الجزائر: دفاعا عن وطن الجمهوريات وجيشها

عادل سمارة

بعد تحضير كان لا شك على قدم وساق، بدأت الفتنة حسب التقليد الجزائري المألوف سواء في الثورة أو في الفتنة. فالجزائر هدف حتى دون حصول “الثورة المضادة” الجارية في الوطن العربي منذ خمس سنوات، وحتى دون أن نتحدث عن السنوات العشر العجاف التي مرت بها الجزائر، والتي هي المقدمة الحقيقية لربيع الثورة المضادة ضد الجمهوريات العربية وجيوشها. فتجربة الجزائر في تركيع العدو الفرنسي هي دُرَّة النضال العربي وبالتالي هي مستهدفة بالضرورة وليس من العدو الفرنسي وحده. لذا، كانت بداية الفتنة بالدم.

في الغرب كعدو بالجملة، سيكون خبر الجزائر في الصفحات الأولى وموجات الهواء الأولى، وسيُنسب كل ما حدث للسلطة الجزائرية وإلى عدم الدمقرطة وحقوق الإثنيات ولذا أختيرت منطقة فيها تعايش طائفي مالكي واباضي. ولم ينقص الوهابية والإخوانية سوى إرسال دفعات مالية لتشتعل الفتنة. والماللأجل الفتنة موجود وفائض على الطلب.

نعم، الجزائر هي الهدف هذه الأيام، وسنجد تحت الغبار وجوها سعودية وقطرية وأمريكية وصهيونية وكلها باسم الإسلام بل هذه المرة باسم “إسلام” ضد “إسلام آخر”. وسنجد وجوها فرنسية طالما حلمت بهذا لتجعل من الأمازيغ كيانا صهيونياً مستخدمة رجال قبائل ومثقفي الطابور السادس لجر الفقراء إلى مستنقع إعادة الاستعمار الفرنسي والأمريكي تحت تعبئة فتنوية حاملة شعارات الإسلام التي تفيض على الوطن العربي وتزيد. ويكون الفارق أنه كيان يخدم الغرب وحسب، في حين يخدم الكيان الصهيوني اليهود والغرب معاً.

ومن يدري، فربما تكشف الأيام عن أن “أفريكوم وهي قيادة القوات الاستعمارية الأمريكية في افريقيا ” قد أنشأت غرفة “موك للجزائر” على غرار “موك” في الأردن ضد سوريا. وستضم بلا شك مخابرات معظم الأنظمة العربية في خدمة المخابرات الأمريكية والصهيونية. ولا شك أن هذه الدوائر الاستخباراتية قد جندت عشرات فصائل الدين الإسلامي السياسي من الجزائر ومن خارجها.

تعرف الجزائر أنها هدفاً دائماً، ومن هنا الخلل الذي يعاني منه نظام الحكم في الجزائر. فهي البلد العربي الوحيد الذي كان بإمكان الثورة الاشتراكية أن تنجح فيه ولو بوتائر متواضعة. فليست كوبا ولا كوريا الديمقراطية محظيتين/موهوبتين أكثر من الجزائر، كما أن الثورة والاستفلال في البلدان الثلاثة بدأت في زمن متقارب وفي مناخ وجود القطب السوفييتي.

فالجزائر بلد واسع ولديه ثروة نفطية وغازية وغيرها، وكانت قد بدأت توجه التسيير الذاتي الاشتراكي في الفترة القصيرة لرئاسة أحمد بن بيلا، وإقامة قاعدة صناعية في فترة بو مدين.

وبخلاف كوبا وكوريا الديمقراطية، فإن الخلاف الداخلي في الحزب الحاكم (حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية) هو الذي أدى إلى انقلاب عسكري بقيادة بو مدين ضد بن بيلا. ورغم إنجازات بومدين في التصنيع ودور الجزائر في حركات التحرر الوطني ودعم القضية الفلسطينية والمشاركة في حرب اكتوبر 1973، وعدم الانحياز، إلا أن الانقلاب أرسى خللاً في البنية السلطوية حولها في أحسن أحوالها إلى بلد محسوم للحزب الواحد وتحت سلطة برجوازية بيروقراطية فقيرة فيما يخص المسألة التنموية. وهو ما تورطت فيه الجزائر بعد بومدين.

 ويبدو ان الجزائر لم تتعلم من التجربة السوفييتية التي أحد أهم دروسها بأن الاقتصاد القوي وبدرجة من ضبط الاستغلال وتضخم الفوارق الطبقية هو وراء بقاء التماسك رغم الطابع الريعي للصادرات،  وبأن الاقتصاد الانفتاحي والريعي مع فساد وبقرطة هو وراء انفراط التماسك وتفكك الدولة.

وهذا يطرح التساؤل: لماذا الآن وبعد الانفجار التجريبي في غرداية قرر الرئيس الجزائري تنفيذ الربامج التنموية المخصصة للمنطقة؟ لماذا اليوم وليس قبل 30 سنة؟ وهل التنمية ممكنة بقرار وفي ايام؟ أم أن الممكن هكذا هي الرشى؟ صحيح أن الرئيس أوكل الأمر للجيش. وهذا يعني ضبط الأمن وهذا ممكنا، أما التنمية في وقت ضئيل فليست.

لم تستمر السياسات التقدمية إن لم نقل الاشتراكية في الجزائر، وذهبت باتجاه الانفتاح والريع.  الانفتاح على السوق الرأسمالي العالمي سواء في الاستيراد او فتح الباب لاستثمارات الشركات الاستعمارية الأجنبية والريع بالاعتماد على النفط الذي يشكل قرابة 98 بالمئة من صادرات الجزائر.

وحين تكون هذه أسس اقتصاد بلد معين ينتهي إلى استقطاب طبقي هائل، أكثرية ساحقة إما تعيش الفقر أو/و لا تحصل على حقها من ثروة البلد. وهي ثروة وصل تراكمها إلى قرابة 250 مليار دولار كفائض مالي.

وهذا وحده كاف للقول: ولماذا لم يتم استثمار هذه الفوائض في التنمية الزراعية خاصة؟ هذا ناهيك عن الأموال المرصودة في المصارف الأجنبية.

وسواء كان ذلك بالقصد أو عدم الدراية أو الشعور بالقوة المطلقة للنظام، فإن سياسات الانفتاح هي تبعية للسوق الراسمالي العالمي والريع تبعية/اتكالية لدخل ليس من إنتاج البلد ولا يوزع بعدالة. وهي سياسة تعني عدوان طبقي من البرجوازية الكمبرادورية والشركات الأجنبية على الطبقات الشعبية.

ومرة اخرى، فإن إمكانات الجزائر سمحت لها في الطفرات النفطية لتأسيس اقتصاد متمحور على الذات إنتاجي اكتفائي وبدون التعرض للمديونية.

ربما لم تنتبه السلطة الجزائرية لما صرح به رئيس وزراء قطر الذي اقالته الولايات المتحدة حمد بن جاسم حينما قال لوزير خارجية الجزائر الذي تمنع عن إدانة سوريا بأن “دوركم قادم”. هذا التطاول كان يجب ان يُرد عليه بأكثر من مستوى ومنها أخذ العبرة.

والجزائر شأنها شأن مختلف الدول القطرية العربية، اتخذت سياسة النأي بالنفس عن حرائق جاراتها العربيات وخاصة ليبيا وتونس تحت توهيم النفس بأن ذلك لن يصلها أو تحت الخضوع لما تسمى العلاقات الدولية وعدم التدخل في الدول المجاورة.

لكن ما غاب عن الجزائر، وربما لم يغب، وللأسف، فإن التدخل في الجار وغير الجار أتى من طرفين معولمين متحالفين:

·       أتى من الإمبريالية التي غزت ليبيا

·       وأتى من قوى الدين الإسلامي السياسي متعددة الجنسيات

 أما “نأي” كل قطرية عن الأخرى، أو حتى التآمر عليها، فمرده إلى تدهور المشرع العروبي والذي تظهر اهميته الحاسمة يومأ بعد يوم، وقد تكون بالنسبة للكثيرين بعد فوات الأوان.

لقد حاولت امريكا وفرنسا جر الجزائر إلى الحرب الدائرة في مالي وهو ما نجحت الجزائر في تلافيه لكنها لم تنجح في منع الإرهاب المزدوج الإمبريالي والديني المتدفق من جارتيها ليبيا وتونس. والغريب أنها كانت ترى ذلك ينطلق من ليبيا وتونس إلى مصر وسوريا فكيف لا يدخل حدودها البرية؟

لقد تعددت آليات تدمير الأقطارالعربية الجمهورية بدءأ( من العدوان الاحتلالي الأمريكي

لاحتلال العراق. وللمفارقة لا يزال كثير ممن يزعمون العروبة يعتبرون استعادة العراق للكويت غزوا! (بينما ايدوا الاحتلال الأمريكي على الأقل في حينه وطبعاايدوا كافة الحروب ضد الجمهوريات العربية!)،أي وصولا إلى  العدوان الإمبريالي المعولم من الجو ضد ليبيا والإرهابي الإسلامي المعولم من الأرض، وحرب الإمبريالية وتركيا وأنظمة النفط والدين السياسي الخليجية وقوى الدين السياسي المعولمة ضد سوريا،  والعدوان العسكري الجوي السعودي المفتوح ضد اليمن، وبموافقة الأمم المتحدة بوضوح.

وها قد وصل الأمر إلى الجزائر. وبقدرة قادر كل هذا ولم يحصل شيء في المغرب كما لم يحصل في الأردن وهي بين فكي النار، ولا في خزانات النفط الخليجية!

قد تكون هذه ساعة البدء من الثورة المضادة ضد الجزائر. وفي وضع كهذا يصبح الدفاع عن الوطن الجزائري هو الهدف الأوحد. ومهما يقال في الإعلام وابواق الأعداء المعولمين، فلا بد للجيش كي يبقى قويا وتبقى الدولة والبلد أن يقف بكل الحسم الممكن في وجه فتنة ربما ليس لها نفس البرقع الذي غطت وجهها فيه حينما قصدت تدمير سوريا.