الجزائر في عين العاصفة

الطاهر المعز

أعلنت وكالة الأنباء الجزائرية يوم الأربعاء 8 تموز/يوليو 2015 أن اشتباكات بين مواطنين وصفتها ب”أعمال عنف عرقية” أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 20 قتيل في مدينة القرارة (ولاية غرداية، جنوب البلاد)، فيما سجلت مدينة بريان (ولاية غرداية أيضا) سقوط قتيلين كما أصيب عشرات الأشخاص، قدرتهم صحيفة “الشروق” بنحو 700 جريح ونزوح 40 عائلة، بسبب أحداث العنف، إضافة إلى أعمال تخريب وحرق للمساكن والمحلات التجارية وواحات نخيل وتجهيزات ومرافق عمومية ومركبات من قبل مجموعات من شباب ملثمين في مناطق عديدة من سهل وادي مزاب وبريان والقرارة، وتكررت أحداث العنف في هذه المنطقة، متخذة شكل مواجهات بين “العرب” و”البربر” (الأمازيغ”، منذ سنوات، وخصوصا منذ أحداث 2011 في تونس وليبيا، وأعلنت وسائل إعلام محلية وأجنبية أنها خلفت 25 قتيلا هذه المرة خلال أربعة أيام من الصدامات الدامية، وقبل أسبوع واحد من هذه الأحداث الأخيرة (وهي الأخطر والأعنف) نشرت الحكومة قوات “مكافحة الشغب” التي أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، ولكنها نشرت قوات الجيش هذه المرة “لفرض الأمن وإعادة النظام العام بالمنطقة”، وهو أمر خطير في حد ذاته لأن المهمة الرئيسية للجيش (أي جيش في أي بلد) هي الدفاع عن حدود الوطن من العدوان الخارجي…

يسكن منطقة “غرداية” مواطنون “أمازيغ” (بربر) عرفوا باسم “المزابيون” (بظم الميم نسبة إلى بني مزاب)، وهم السكان الأصليون للمنطقة ومن أبتباع المذهب الأباظي ومواطنون عرفوا باسم “الشعانبة” وهم “عرب” بدأت أعدادهم تتكاثر خلال حرب التحرير بداية من 1954، وهم من أتباع المذهب المالكي، المذهب الأغلبي لمسلمي الغرب العربي (حوالي 98% من السكان المسلمين)، واتخذت الأحداث منذ نحو ثلاث سنوات منحى “طائفيا” مشبوها، وروجت وسائل الإعلام الموالية للنظام ان “جهات خارجية حاقدة تُراهن على إشعال نيران الفتنة بين الإباظيين والمالكيين، في منطقة غرداية”، وشنت هجوما على منظمات حقوق الإنسان المحلية وصحف المعارضة (رغم “اعتدالها”) ووسائل الإعلام الخارجية، والواقع ان الجزائر كبلد وكدولة مستهدفة، بصرف النظر عن طبيعة النظام، وعندما رفضت الحكومة تأييد التدخل العسكري الخارجي في ليبيا ثم في سوريا، وجه وزير خارجية مشيخة “قطر” تهديدا مباشرا إلى وزير خارجية الجزائر، خلال إحدى اجتماعات جامعة الدول العربية (العبرية؟) بان دور تخريب الجزائر قادم في القريب العاجل…

تقع غرداية في جنوب البلاد، في منطقة غنية بمناجم المعادن المختلفة والنفط والغاز (بما في ذلك الغاز الصخري)، وهي واحة تتميز بطابعها المعماري الخاص، وهي أيضا محاذية للمسالك التي تستخدمها شبكات التهريب بين افريقيا وأوروبا مرورا بالمغرب العربي، ما يجعل من المنطقة محطة هامة وملتقى طرق لسكان متعددي المشارب والأصول ولمصالح متعددة منها مصالح شركات المناجم والنفط والغاز وشبكات التهريب الخ، ما يجعل من مسألة “الطوائف” و”المذاهب” مسألة ثانوية، في مقابل أهمية مصالح الشركات متعددة الجنسية، وبالأخص شركات الطاقة، ومصالح شبكات تهريب المخدرات والسلع المختلفة وتهريب البشر، ولا تتوانى الشركات الكبرى العابرة للقارات أو شبكات التهريب في استخدام مختلف الوسائل، منها العنف وتقسيم السكان إلى ملل ونحل للمحافظة على مصالحها أو تنميتها، ومن جهة أخرى فإن سنوات الحرب الأهلية تركت آثارها في كافة مناطق البلاد، منها “غرداية” موطن الزعيم الإرهابي “مختار بالمختار” الذي كان مهربا للسجائر والمخدرات ومختلف السلع، قبل أن يصبح زعيما إرهابيا، في الجزائر ثم في مالي…

خلال انتفاضة تونس، اندلعت مظاهرات في مختلف مناطق الجزائر تطالب بالشغل والسكن، وسرعان ما أخمدتها الحكومة، بالقمع (العصا) وتوزيع بعض الرشى (الجزرة)، من ريع النفط، ثم تلتها الحرب على ليبيا وإسقاط النظام ومؤسسات الدولة وتقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم تحكمها جميعا فرق إرهابية “إسلامية”، قبل أن تنتقل الحرب إلى مالي، حيث تدخل الطيران الفرنسي (بمساعدة النظام الجزائري) لإنقاذ النظام وللمحافظة على مصالح فرنسا، القوة التي استعمرت مالي والبلدان المجاورة لها، ولا زالت تهيمن على المنطقة وثرواتها الطبيعية وتغير أي حاكم لا ينمي مصالحها… أما الجزائر (كدولة وكبلد) فهي مستهدفة، مثلها مثل دول عربية أخرى، وذلك منذ انهيار الإتحاد السوفياتي، وعرفت عقدا من العنف الإرهابي الدموي، دهب ضحيته نحو 200 ألف جزائري، وقد بدأت الأحداث في ولاية غرداية منذ أواخر 2008 واتخذت شكلا طائفيا وعرقيا ومذهبيا، وتجددت في نيسان 2009، ولكنها شهدت تصعيدا خطيرا منذ شهر كانون الأول/ديسمبر 2013 واتسمت في كل مرة بمناوشات بين الشباب لتنتهي بعدد من القتلى والجرحى وإتلاف وحرق وتخريب للممتلكات الخاصة، وفشلت السلطة في وقف هذه المواجهات (عمدا أو عجزا منها) رغم تجنيد أكثر من ثمانية آلاف شرطي في الولاية التي يقدر عدد سكانها ب380 ألف مواطن، وتتخوف الحكومة وأغلبية المواطنين من أن يفضي هذا الوضع إلى سيناريو تقسيم البلاد على اساس مذهبي وطائفي…

ورثت الجزائر وضعا سيئا للغاية عند الإستقلال، بسبب الإستعمار الإستيطاني الفرنسي الذي استمر 132 سنة (من 1830 إلى 1962)، وتزامنت هذه الأحداث الأخيرة في ولاية “غرداية” مع الذكرى الثالثة والخمسين لاستقلال البلاد (05/07/1962) بعد حرب تحرير ذهب ضحيتها أكثر من مليون شهيد، ما يمكن أن يكون إنذارا للحكومة ولكافة الجزائريين بان البلاد ككل (وليس فقط الحكومة أو النظام) مهددة، مثلما حصل ويحصل في السودان وليبيا وسوريا والعراق واليمن… من جهة أخرى، ما انفكت الفوارق الطبقية تتسع بين العمال والكادحين والفقراء من جهة والبرجوازية التي استولت على ثروات البلاد من خلال مؤسسات الدولة أو من إنشاء شركات توريد وتصدير أو من الفساد والإرتشاء، وعلى صعيد الحريات الفردية والجماعية، جابهت الحكومة الحركات الإجتماعية والإضرابات العمالية بالقمع ومنع التظاهر في العاصمة، واستغل النظام مكافحة الإرهاب من 1992 إلى 2002 لإرساء نظام قمعي معاد لكل نفس ديمقراطي وكل نفس تقدمي، معارض لعمليات الخصخصة وتبديد ثروات البلاد ورهن الأجيال القادمة، ما جعل الجزائريين يرددون ان بلادهم غنية لكن شعبها فقير…

على صعيد السياسة الخارجية، كانت الجزائر من أعمدة حركة عدم الإنحياز ومساندة حركات التحرر في العالم، ولكنها في عهد الرئيس الحالي تشارك في مناورات الحلف الأطلسي في البحر الأبيض المتوسط إلى جانب الكيان الصهيوني، وطورت علاقاتها في كافة المجالات مع الإمبريالية الأمريكية (المجالات العسكرية والقضائية والتعليم الخ) وأفسحت المجال الجوي للطائرات العسكرية الفرنسية (والبريطانية والأمريكية) التي قصفت “مالي”

على الصعيد الإقتصادي، فرطت الحكومة في شركات رائدة مثل مصنع الصلب (الحجار) والمناجم ومعظم الشركات التي ساهم العمال الجزائريون في تطويرها خلال العقدين التاليين للإستقلال، وتقهقر دور الفلاحة فأصبحت البلاد من أكبر مستوردي القمح في العالم بعد مصر، واحتكر المقربون من الحكم قطاعات هامة من اقتصاد البلاد، في حين لم تسع الحكومات المتعاقبة منذ وفاة “الهواري بومدين” إلى تنويع الإقتصاد، بل اعتمدت على الريع النفطي، الذي بدأ ينضب، وارتفعت نسبة البطالة ما جعل شباب البلاد يهاجرون بصفة غير نظامية ويموتون غرقا في البحر، ومن يصل منهم إلى فرنسا، يعاني الإهانة والمذلة، إذ شكل الجزائريون المرحلون من فرنسا أكبر نسبة من المرحلين (يليهم التونسيون على قلتهم)

إن هذه العوامل مجتمعة تجعل من المجتمع الجزائري مجتمعا هشا ورخوا يسهل اختراقه من قبل المخابرات وفرق التبشير المسيحية-الصهيونية الأمريكية والمراكز الثقافية الأوروبية والأمريكية والمنظمات “غير الحكومية” المختصة في تحرير التقارير عن المجتمعات والشعوب، كما تسهل ممارسات الحكومة الجزائرية مهمة المنظمات الإرهابية التي تستغل الحاجة المادية للشباب ونقص الوعي والإحباط، والبطالة، لتجنيدهم من أجل تخريب بلادهم وبلاد الآخرين…

لا يكفي النظام الجزائري التغني بأمجاد الشهداء وبتكرار قصص بطولات حرب التحرير، بل وجب الإستجابة لمطالب المواطنين، كي لا يسقطوا في شرك الإرهاب الذي يأتي على الأخضر واليابس.