حلف الذيول واستمراء الخوض في الوحول

علي العنيزان

يتصاعد هذه الايام ضجيج دعاة التطبيع ومنظروه  الذين إنتظموا على ما يبدو في حلف غير معلن قوامه خليط عجيب ممن يحسبون انفسهم على تيارات متباينة المشارب والتوجهات ، وانخرطوا في جهد مشترك لتحويل الكيان الصهيوني في أذهان الجمهور من عدو دائم إلى حليف محتمل . يتقاسمون الأدوار ، أو تتقاسمهم الادوار ، فمن كل حسب اختصاصه ولكل حسب أدائه . فهناك مجموعات تتولى مهمة اصدار” الفتاوى” المجيزه للتطبيع وتأويل نصوص فقه الصلح وقاعدة إباحة المحظورات عند الضرورات واسقاطهما على حالة الصراع مع العدو الإسرائيلي ، ولوي عنق النصوص لتصوير الاستسلام المذل لهذا العدو كما لو انه استجابة لجنوحه المزعوم للسلم .ويأتي في هذا السياق الدعوات المتكررة لشد الرحال إلى القدس( من خلال المنافذ الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية) بدعوى دعم الشعب الفلسطيني والصلاة في المسجد الأقصى . تنص إحدى التغريدات  التي جرى تداولها مؤخرا في وسائل التواصل الاجتماعي منسوبة لاحد الدعاة “المشهورين ” بأن “الشيعة وإيران أخطر على الأمة من اسرائيل لأن الاخيرة لا تحاول نشر اليهودية بين ابناء الأمة ” ، جاهلا او متجاهلا أن اليهودية ديانة غير تبشيرية وأن من يعتبرون انفسهم شعب الله المختار لا يقرون للأغيار ( الغوييم) بجدارة الانتساب لليهودية ( عدا بعض الاستثناءات  الملتبسة والنادرة في التاريخ والنادر لا حكم له ) .لكنهم وان اقفلوا باب التهود فقد فتحوا باب التصهين على مصراعيه مرحبين بالمتصهينين الجدد وخاصة من “ابناء العمومة”. وقد يكون صاحبنا (سامحه المولى) على علم بهذه المسألة لكنه يتجاهلها اعتمادا على أن التغريدة ستلقى استحسان المريدين المشحونين طائفيا والمتورمين عنصريا الذين تتحكم فيهم غرائزهم  أو ممن اعتادوا ان يخالفوا لكي يعرفوا ،وسيرددوها  كالببغاوات ويعيدوا نشرها بشكل تلقائي دون التفكير في منطقيتها أو صحتها من عدمه .
أما الفئات الأخرى من دعاة التطبيع ومروجي ثقافة الهزيمة والاستسلام فتتألف من أدعياء الانتماء للأوساط الثقافية والتنويرية والمهنية وممن يقدمون انفسهم كمدراء مراكز دراسات وبحوث واعضاء في هيئة الصحفيين ومحللين استراتيجيين وخبراء سياسيين ودبابير متقاعدين وكتائب احتياط وكتاب زوايا معتمة،وهم لهذا الغرض يتصدرون الصحف والشاشات والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي وتزين أسماؤهم لوائح الشرف الإسرائيلية.
يغوص هؤلاء كل من موقعه في وحول التطبيع فمنهم من يشارك في المؤتمرات والندوات والحوارات وورش العمل التي تعقد بحضور مندوبين أو مسؤولين صهاينة لكي يجري على الهوامش أو في المتن تبادل النظرات والابتسامات ثم المصافحات ” العفوية” واللقاءات ” العابرة ” ، ولا بأس في البداية من نفي صحة ما حدث ثم الاعتراف في مرحلة لاحقة  ببعض ماحدث والتهوين من شأنه ،حتى تحين بعد حين مرحلة الجهر والصدع بل والتباهي بكل ماحدث. ويأتي في هذا السياق قيام أحدهم بالمطالبة بفتح سفارة إسرائيلية في الرياض والمغزى كما يقول سعادة السفيه ” تحجيم خطر العدو الفارسي ” وقد تطوع المذكور  بترشيح نفسه كي يكون ثاني سفير سعودي في تل أبيب بعد سعادة الجنرال المطبع . يقوم تكتيك اصحاب هذه الدعوات (هداهم المولى )على نظرية “المستجير بعمرو” على أساس أن وضع حد للنفوذ “الفارسي” لا يكون إلا عن طريق إزالة الحدود امام تغلغل النفوذ الصهيوني بعد خيبة أملهم من الحليف الأمريكي ،مطمئنين بسذاجة لا يحسدون عليها ، إلى ان الصهيوني  سيكون أشد بأسا و أكثر وفاءا وأقل جحودا من الأمريكي وبالتالي فهم يعتقدون أنه لن يساوم عليهم أو يلقي بهم في قارعة الطريق عند أول منعطف  سياسي أويبيعهم كما باع بعض الأفغان “المجاهدين السعوديين و العرب” للأمريكيين عشية احتلال أفغانستان بثمن بخس دراهم معدودة.
حري بدعاة التطبيع اذا كانوا فعلا يريدون الخير لبلادهم أن يتأملوا ما الذي جناه النظامان المصري والأردني عند اعترافهما بالعدو وتطبيعهما للعلاقات معه غير العار لبلدانهم والافقار لشعوبهم  علاوة على تمكين العدو من التغلغل والعبث في نسيج مجتمعاتهم  ومؤسسات بلادهم بالإضافة إلى بسط الهيمنة السياسية والاقتصادية والمخابراتية عليها  . سبق لعاموس يادلين الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية أن تفاخر خلال تسليم مهامه لخلفه قبل أكثر من خمس سنوات باستعراض انجازاته التي حددها  في الاغتيالات والتفجيرات وتأجيج الصراعات الداخلية ونشر شبكات التجسس في عدد من الدول العربية ، مؤكدا أن العمل تطور في مصر حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979(سنة التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد المشؤوم على الدوام !!) وقد تحدث عاموس  عن الاختراقات الامنية والاقتصادية والعسكرية  التي احدثتها الاستخبارات الإسرائيلية  بأكثر من موقع في الساحة المصرية بشكل خاص، وكذلك عن ما تم انجازه  على صعيد تصعيد الاحتقان الطائفي والاجتماعي لتوليد بيئة متصارعة ومتوترة على الدوام ومنقسمة إلى اكثر من شطر حتى يمكن تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع في الدولة المصرية لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك(هكذا!!) عن معالجة ظواهر الانقسام والتخلف والوهن المتفشية في مصر.
ولعل تلك “الانجازات” ساهمت بصورة أو بأخرى في تفاقم هذا الواقع المرير والمحزن الذي يعيشه الوطن العربي خلال السنوات القليلة الماضية.
وهكذا إذا تطبخ سموم التطبيع في الغرف السوداء والمعامل المتخصصة والاجهزة المتنفذة  ويتولى اعضاء مجموعة ” اصدقاء جدعون” من العرب سقايتها لبني جلدتهم قطرة قطرة وعلى وقع فحيح أسطوانة مشروخة تزيف الحقائق وتقلب الأولويات وتزدري مقاومة التطبيع وتحط من شأن المقاطعة  وتسخر من المتمسكين بها والداعين إلى استمرارها واصفة إياهم بالتخشب والتخلف والتحجر وفقدان الواقعية .
لا يخلو أي مجتمع من مثل هذه الكائنات البشرية التي تتكاثر كالفيروسات الخطيرة في اوقات المحن والأزمات ولا سبيل ،بكل أسف ،إلى الحيلولة دون ظهورها وإنما يمكن الحد من انتشارها ومكافحتها وتخفيف اضرارها ومحاصرة تأثيرها حتى لا تتسع وتصبح ( لا قدر الله )ظاهرة اعتيادية . هذا النوع من الفيروسات يتقمص دور الخلايا النائمة إذ يظل كامنا أحيانا وناشطا في أحيان أخرى ويتمتع في اوقات الاخصاب بقدرة فائقة على التحول من طور لآخر الى الدرجة التي يصبح عندها من  الصعب السيطرة عليه، ان لم يتم تدارك الأمر والتعامل معه بالجدية المناسبة والعلاج الملائم . ولعل السبيل الانجع لمواجهه تلك الفيروسات يكمن في تقوية أجهزة المناعة القيمية و الوطنية والاخلاقية في المجتمع ومتابعة ورصد تحركات تلك المجموعات وفضح توجهاتها المشينة  وتحركاتها  المشبوهة التي تثبت بالدليل والبينة والبرهان ، علاوة على السعي لكشف حقيقتها ومحاصرتها مجتمعيا حتى تتوقف عن ممارسة رذيلة النوم في سرير واحد مع عدو غادر .
كيف يقبل هؤلاء لأنفسهم مثل هذا الأدوار المريبة وهم يدركون انهم ليسوا في الغالب اكثر من تيوس مستعارة تستخدم من قبل قوى خفية لتحليل التطبيع . الا يمنعهم عن مثل هذا الخزي  واعز من قيم أو رادع من حس او بقية من اخلاق او وخز من ضمير ؟. فمن العار ان يقدم هؤلاء على مثل هذه الافعال في الوقت الذي يتعاظم فيه زخم انشطة حركات التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ، وفي الوقت الذي تزداد فيه فعالية حملات مقاطعة الكيان الصهيوني اقتصاديا وثقافيا واكاديميا ورياضيا واعلاميا في الجامعات والمنتديات ومنظمات المجتمع المدني في المعاقل التقليدية لنفوذ الصهاينة  وفي عقر دور أشد الدول دعما لهم ، وفي الوقت الذي يتنادى فيه النشطاء من كافة ارجاء المعمورة من رجال الدين والسياسة والحقوقيين والبرلمانيين والمثقفين الصادقين للتضامن  مع اهل فلسطين المحاصرين و المظلومين معرضين حيواتهم للمخاطر ومتصدين للبطش الإسرائيلي. هل يمكن نسيان فداء الفتاة الأمريكية المناضلة  راشيل كوري التي لقيت حتفها عندما طحنت عظامها الهشة جنازير جرافة إسرائيلية وهي تحاول صدها عن هدم بيت عجوز فلسطينية؟  وهل يمكن نسيان شهداء اسطول الحرية الاتراك التسعة الذين لقوا مصرعهم اثناء محاولتهم كسر الحصار الاجرامي على قطاع غزة بعد ان تصدوا  بصدورهم العارية لآلة القتل الإسرائيلية ؟.
ما الذي يتبقى من الإخاء الإسلامي ان نحن والينا اشد الناس عداوة وعادينا اقرب الناس إلينا في الدين والحسب ، وتخلينا عن مقتضيات التواد والتراحم والتلاحم و تفريج هم المكروبين من أهلنا المرابطين في اكناف بيت المقدس وان نحن تخلينا عن مفاهيم ومعاني الجسد الواحد والحرم الثالث والقبلة الأولى ،ونحن نعلم أن أرضنا هي أرض الرسالات ومنزل الوحي وأن لساننا هو لغة القرآن وأن جوارنا هو جوار اشرف الخلق وأكرم الصحب (رضوان الله عليهم ).وأن بلادنا هي قلب العالم الإسلامي وقبلته على الصعيد الروحي مما يحتم علينا ,بسبب هذه الاعتبارات ,أن نكون القدوة الحسنة في تجسيد معاني التضامن الإسلامي والتصدي للدفاع عن القضايا العادلة للأمة.
وما لذي يتبقى من الانتماء العروبي إن نحن احجمنا عن فعل أضعف  الإيمان المتمثل بمقاطعة العدو، وان نحن تخلينا عن نصرة القضية الأولى ونجدة الأشقاء و ذوي القربى، وان نحن تخلينا عن احلامنا في الحرية والسيادة ومفاهيم  التعاون والتكاتف والتضامن والمصير المشترك في هذا العصر الذي تسود فيه  التكتلات الكبرى والذي لن يكون فيه مكانا للضعفاء الذين ستفترسهم السباع ان استمرو في وقوفهم متفرجين على ذبح الثور الأبيض.
ومالذي يتبقى من الحس الوطني ان تم تجاهل الاهداف النبيلة  التي من أجلها  سالت دماء اجدادنا ممن تطوعوا للقتا ل في ميادين الشرف ضد العدو الذي لايزال يحتل فلسطين والأراضي العربية بما فيها الجزر السعودية في البحر الأحمر عدا عن اطماعه التاريخية في اجزاء اخرى عزيزة من بلادنا .
ومالذي يتبقى من الحس الإنساني ان نحن تناسينا  الجرائم الوحشية التي ترتكب بحق شعب مغلوب على امره ومحروم من حقوقه الوطنية ا
لمشروعة وعلى رأسها حقه في العو
دة والحرية والاستقلال وتقرير المصير ، وان نحن خذلناه في نضاله العادل لاسترداد ارضه وموارده وحرماته ومقدساته ،وان نحن لم نحرك ساكنا إزاء الجرائم ضد الانسانية المتمثلة في المجازرالجماعية  والإبادات البشرية والثقافية والحصار والاستيطان والاعتقال والتعذيب وكافة انتهاكات العدو لحقوق الانسان.
ومالذي يتبقى من الحس العدلي ومكارم الأخلاق ان نحن وقفنا مع الظالم ضد المظلوم ومع الجلاد ضد الضحية ومع القاتل ضد المقتول ومع العنصريين ضد المضطهدين ، وتخلينا عن نواميس النخوة والحمية والشهامة والمروءة ونجدة المنكوب وتفريج هم المكروب ، تلك القيم التي لم يتخلى عنها حتى صناديد قريش الذين  هاجت فيهم الغيرة وتحركت فيهم المروءة وتعاهدوا في حلف الفضول على نصرة الضعيف والوقوف مع المظلوم ضد الظالم حتى يؤدى اليه حقه ( وليس مع الظالم ضد المظلوم كما في حلف الذيول الذي نحن بصدده ). قال الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق ( عليه افضل الصلاة والسلام) عن حلف الفضول  :” شهدت مع اعمامي في دار عبدالله ابن جدعان حلفاً لو أني دعيت الى مثله في الإسلام لأجبت”.
يتساءل البعض عن مدى امكانية وجدوى رفع دعاوى قضائية ضد من يرتكب جريمة التطبيع مع العدو الصهيوني او يدعو إليها وهو تساؤل يبدو وجيها لكن السؤال التالي  الجدير بالاهتمام كذلك هو ما يطرحه  المثل الأمريكي الذي يقول (مع الاعتذار للقارئ أجله الله ):لو قام كلب مسعور بمهاجمتك وعضك فهل يصبح خصمك الكلب أم صاحبه ؟ لكن المعضلة هي أنه إن لم يتبين للكلب صاحب فمن هي الجهة

المسؤولة عن حماية الناس من اخطار  الكلاب الضالة وشرورها؟