه الأسواق العربية، حيث البائع والشاري والمتجوّل واليافطات جميعها تتحدث اللغة العربية، وتخاطب عرباً وليس أتراكاً.

 هذا ما يمكن أن يضاف إلى الأسباب، أما في نتائج التصويت التركي فيمكن القول إنه بغض النظر عن أي سيناريو سيُعتمد لتشكيل الحكومة التركية، وسواء تمّ اللجوء إلى انتخابات مبكّرة أم لا، فإن النتائج الأولية لهذه الخسارة الأردوغانية تشي بما يلي:

 1-   ضعف الحلفاء الإقليميين لأميركا: إن التطورات التي حصلت بعد الحرب السعودية على اليمن، ونتائج الانتخابات التركية، تُظهر أن كل من السعودية وتركيا باتتا أضعف من قبل، فالسعودية غارقة في حرب لا تعرف كيف تنهيها ولا كيفية الانتصار فيها، والرئيس التركي المصاب بجنون العظمة، والتي تفاقمت بعد الحرب السورية، سيكون منذ الآن فصاعداً أضعف من ذي قبل.

 وبهذا الإطار، هناك الكثير من المؤشرات التي تفيد بأن الأميركيين قد يكونوا مستفيدين – إن لم يكونوا هم المسبب – من هذا الضعف النسبي، فقد شهدت السنوات المنصرمة نوعاً من التمرد السعودي والتركي و”الإسرائيلي” على الإدارة الأميركية، وتجرأ السعوديون والأتراك على انتقاد الأميركيين علناً، وبعضهم ذهب إلى التجرؤ على التعبير عن رغبته بالقيام بخطوات فردية في المعركة السورية، ولو بدون رضى الأميركيين.

 وانطلاقًا من السياسة الأميركية المعروفة، وهي إبقاء الحليف “في منتصف البئر”، أي ألا يكون بمقدوره الاستقرار على أرض صلبة فيتمرّد، ولا تركه يغرق فينتهي، يمكن تصوّر رغبة أميركية بتطويع كل من السعودية وتركيا و”إسرائيل”، تجلّت في الرغبة بالتخلص من نتنياهو، والحد من الغرور الأردوغاني، وإعادة المشايخ الخليجيين إلى حجمهم الطبيعي.

 2- وتماماً كما تمّ الحديث عن أن العرب بعد “ثوراتهم” كسروا حاجز الخوف أو الاقتناع بعدم القدرة على التغيير، فإن التطورات التي حصلت منذ آذار ولغاية اليوم تفيد بأن الأتراك كسروا احتكار “حزب العدالة والتنمية” المستمر منذ 12 عاماً، وتخطوا كل بروباغندا اليأس من التغيير؛ تماماً كما اليمنيين الذي باتوا يبادرون إلى الهجوم، وتخطوا عتبة الخوف من الأخ الاكبر غير الشقيق.