العامل السوري في الانتخابات التركية!

رشاد أبو شاور

عاقبت الجماهير التركية حزب العدالة والتنمية، وزعيمه أردوغان، ومنظره أحمد داوود أوغلو، في الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أيام، وأفقدته أغلبيته التي مكنته من الاستفراد بتشكيل الحكومة لسنوات.

أردوغان طمح للفوز بالأغلبية فوق المطلقة في هذه الانتخابات ليستصدر قانونا بالتحول إلى الرئاسة بانتخابات شعبية مباشرة، ولكن الشعوب التركية عاقبته على أنانيته، واستبداده، وفرديته، واستفراده هو وحزبه، بتقليص عدد نوابه إلى الحد الذي حرمه من الاستفراد في الحكم، وتفويت الفرصة عليه وعلى حزبه بتثبيت قوانين تكرس طغيانه.

لقد انحسر حضور ودور حزب أردوغان المغرور!

هناك من يقولون: الديمقراطية هي التي عاقبت أردوغان وحزبهن وهذا صحيح، ولكن هذه الديمقراطية ما كان لها أن تنتصر لولا صمود سورية في وجه مخططات أردوغان وحزبه العدوانية التي تستهدف سورية منذ قرابة أربعة أعوام .

الأحزاب الثلاثة التي فازت في الانتخابات: الحزب الجمهوري، والحزب القومي، وحزب الشعوب الديمقراطي( الكردي) الذي فاز للمرة الأولى، والذي تشكل حديثا، وحصد 79 مقعدا، وشكّل مفاجأة لأردوغان..كلها، وفي التصريحات الأولى لقادتها بعد إعلان نتائج الانتخابات، أعلنت بأن على أردوغان وحزبه التخلي عن سياسة معاداة سورية، وإيقاف التآمر عليها.

رغم أربعة  قرون من التجهيل، والاستتباع، بسياسات عثمانية متعمدة عنصرية قومية، لأمتنا العربية، ومسخ هويتها، ودورها، وثقافتها، ولغتها، وحتى دينها، تركت أمتنا أشلاء لمخالب الاستعمار الأوربي ممثلاً ببريطانيا وفرنسا، فإن أردوغان وحزبه لم يقرأوا دروس الأربعمائة عام من تدمير العرب، وتأخيرهم، وتجهيلهم، ومد اليد لهم لطلب الصفح، ولبناء علاقات جديدة تتجاوز مرارات الماضي…

رغم كل مآسي أمتنا التي تسببت بها تركيا، فقد رحبت بتركيا( جديدة)، ممثلة بقيادة حزب العدالة والتنمية، ظنا بأنها ستتجاوز التاريخ الأسود الممتد على مدى قرون، وستسلك سلوكا مغايرا للحقبة العثمانية المظلمة، وستمد اليد البيضاء النظيفة  للعرب لتنسيهم الماضي الثقيل الوطء، والكوارث، والتخلّف، الذي تسبب به العثمانيون.

صدق العرب خطاب ( صفر مشاكل)، وتفاءلوا بزمن أخوة ينشىء جسور تواصل بين العرب والأتراك، ليسهموا معا ببناء مستقبل مشترك أخوي، كونهم يشتركون في الجغرافيا، والدين، والوشائج الاجتماعية، والثقافية…

توقع العرب أن يفك حزب العدالة والتنمية علاقاته السياسية، والعسكرية، والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، وراهنوا..وعندما صرخ أردوغان في وجه بيرس، في مؤتمر دافوس،وغادر قاعة الملتقى، تفاءل كثيرون بأن مرحلة جديدة قد بدأت..وانتظروا…

ثم كانت مأساة سفينة مرمرة التي سقط فيها تسعة شهداء أتراك برصاص جيش العدو الصهيوني..قلنا: حانت لحظة اتخاذ مواقف حاسمة من الكيان الصهيوني..لكن شيئا جديا لم يحدث، فانحياز تركيا الأردوغانية لغزة بقي لفظيا، وغير ذي جدوى، فعلاقات تركيا بالكيان الصهيوني بقيت أساسية، وفوق أي اعتبار، ولم يفك الحصار عن قطاع غزة، ولا أُدّب الكيان الصهيوني الذي أسال الدم التركي، وعادت العلاقات أفضل منها في أي زمن مضى!

نحن كعرب، وبخاصة في المشرق، جيران مع أمتين: الأمة الفارسية العريقة، والأمة التركية حديثة التكوين، والتي ابتدأ تاريخها كأمة منذ احتلال القسطنطينية، وإنهاء الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والصعود على حساب العرب دينا ودما…

هناك في قلب الوطن العربي كيان صهيوني زرعه الغرب الاستعماري، يفترض أنه غريب عن ( المنطقة) بكل أممها: العربية، الفارسية، التركية..وهو خطر عليها جميعا!

هنا لا بد أن نتوقف لنذكّر بأن الأمة الفارسية امتلكت مصيرها منذ أسقطت الشاه عام 1979، وسارت بخطى حثيثة لامتلاك ناصية العلم والمعرفة والنهوض، وأمة تركية _ رغم مشاكلها مع الأعراق والقوميات _ موحدة وقوية ..وأمة عربية ممزقة، متشظية، مستتبعة، ولذا فهي ضعيفة ومطموع بها.

واضح أن أردوغان وحزبه، فهموا ترحيب بعض العرب، وبخاصة سورية، بأنه ناجم عن ضعف، ورغبة بالانضواء في إطار المشروع التركي العثماني، ونسي قادة تركيا هؤلاء أن سورية هي منبع الحركات القومية العربية، وأن ذاكرتها تختزن كل مآسي الحقبة العثمانية المريرة، وأن المرجة في قلب دمشق تذكّر السوريين جميعا_ كل بلاد الشام _ بالمشانق التي تأرجحت على حبالها رؤوس المفكرين والمثقفين والثوريين العرب دعاة الاستقلال والحرية، التي أمر بنصبها جمال باشا السفاح العثماني!

سورية فتحت الأبواب لتركيا، ومدت الجسور بينها وبين العرب، ولكن أردوغان وحزبه فهما الرسالة والتوجهات فهما خاطئا…

تفاقم الفهم الأردوغاني العثماني الخاطئ مع بدء الحراكات الشعبية في بعض الأقطار العربية، ومن ثم قفز الأخوان المسلمون في تونس، ومصر، على الحكم، وانفتاح الشهية على التهام سورية للانتقال إلى دولة الخلافة الإسلامية، وهنا أبرز دعاة صفر مشاكل أنيابهم وأطماعه…

لقد صمدت سورية، وافتضحت الأطماع العثمانية، وإذا كان الأخوان قد سقطوا في تونس، ومصر، وعادوا إلى جحورهم في الأقطار العربية، فإن صمود سورية وتضحياتها، وبطولاتها هي صاحبة الفضل على شعوبنا أمتنا العربية، وعلى الشعوب التركية، والأمة التركية…

لا مجال في هذه المنطقة سوى للأخوة الحقيقية النديّة بين: الأمة العربية، الأمة الفارسية، الأمة التركية، وفي هذه العلاقة الإستراتيجية لا مجال لبقاء الكيان الصهيوني، والهيمنة الأمريكية…

علاقات الأخوة، والجيرة الطيبة، والاشتراك في بناء مستقبل تربح منه كل هذه الأمم العريقة، ذات التاريخ والجغرافيا..هذا ما يرسمه صمود سورية وهذا هو الفهم للعلاقات الذي يقدمه، والذي لا يريد أن يفهمه أردوغان وحزبه، ولذا بدا في دفع الثمن..والحبل على الجرار ما دامت سورية صامدة، وسيأتي الدور على ( عرب) التآمر، وتمويل الإرهاب…