التقسيم بين القرائن الحسية …والقرارات الاستراتيجية

العميد د. أمين محمد حطيط 

في ظل تصاعد الحديث عن التقسيم المتعدد الوجوه لدول المنطقة باعتباره “الحل لمشاكلها وحروبها “والبديل لمشروع الهيمنة الأميركية الكاملة عليها، في ظل ذلك وإلى جانب الصمود السوري الأسطوري مع محور المقاومة، برز التحرك الإقليمي الثلاثي السوري العراقي الإيراني بشكل معاكس للمشروع التفتيتين كونه مسار انتحار وتدمير يتوجب مواجهته وإعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة مهما كان الثمن.

ففي سياق المشروع الأول أي التفتيت لا ننكر وجود الكثير من العلامات التي قد تتخذ قرائن وادله حسية تدعم فكرة من ينادي أو يهول بالتقسيم على أساس انه بات الحل الوحيد الذي ستؤدي إليهم العمليات الاحترابية الجارية في المنطقة منذ نيف وخمس سنوات ظاهرا ولأكثر من عقد باطنا.

ففي الآونة الأخيرة برز بشكل قاطع أن نجاح مشروع التقسيم الامتلاكي الذي عملت أميركا وملحقاتها على فرضه على المنطقة بات أمرا مستحيلا، فكان انقلاب أميركي استراتيجي إلى مشروع التقسيم التناحري الذي يجد اليوم أكثر من قرينة على البدء بتنفيذه.

 وفي هذا السياق تدخل المساعي الأميركية للتعامل مع كيانات عراقية ثلاثة مفككة بدل التعامل مع دولة مركزية موحدة، ويدخل وبشكل ملفت الدعم الذي قدمته أو قيل إنها قدمته طائرات أميركية للأكراد السوريين في الشمال الشرقي من سورية، مساعدة أدت كما يحلو للبعض وصفها أدت إلى هزيمة داعش أمام الأكراد الذين تمكنوا من توسيع حدود منطقة نفوذهم من عين العرب (كوباني) إلى تل ابيض ثم الحسكة وتمددا إلى ريف الرقة الشمالي. ولا يخرج من لائحة القرائن ما راج الحديث عنه مؤخرا، من نية إسرائيل إقامة الحزام الأمني في الجنوب السوري واللبناني مستندا إلى الطائفة الدرزية ثم كان أخيرا الموقف الصدمة التي أحدثها العماد ميشال عون الزعيم المسيحي الإبرز لبنان، حديثه عن الفدرالية كمخرج من الأزمات التي يتخبط بها لبنان.

أن رسم المشهد الإقليمي بالاستناد إلى هذه القرائن وغيرها قد يقود إلى القول بان التقسيم بات حقيقة واقعة وأن ما تبقى من عمل في الميدان لم تعد له وظيفة ألا تحسين شروط هذا الفريق أو ذاك أو توسيع منطقة هذه الفئة أو تلك على حساب الأخرين. ولكن تبرز وبشكل أكثر خطورة مسائل تعني المسيحيين في الشرق خاصة وأن مشاريع التقسيم المطروحة لكل من سورية والعراق لا تعطي المسيحيين شيئا أو موقعا فيها فالعراق كما يروجون سيكون مقسما بين الشيعة والسنة والكرد أي لا وجود للمسيحيين فيه، وسورية ستكون حسب المشروع موزعة بين السنة والعلويين والدروز والكرد ما يعني أن لا محل للمسيحيين فيها. أما المسيحيون في كل المنطقة فيتجاذب مصيرهم قولان حسب ما يروجون:

الأول يقول بإن ليس للمسيحيين محل في بحر إسلامي متناحر بما في ذلك لبنان، وبالتالي عليهم الرحيل ويستدلون على ذلك بما حصل لمسيحي فلسطين ثم العراق وأخيرا سورية. يبقى مسيحيو لبنان. ويؤكد أصحاب القول بان البابا استشعر هذا الخطر ورأى أن بقاء المسيحيين في الشرق رهن ببقاء سورية موحدة وفي ظل نظامها القائم ولذلك كانت رسالة الدعم المعنوي الهامة التي وجهت للنظام في سورية عبر لقاء القمة الذي عقد في دمشق بمشاركة جميع بطاركة انطاكية وسائر المشرق للطوائف المسيحية كلها.

والثاني يرى بان انه في ظل تعذر الوقوف بوجه المشروع التقسيمي التناحري يجب البحث  عن مخرج يحفظ للمسيحيين وجودا مشرقيا معقولا بعيدا عن التهديد بشتى وجوهه الوجودي أو الوظيفي، وأن هذا الأمر غير ممكن ألا بإعطاء المسيحيين فرصة في لبنان عبر فدرالية طائفية تحفظ شكلا للبنان وحدته، لكنها تقسمه فعلا إلى كيانات طائفية ذات استقلالية ذاتية ويستشهد مروجو هذا الرأي بما ورد في إعلان النيات المسيحية بين التيار الوطني والقوات اللبنانية من تأكيد على اللامركزية الموسعة، ثم ما اعجبه من مواقف مسيحية كان أخرها  تصريح للعماد عون عن الفدرالية والنظر اليها كمخرج لا بد منه للخروج من ازمه الخطر الوجودي و التهميشي  للمسيحيين.

بالإضافة إلى ذلك نجد كيف برز الأردن إقليميا خاصة في سورية والعراق بعد أغرائه بتوسيع حدوده مقابل رعاية السنة في شرق سورية وغربي العراق، والتمهيد لإقامة المملكة العربية المتحدة الجديدة التي تستوعب بالإضافة إلى سكان الإقليم فيها الفلسطينيين الموجدين في الأرض المحتلة، وتحل بذلك مشكلة إسرائيل الديمغرافية بالتهجير الذي تحلم به تراه مطلبا ليهودية “دولة إسرائيل”.

في ظل هذا الواقع نطرح السؤال عن حقيقة أو جدية مشاريع التقسيم ومتطلباتها وفي للإجابة نرى أولا أن التقسيم ليس حلا لمشكل المنطقة كما يتوهم البعض بل انه المدخل الأكيد لنوع جديد من الصراعات الدموية التي ستتوالد بشكل مضطرد ولا تتوقف إذا بعد تآكل الجميع ودمارهم فالتقسيم هو “مشروع الحرب الدائمة”، وأن المستجير بالتقسيم أنما هو كالمستجير من الرمضاء بالنار ولذلك نرى أن من يسعى للتقسيم أو يتقبل فكرته أنما يسعى لإفناء ذاته قبل إفناء الأخرين حماية لإسرائيل.

ولان التقسيم كذلك في طبيعته ومخاطرة فأننا نجد أن محور المقاومة يضع في راس أولوياته محاربة هذا المشروع الخبيث وأن استراتيجيته في ذلك باتت واضحة لا لبس فيها وتقوم على الأركان التلية:

1)  المحافظة على الدول القائمة بحدودها الحالية خاصة في سورية والعراق وفي كل المنطقة بشكل عام ورفض البحث باي إعادة نظر بالحدود أو رسم جديد للخرائط وتحصين الدول بكل ما يمكن من القوة والمنعة ويشمل ذلك الرفض لأي نوع من أنواع التقسيم المقنع تحت عناوين فدرالية الطوائف أو الأقاليم المتفوقة القوى على المركز.

2)  مواجهة أدوات المشروع بعمل إقليمي أمنى منسق. فالخطر لا يتوقف عند حدود الدول القائمة كما بينا وبالتالي ينبغي ألا تكون تلك الحدود عائفا أمام المواجهة، وهنا نجد أن السعي الإقليمي الذي تقوم به كل من سورية والعراق وإيران ومعهم حزب الله من لبنان، لإقامة منظومة عمل أمنى إقليمي، إنما هو سعي في الاتجاه الصحيح من شأنه أن يسقط قيود ومحاذير قيدت العراق بشكل خاص في الأشهر الماضية.

3)  تعزيز عوامل الرفض الشعبي لمشروع التفتيت على أكثر من صعيد، وهنا يشكل رد الفعل الدرزي في سورية وفي فسطين المحتلة نموذجا لفعالية الرفض الشعبي المعطل للمشروع. كما نرى في الغضب الإسرائيلي المترجم تهديدا للدروز في إسرائيل وإقصائهم عن القطاع العسكري والوظائف الميدانية بمجرد اعتراضهم على دخول الإرهابيين إلى مستشفيات إسرائيل، أن في هذا الغضب دليل حسي على عدم اطمئنان إسرائيل على مشروعها وخوفها من أجهاضه.

4)  متابعة العمل الميداني الفاعل الذي يحصل الأن ضد الإرهاب في سورية والعراق ونرى فيما تحقق مؤخرا في هذا المجال خاصة في القلمون والجنوب السوري دليلا على مستوى القدرة على المواجهة الميدانية المؤثرة.

أن المشروع الانتحاري المسمى “مشروع التقسيم التناحري ” الجديد ورغم كل الأدلة والقرائن التي تؤكد جديته والبدء بتنفيذه، رغم ذلك لا نعتبر نجاحه قدرا بل أن مستلزمات نجاحه حتى الأن هي أدني بكثير من المطلوب وبالتالي نرى أن الحديث حوله والتركيز عليه هو أقرب إلى التهويل منه إلى الحقيقة فالموانع والعراقيل التي تعترضه وتواجهه ليست بالأمر الهين الذي يمكن تجاوزه. ولكن هذا لا يعني إمكانية الاسترخاء، فالفيروس يفتك بالجسم أن كان ضعيفا بينما الجسم القوي يخنقه. وفيروس التقسيم لن يفعل فعله أن كان جسم المنطقة منيعا قويا ومع وجود محور المقاومة تبقى الطمأنينة قائمة.

:::::

“البناء”، بيروت