نفاق أوروبي وولولة صهيونية!

عبداللطيف مهنا

نقطة الضعف القاتلة التي تستوطن العقل الجمعي الصهيوني وتشكِّل عقدته المزمنة والأبدية، هو آفة الإحساس الدائم والمستحكم بالغربة واللامشروعية، أو هاتين اللتين بالضرورة لابد وأن تسما كياناً استعمارياً استيطانياً أحلالياً في منطقة أُفتعل وزرع فيها عنوةً وفرض وجوده عليها بالقوة، وهى لاتملك، نظراً لحقائق التاريخ واقانيم الجغرافيا وخصوصيتها الحضارية، إلا أن ترفضه وتقاومه وتلفظه…لذا، ومنذ بدء الصراع المرافق لإيجاده وما دام موجودا، اعتمد، الى جانب دوره الوظيفي في خدمة موجده المشروع الإستعماري الغربي، بنسختيه القديمة والمتجددة، على ثلاث:
أولاها، العلاقة شبه العضوية مع مصطنعيه الغربيين بعناوينهم الأوروبية المختلفة أهمياتها بداية، وأهمها كان البريطاني، ثم رسوها مبكراً على عنوان هذه العناوين جميعاً الولايات المتحدة الأميركية، والتي تجلت في في كافة المجالات البينية العسكرية والسياسية ولإقتصادية والعلمية والإعلامية، وصولاً إلى ارتقائه كونياً بفضل خصوصية هذه العلاقة إلى موضع العصمة والمافوق المسائلة ومن يجوز له ما لا يجوز لغيره في كل ما يتعلق بخرقه الدائم، وجودا وممارسةً، لكل الأعراف والمواثيق والقوانين المتعارف عليها دولياً، و كافة ما تنص عليها الشرائع السماوية والأرضية.
والثانية، الاعتماد الدائم والمضمون على صانعيه، بدايةً وراهناً وإلى ما شاء الله، في تحوُّل كيانه الطارىء المدجج إلى ثكنة حرب كاملة الأوصاف، فاستحق مأثور وصفه بجيش له كيان وليس كيان له جيشاً، يعد واحداً من أقوى جيوش العالم، لما وفره له عرابوه من آلة موت فاتكة وهائلة ومتطورة، ترفد لحظة بلحظة بآخر ما يصل اليه العقل الغربي الجهنمي من ابتكارات الإبادة والتدمير، بدءاً من الطلقة وحتى القنبلة النووية، مروراً بالقباب الحديدية والسياسية والإقتصادية وما بينهما الاستخباراتية والمؤامراتية.
والثالثة، ضعف المقابل العربي في مواجهته، عجزاً وفرقةً وخنوعاً وتواطئاً واستتباعاً لسادة هذا الكيان وضامنيه والمستثمرين فيه. ولعل في راهن الواقع العربي ما يجعل منه  درة درر هاته العوامل الثلاثة التي يعتمد عليها هذا الكيان، الهش بالرغم من كل مايتوفر له، في تثبيت وجوده الغاصب واستمرارية عدوانيته المتأصلة واستفحالها.
هذا التدليل المفرط، الذي تحظى به هذه الثكنة العدوانية المتقدمة من المركز المستثمر لعدوانيتها، مكمن سر ما تبديه من دلع زائد عن الحد، بل والبالغ احياناً حدود العجرفة وحافة الجنون، إن صدف وإن ابدى حليفها، نفاقاً في الغالب، أو استحياءً نادراً، أو لما يراه مصلحةً له ولإسرائيله، لقليل صد اتجاه مدللته، إذ سرعان ما تنبعث في اطنابها كوامن الفوبيا الوجودية الغافية من رقادها ليتجاوز سعارها مناخات ردود الأفعال المتسمة بالمبالغة إلى اللامتزنة، وتتعالى الولولة آنما لاح ما قد يوحي ببارقة لمثل هكذا صدود خادع، حتى ولو كان نفاقاً أو حرصاً…لنضرب أمثلةً:
اضطرار دول من مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا وهولندا، والمعروفة تاريخياً بما لاحاجة لذكره مما قدَّمته وتقدمه للكيان الصهيوني، لتبني تقرير لجنة تحقيق مجلس حقوق االإنسان التابع للأمم المتحدة المؤشِّر على ارتكاب الصهاينة لجرائم حرب ابان حربهم الآخيرة عل غزة، رغم أن هذه الدول ما كان بوسعها تجاهلاً أو انكاراً لما وثَّقته صوتاً وصورةً كاميرات التلفزة الكونية وشهده العالم لحظةً بلحظة، ثم أن هذا التبني المكرهة عليه ما كان منها لولا أن في صلب هذا التقرير ما ينفي عدالته ويشوب اخلاقية مقرروه، وهو مساواته للضحية بالجلاد باتهامه المقاومة المشروعة جزافاً بمثل ما ارتكبه المعتدي الغاشم.
وكذا راهن هذه الولولة المبالغ فيها حول خطر نمو ظاهرة الدعوات الحقوقية الأوروبية للمقاطعة الإقتصادية والثقافية للكيان الصهيوني مؤخراً، و بدايات تنام لتعاطف شعبي نسبي مع مظلومية لحقت بشعب وأمة اسهمت اوروبا الرسمية أيما اسهام في صناعتها وديمومتها، رغم أن الصهاينة يقبعون في دهاليز القرارات الأوروبية ويعلمون أكثر من سواهم أوجه حصاناتها من تأثير هذا النوع من التحركات الأهلية، التي تظل، على أهميتها، هامشية ولا تطول موائد اتخاذ القرارات ذات السمة الاستراتيجية ومنها علاقة اوروبا بإسرائيلها.
“بنك اسرائيل”،مثلاً، ينبِّه إلى أن 30% من صادرات الكيان تتجه إلى أوروبا و41% من وارداته تأتي منها، وعليه، يدق ناقوس الخطر محذراً من خسارة 22 مليار دولار كنتيجة لهذه التحركات، مع علمه أن غالبية هذه الصادرات هى منتج شركات غربية متعددة الجنسيات لها مراكز في فلسطين المحتلة وشركات صهيونية لها فروع اوروبية، ولذا يحاجج نتنياهو ساخراً بأن الضرر الأوروبي من المقاطعة، إن كانت، هو الأكثر، ويزيد فيهدد الأوروبيين مبتزاً بالتحول نحو اسيا، الأمر الذي هو حادث فعلاً ومنذ أمد، إذ امتدت علاقة الصهاينة الاقتصادية والتسليحية وتبادل المنافع الاستخباراتية إلى بقاع عديدة من القارة الواعدة بتصدر عالمنا في مقترب الأعوام.
هناك من العرب من تستثيرهم فتخدعهم مثل هذه الولولة الصهيونية الفاجرة والمبالغ فيها، فيبالغون بدورهم في توهُّم كثير خير من اشارات النفاق الأوروبي، ويعلقون آمالاً أكثر مما يسمح بها الواقع الموضوعي على التحركات الشعبية الداعية للمقاطعة، وهى وإن كانت المهمة على المديات الأبعد ويمكن التعويل تراكمياً عليها، لكنما يجب أن لا يغب  عن البال عضوية العلاقة بين الأم الأوروبية و لقيطها، ولا اغفال استراتيجيتها وتشعُّباتها وتعقيداتها وشموليتها لعديد المناحي الأخرى التي لاتقتصر على السياسية والإقتصادية والأمنية…