العدوان في المرحلة الرابعة واستراتيجية المواجهة

العميد د. أمين محمد حطيط

 في مواجهة ما يجري في المنطقة والمتغيرات المتسارعة في ميدانها، تختلط الأمور ويشتبه على البعض تفسير هذا الموقف أو ذاك سواء على صعيد ما تتخذه مكونات العدوان أو ما تبديه مكونات محور المقاومة والدفاع عن المنطقة من ردأت فعل وسلوكيات مواجهة. وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة أسئلة وارتسمت علامات استفهام حول هذا السلوك أو ذاك ما يفرض التصدي لها بموضوعية وشفافية من اجل معرفة أين نحن وفي أي اتجاه نسير ثم ما هو المطلوب لاستمرار هذه المواجهة التي نحن بصددها والمحكوم علينا الانتصار فيها لأنها حرب وجودية.

بداية نعود إلى المبادئ العامة التي تفرض أن يكون المدخل إلى علاج معضلة ما منطلقا من تشخيص الحال وتحديد واقع المعالج وقدراته ومناعته. وفي حالتنا العربية والإقليمية ليس ابتكارا أو كشف سر عظيم أن نقول بان المنطقة الآن في خضم حريق شامل أضرم فيها بقرار خارجي ويد محلية إقليمية، ابتغت إسقاطها وإعادة صياغتها بما يناسب المخطط المعتدي، ووجدت المنطقة نفسها أمام خيارين أما الاستسلام للمخطط وعودة الاستعمار بالصيغ الجديدة التي يحددها أو المقاومة لامتلاك القرار المستقل والسيادة.

و في الخيارات انقسم أهل المنطقة بين الخيارين  فأضيف إلى البعد الدولي الرئيسي للعدوان بعد محلي إقليمي اشتبهت على البعض أهميته حتى ساوى بينه و بين أساسه الدولي و هذا خطأ فادح ، لان الحقيقة برأينا أن المنطقة تتعرض لعدوان خارجي اتخذ من عناصر محلية أدوات له ، أما الجوهر فهو صراع بين مشروعين   مشروع اجنبي استعماري و مشروع إقليمي تحرري ، و كل كلام آخر أنما هو لحرف النقاش و تشتيت الجهد إذ يجب أن نعلم أن هناك عدوان و هناك دفاع في مواجهته ، دفاع يقوده محور المقاومة الإقليمي مستفيدا من دعم و تأييد يظهر أحيانا من جهات دولية فاعلة ، جهات تقدر حجم تدخلها وفقا لمصالحها و قدرتها على المبادرة و التحمل .

وعلى هذا الأساس خطط محور المقاومة دفاعه بعد أن تبين أو كشف استراتيجية العدو ومخططه، وهو سلوك منهجي في تخطيط أي دفاع. وعلى الصعيد الاستراتيجي ظهر جليا أن العدوان يتم باستراتيجية القوة الناعمة التي تقوم على أركان خمسة:

1)   فرز الشعوب على أساس اثني متعدد العناوين ونشر التخويف والخلاف بين الأقسام المحدثة.

2)      منع الحوار بين المكونات المجزأة وأفشال أي مسعى يهدف لإرساء تفاهم أو اتفاق بينها.

3)   دفع المكونات المجزأة إلى الاحتراب والتناحر حتى الاستنزاف والتآكل ومنع حسم المعركة على يد أي منها لمواصلة نزيفها جهدا وبشرا وثروة.

4)   المحافظة على الإمساك بمفاتيح التحكم بالمسرح ولعب دور الحكم المنقذ الذي يلجأ إليه المحتربون ليفصل بينهم أو ليساعد أحدهم على لآخر.

5)   عودة الأجنبي ليبسط السيطرة على الأجزاء المتآكلة عودة تتم بثوب المنقذ شكلا وبحقيقة المستعمر فعلا.

لقد ادرك محور المقاومة منذ البدء استراتيجية العدوان كما ادرك مشروعه  الذي انقلب من مشروع التقسيم  التفتيتي الامتلاكي أو التملكي الهادف  إلى  أنشاء دول واهنة صغيرة يكون قرارها  جميعها بيد الأجنبي (أميركا وإسرائيل ) انقلب الآن إلى مشروع تفتيتي احترابي تناحري يقوم على الفرز بين منطقتين أو فئتين  واحدة قرارها بيد الغرب وواحدة تقاومه ثم دفع الجميع إلى  الاحتراب الدائم ولهذا يسمى المشروع الجديد بمشروع الحرب الدائمة، ومن اجل حماية إسرائيل من لظى النار المستعرة  في الإقليم و خطر المقاومة ادخل المخطط  إلى مشروعه إقامة حزام أمنى درزي في جنوب سورية ولبنان .

و لان محور المقاومة يعمل على بينة من الأمر و لأنه ادرك ذلك منذ البدء و تابع متغيرات و تقلبات العدوان في خططه ، فانه  كان يضع في كل مرة استراتيجية دفاعية تناسب المقتضى لإجهاض الخطة التنفيذية للعدوان انطلاقا من أدراكه أن المواجهة هي مع خصم لا تمكن هزيمته باقتياده إلى الانهيار  الميداني الكلي أي بتدمير قوته العسكرية (أميركا وحلفها) وأن جوهر المواجهة يقوم على تعطيل ما يستعمل من أدوات في ميدان المواجهة المباشرة و أفشال خططه تباعا بما يحمله على الاعتقاد في نهاية المطاف بعجزه عن تنفيذ مشروع فيعمد إلى وقف العدوان و يتلمس طرق الحل .

 بهذا المنطق والسلوك استطاع محور المقاومة أن يصمد ويجهض أربع خطط متتالية عمل العدوان بها خلال نيف وأربع سنوات ونصف مضت، وكما يبدو الآن أعدت قيادة العدوان خطة جديدة جوهرها الحرب الصاخبة ذات الجبهات المتعددة، حرب يزج فيها وقودا جديدا يتم اختياره وفقا لاستراتيجية القوة الناعمة ذاتها. وبهذا الأمر نفسر سلوكيات متسارعة قام بها أركان العدوان أو خططوا لها نذكر منها:

1)  إضرام الحرب على اليمن بشكل عدواني موصوف وسكوت العالم عن العدوان لا بل تبريره بشكل أو باخر.

2)  التدخل الأميركي في العراق للحد من فعالية الحشد الشعبي في مواجهة تنظيمات أميركا الإرهابية.

3)  استقبال أوباما لسليم جبوري العراقي السني رئيس مجلس النواب، استقبال رؤوساء الدول والوعد بتسليح وتدريب العشائر السنية دون المرور بالحكومة المركزية.

4)     دفع الأردن للدخول على خط تسليح العشائر السنية في شرق سورية وجنوب شرق العراق.

5)  عرض إسرائيل الحماية للدروز بأنشاء منطقة امنه لهم تحت سيطرتها ونارها مستغلة المجزرة التي ارتكبتها جبهة النصرة في قلب لوزة في سورية.

6)  ارتكاب المجازر الوحشية على يد الإرهابيين في كل من حلب وحمص ودمشق في سياق الحرب الصاخبة.

وفي تقييم عام للمشهد الدولي والمسرح الاستراتيجي الذي يدور عليه الصراع يمكن القول بان المواجهة ومع أفول شمس حزيران يونيو الحالي تدخل دورتها الرابعة التي قد تكون الأخيرة (ولكن الدورة لا تقل عن سنة كما سبق وظهر خلال الدورات السابقة وقد تصل إلى 20 شهرا) دورة ستلقي فيها قيادة العدوان كل ما يمكن من أوراق فاعلة مهما كانت قساوتها، من اجل تحقيق أهداف العدوان.

وبالمقابل وانطلاقا من أدراكه للمتغيرات تلك نجد أن محور المقاومة تكيف مع تلك المتغيرات ووضع خططه الدفاعية بما يناسبها وبما يضمن انتصاره النهائي في المحصلة، ونذكر بان الانتصار الذي نتحدث عنه هو انتصار مدافع يسعى إلى منع المهاجم المعتدي من تحقيق أهدافه وليس شيئا أخر كما يظن البعض، انه انتصار إرادة الحياة والسيادة والاستقلال بصرف النظر عن حجم الخسائر والثمن الذي يستلزم دفعه لتحقيقه. وبهذا يجب فهم حركة الميدان وطبيعة جدول أوليات المواجهة التي يعتمدها محور المقاومة والأن والقائمة على قواعد أربع:

–          الاقتصاد بالقوى من اجل الاحتفاظ بالقوة الدائمة لحين حلول زمن الحل.

–    المواجهة بذهنية القتال بالنفس الطويل الذي تتطلبه حرب الاستنزاف. مع تجنب المعارك الهامشية ذات المردود الضعيف والكلفة العالية أي التي لا تتناسب جدواها مع كلفتها.

–    المحافظة على الدولة عبر الإمساك الدائم بمراكز الثقل النوعي الاستراتيجي التي تستند اليها في وجودها.

–    المحافظة على المجتمع القادر على الحركة والإنتاج من اجل مد الحرب الدفاعية الطويلة باحتياجاتها بالقدر الممكن.

:::::
“البناء”، بيروت