المساواة … بين رؤساء لبنان!

ثريا عاصي

من البديهي القول ان الجنرال ميشال عون يقود حركة غايتها الإقرار بمطالب فئوية. لست بصدد البحث في ما إذا كانت هذه الأخيرة تعني المساواة بين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم الطائفية، أم انها تعبير عن احتجاج ضد تغيير القواعد في قِسمة يمكننا ان ننعتها بأنها لا شرعية ولا عادلة ولا عصرية.
ما يقلق في هذه المسألة هو أن الرجل كان يقود الجيش الوطني. المساواة هي معطى مركزي في مفهوم الوطن. في المقابل يتأسس الاصطفاف الفئوي على إرادة إظهار الخصوصية والميّزات واكاد أن أقول إرادة المحافظة على الامتيازات. عامة الناس تريد المساواة والاشتراكية بالضد من خاصتهم!
هذا من زاوية نظرية. تقتضي مقاربة الحركة المطلبية التي يقودها الجنرال عون التذكير اننا في لبنان، وهذا الأخير ليس بلداً موحداً، لا سيما أن فئة من اللبنانيين صارت بعد الغزو الإسرائيلي في سنة 1982 تدين جهاراً نهاراً، بالولاء لآل سعود، في حين أن فئة ثانية أو بالأحرى جزءاً منها انضم في التاريخ نفسه إلى «الثورة الإٍسلامية» التي أعلنها الإمام الخميني في إيران بعد سقوط الشاه.
مهما يكن، ان اللبنانيين في الواقع وبصراحة لا تهمهم المساواة، كما انهم لا يبدون حرصاً كبيراً على لبنان. فهو مكان سكن، أو اصطياف. لا يعيش اللبنانيون مما ينتجونه في لبنان. إن المستفيدين من عائدات الدولة هم السياسيون والموظفون في الإدارات، بالإضافة إلى الوسطاء والسماسرة. هذه مسألة لا تحتاج إلى براهين لمحلها من الوضوح. الموظف يشتري وظيفته من الوزير، والموظف يؤجر وظيفته للمواطن.
ولكن ما ينغص رتابة هذه العيشة بحسب ذهنية تجارية جشعة، هي المشكلة الفلسطينية. أي نشوء دولة استعمارية استيطانية عنصرية في فلسطين، على حدود لبنان الجنوبية، نزوح الفلسطينيين وتجمعهم في مخيمات في لبنان وسوريا والأردن وقطاع غزة. السياسيون اللبنانيون الأوائل، فهموا المشكلة الفلسطينية بما هي كارثة عظيمة لم تقع على الفلسطينيين وحدهم ولكن على شعوب المنطقة جميعاً (ميشال شيحا).
ما أود قوله ان المشكلة الفلسطينية مثلت عاملاً أساسياً من العوامل التي أفشلت الدولة العربية. الرأي عندي أن أصل اختلاف اللبنانيين في موضوع الوطن مرده، بنسبة كبيرة، إلى القضية الفلسطينية. بكلام صريح وواضح، إنهم يبحثون عن حل لهذه القضية يكون بديلا عن الحل العادل الحقيقي. كل فئة، وهنا أهمية بقاء الفئات وأدوارها، تلقي بهذه القضية في ملعب الفئة الأخرى. جرت محاولات كثيرة في هذا المجال، نتج منها إصطدامات دموية متكررة إلى حد أن المستعمرين الإسرائيليين استطاعوا الدخول إلى لبنان سنة 1982 بقصد أن يفرضوا حلا للمشكلة الفلسطينية في لبنان، يلائم خططهم. ولكنهم فشلوا.
في الحروب الدائرة في الراهن، يعرف المهاجمون ماذا يريدون. في أعلى سلم الأولويات توجد من وجهة نظري القضية الفلسطينية، أو بالاحرى إن المطلوب إيجاد حل لها لا يشكل عائقاً يمنع اكتمال المشروع الاستعماري الإسرائيلي. المفارقة هنا أن المعتدى عليهم في سوريا وغيرها من الدول العربية، لا يعرفون بالضرورة، ما يضمره المعتدون.
لأرجع من بعد إلى حركة الجنرال ميشال عون. كيف نطلب من هذا الأخير، أن لا يكون فئوياً لبنانياً، أي أن يكون وطنياً لبنانياً، في الوقت الذي يعلن فيه حزب الله، باسم القضية الفلسطينية عن علاقة عقائدية وجهادية تربطه بالثورة الإسلامية في إيران، فضلاً عن أن حقيقة «الحريرية» السياسية في لبنان تكشفت أيضاً، بما هي تبعية مباشرة لحكم آل سعود، تعويضاً للـ «سنية» السياسية عن خسارتها الحليف الفلسطيني سنة 1982. أعتقد في السياق نفسه أنه دُفع أيضا ثمن اتفاقية 17 أيار 1983 ! بين الحكومة اللبنانية وبين المستعمرين الإسرائيليين. التي تراجعت عنها الحكومة اللبنانية.

:::::

“الديار”