“بريكس” و”مجموعة شنغهاي”: هل تمثلان تحولا نوعيا في ظل “الحرب الفاترة”؟

الطاهر المعز

التأمت القمة السابعة لمجموعة “بريكس” (البرازيل وروسيا والصين والهند وجنوب افريقيا) في مدينة “اوفا” الروسية خلال الفترة من 8 إلى 10 تموز، بالتزامن مع استضافة نفس المدينة لقمة “منظمة شنغهاي للتعاون”، وتبنى قادة “بريكس” عدة قرارات تؤسس لنمط ومسار جديدين في العلاقات بين الدول الاعضاء في المجموعة، منها استراتيجية تعاون اقتصادي لغاية عام 2020 والسعي لاصلاح المؤسسات المالية العالمية، وحددت القمة أهدافا للقضاء على هيمنة القطب الواحد على العالم، سياسيا، ولوضع حد لعبودية الديون، اقتصاديا، والمساهمة في النمو المستدام واجتثاث الفقر والبطالة في العالم، ومواجهة جميع أشكال الحمائية والقيود المخفية في التجارة، وفق البيان الختامي، لكن قمة “بريكس” لا تخرج عن قواعد النظام الرأسمالي المعولم، إذ دعت إلى “تأمين الدعم لعمل منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات”، التي تعتبر ركيزة الهيمنة الأمريكية وهيمنة الإقتصاد الرأسمالي المعولم، بالإضافة إلى تركيز قادة “بريكس” على ما أسموه “الدور المحوري للأمم المتحدة، والالتزام بأحكام القانون الدولي، واحترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى… من أجل ضمان السلام والاستقرار والأمن في العالم”، وبالنسبة للشعوب الرازحة تحت الهيمنة، وبالنسبة لنا كعرب فإن هذه “المحسنات اللفظية” لا قيمة لها ولا تعني سوى تأبيد الظلم والهيمنة والإحتلال الصهيوني الذي كرسته “منظمة الأمم المتحدة” و”القانون الدولي” الذي أنتجته.

استضافت روسيا وترأست قمتي “بريكس” و”مجموعة شنغهاي”، بعد أسابيع من أحياء الذكرى السبعين للانتصار على النازية وقيام منظمة الأمم المتحدة، وكانت الولايات المتحدة وتوابعها من أوروبا واستراليا وكندا واليابان قد قاطعت احتفالات روسيا بذكرى الإنتصار على النازية التي كلفت الإتحاد السوفياتي السابق أكثر من عشرين مليون ضحية وخراب اقتصادي الخ، ويتمثل الدور الإيجابي لهذين اللقاءين في تأكيد البلدان المشاركة على “احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى”، وعزم الصين وروسيا على المساهمة في حل مشاكل الاقتصاد والسياسة الدولية، وكسر هيمنة القطب الواحد (الأمريكي) على العالم، لكننا عندما نتابع نشاط الحكومة والشركات الصينية في افريقيا وبعض البلدان الفقيرة، نستنتج أن الصين في طريقها نحو الهيمنة الإمبريالية، ربما بوسائل مختلفة في الوقت الراهن، لكن الجوهر لا يتغير، أي نهب المواد الأولية وتحقيق قيمة زائدة على حساب الشعوب المحلية وبيعها فائض الإنتاج الصيني، الرديء عادة…

خلال انعقاد القمتين، أعلنت وزيرة القوات الجوية الأميركية “إن روسيا تمثل التهديد الأكبر للأمن القومي الأميركي، وعلى الولايات المتحدة زيادة وجودها في أوروبا رغم الصعوبات الإقتصادية التي يعانيها حلفاء الناتو”، وأعلنت مواصلة نشر مقاتلات “إف-16” في أوروبا، قريبا من روسيا، وأسفت لعدم تطبيق 24 عضو في حلف شمال الأطلسي (من إجمالي 28) رفع نفقات التسلح بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، “لمكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات، وكذلك الجيش الروسي الذي يقوم بزعزعة الأمن في المنطقة بشكل مباشر أو بالوكالة”، وسبق ان اعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما “روسيا من المخاطر الكبرى التي تهدد العالم إلى جانب تنظيم داعش وحمى الإيبولا” (من خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وكثفت الولايات المتحدة من استفزازاتها لروسيا (بواسطة الحلف الأطلسي)، كما تعتزم نقل 60% من أسطولها البحري الحربي لمحاصرة الصين، في المحيط الهادئ، ومراقبة طرقات التجارة الصينية، بمساعدة اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا…

استفادت روسيا من استضافة القمتين، وفكت عزلتها التي فرضتها عليها الولايات المتحدة وتوابعها، بعد إبعادها من مجموعة الثمانية الكبار، وأدت العقوبات المفروضة على روسيا إلى تقييد حصولها على التمويل الأجنبي لشركات هامة، مثل شركات النفط والغاز، ومصارف مثل “سبيربنك”، أكبر مصرف في روسيا، وسيكون بنك التنمية الجديد لدول “بريكس” متنفسا لمساعدة الشركات الروسية المتضررة من العقوبات… من جهة أخرى كان من نتائج السياسة العدوانية الأمريكية واستفزازاتها المتكررة للصين وروسيا أن تكثفت لقاءات رئيسي الصين وروسيا، بهدف إنجاز مشاريع ضخمة في قطاعات الطاقة والنقل، وبالأخص دمج المشروع الصيني “طريق الحرير” في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتسريع عملية حصول الهند على العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، كما دشن زعماء “بريكس” بنك التنمية الخاص بالمجموعة، ويعتزمون تكثيف التعاون بين أعضاء مجموعتي “بريكس” و”منظمة شنغهاي” في المجالات السياسية والإقتصادية والعسكرية…

 طرح الرئيس الصيني سنة 2013 فكرة بناء “طريق الحرير” الجديد الذي يربط الصين بأوروبا، مع تعزيز التعاون مع آسيا وإفريقيا، بإنشاء ممر تجاري لتوريد البضائع مباشرة من الشرق إلى الغرب بشروط تفضيلية، وتعول الصين في ذلك على إنشاء شبكة نقل من المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، وتقليص العوائق التي تقف أمام الاستثمار والتجارة، وتوسيع أنظمة الحسابات بالعملات الوطنية، وخلال محادثات أجراها الرئيسان الروسي والصيني في أيار 2015 في الكرملين (على هامش الاحتفالات بمناسبة الذكرى الـ70 للإنتصار على النازية) بيانا مشتركا حول دمج “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” (الذي يظم روسيا وبعض بلدان الإتحاد السوفياتي السابق) مع الحزام الاقتصادي “طريق الحرير”، وكثف البلدان من المحادثات وتوقيع الإتفاقيات، لتشكيل جبهة أو حلف في مواجهة الخطاب والممارسات العدوانية والتحرشات الأمريكية تجاه بلديهما، وأنجزت الحكومتان (الصينية والروسية) الخطوات العملية لدمج المشروعين، على هامش قمتي “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”، في مدينة “أوفا” (روسيا) من 8 إلى 10 تموز/يوليو 2015 و تترأس روسيا هذا العام كلتا المنظمتين.

تأسست “منظمة شنغهاي للتعاون” سنة 2001 وتضم حالياً الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان، وتتمتع كل من منغوليا، والهند، وإيران، وباكستان، وأفغانستان بصفة “مراقب”، فيما تعتبر سريلانكا وتركيا شريكين في الحوار مع المنظمة، وخلال اجتماع المنظمة في مدينة “يوفا” الروسية تقدّمت باكستان والهند وإيران بطلبات رسمية يوم 10 تموز 2015 للانضمام إليها، وفي حين تنتظر إيران رفع العقوبات، انضمت الهند وباكستان رسميا إلى المنظمة ليرتفع عدد أعضائها إلى ثمانية، وأصدرت القمة وثيقة تطرح بناء استراتيجية تنمية المنظمة حتى العام 2025 مع  إبرام اتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة بين الدول الأعضاء، قبل انتقال الرئاسة من روسيا إلى أوزبكستان، ووسعت منظمة شنغهاي للتعاون صفوفها، لأوّل مرة، منذ تأسيسها في 2001، مع رفع صفة بيلاروسيا، التي كانت شريكاً في الحوار مع المنظمة حتى الآن، إلى صفة مراقب في المنظمة، وأعربت  أذربيجان، وكمبوديا، وأرمينيا ونيبال رغبتها في الإنضمام بصفة “شركاء في الحوار”، وترغب دول أخرى في المشاركة في نشاط منظمة شنغهاي للتعاون بشكل أو بآخر، وستنظر المنظمة في هذه الطلبات، وتحاول روسيا والصين فك الخناق الذي تفرضه عليهما الولايات المتحدة والحلف الأطلسي، وبناء تحالفات إقليمية، وتشكيل “عالم متعدد الأقطاب”، بحسب تعبير فلادمير بوتين، لمنافسة الأحلاف “الغربية”، والتحرشات الأمريكية على حدودهما وفي البلدان المجاورة لهما، مثل أفغانستان، حيث عززت الصين مكانتها، لتشارك بصفة “مراقب” في المحادثات التمهيدية الرسمية بين كابول وحركة “طالبان”، وستمد الصين حكومة أفغانستان بالمعدات الأمنية والتدريب، وتقنيات القمع في إطار مزيد من التعاون الأمني… إن هذا التقارب الصيني-الروسي لا ينم عن قناعة بضرورة وجود “عالم متعدد الأقطاب”، ولكنه تقارب فرضته الضرورة، وفرضه الصلف الأمريكي

  تشكل مجموعة “بريكس” (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا) 26% من مساحة الأرض (باستثناء البحار) ويقطنها 2,83 مليار نسمة أو 42%  من إجمالي سكان العالم و ويبلغ إجمالي الناتج المحلي في دول “بريكس” 15,435 تريليون دولار أي 14,6% من إجمالي حجم الناتج المحلي العالمي، وبلغت نسبة الإنفاق العسكري للمجموعة 10,8%  من حجم الإنفاق العسكري العالمي (في حين يشكل إنفاق الولايات المتحدة نحو ثلث الإنفاق العسكري العالمي) وتنتج 40,2% من مصادر الطاقة العالمية وبلغ حجم التبادل التجاري للمجموعة مع العالم 16,1% من إجمالي حجم التبادل التجاري العالمي سنة 2013، وأسست المجموعة سنة 2014 مصرفا للتنمية بخمسين مليار دولار، قد يصل إلى مائة مليار دولار بهدف تمويل مشاريع البنية التحتية في دول “بريكس” والدول النامية، ووقعت المصارف المركزية لدول “بريكس” في موسكو اتفاقية حول شروط الدعم المتبادل في إطار صندوق احتياطي مشترك للعملات، وتقديم التمويل المتبادل بالدولار للصندوق في حال ظهور مشكلات في السيولة في البلدان الأعضاء، وذلك بهدف التغلب على نقص السيولة على المدى القصير، وتغطية عجز الميزانية في فترات عدم الاستقرار الاقتصادي، وكان الرئيس “هوغو تشافيز” قد دعا (قبل وفاته) إلى تأسيس مصرف عالمي لدول “الجنوب”، وأسست الصين (عضو مجموعة “بريكس”) مصرفا يهدف إلى تمويل الإنفاق على البنية التحتية في بلدان آسيا، وترى الولايات المتحدة وأوروبا في هذه المبادرات تهديدا لنفوذها داخل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي

تطمح دول مجموعة “بريكس” إلى “إرساء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب للعلاقات الدولية، وزيادة قدرة ونفوذ مراكز القوة الجديدة وتطور العلاقات بينها، ودمقرطة العلاقات الدولية وعدم تجزئة الأمن الدولي، وتسوية النزاعات وتعزيز نظام القانون الدولي والتصدي للضغوط العسكرية والعقوبات أحادية الجانب”، وهي أهداف “تقدمية”، حاولت “مجموعة عدم الإنحياز” تحقيقها منذ 1955، وحاولت بعض الدول إحياءها سنة 1973 (منها الجزائر وكوبا) من أجل أرساء “نظام عالمي جديد”، وتأسست “مجموعة ال 77” أيضا لمثل هذا الغرض الخ، لكن إصرار مجموعة “بريكس” و”مجموعة شنغهاي” على التمسك بنفس القواعد الرأسمالية العالمية، يجعلها نسخة باهتة من التكتلات الرأسمالية الأخرى مثل “الإتحاد الأوروبي” ومجموعة “البا”، ناهيك عن التباين الواضح بين وضع الصين ووضع جنوب افريقيا في مجموعة “بريكس” مثلا، وافتقاد الأطر والهياكل الضرورية للتكامل الإقتصادي بين بلدان المجموعتين، وعدم التواصل الجغرافي وغير ذلك من العوائق التي تعسر تحقيق المهام المطروحة…

تأسس بنك التنمية لمجموعة “بريكس” برأسمال أولي قدره 50 مليار دولار، وتتساوى حصة الأعضاء، لكن البنك يخطط “لإصدار سندات وجمع أموال من الأسواق المالية والعالمية”، وتعتبر دول “بريكس” هذا البنك بديلا للبنك العالمي الذي تتحكم به الولايات المتحدة (مثل صندوق النقد الدولي) وتعتزم مضاعفة رأسماله إلى 100 مليار دولار خلال سنتين، وسيسعى للحصول على تصنيف ائتماني من مؤسسات محلية وعالمية وهي خطوة ضرورية لإصدار السندات.

تمثل مجموعة “بريكس” قوة اقتصادية هامة، ويعادل عدد سكانها نحو نصف التعداد السكاني في العالم، وينتمي عضوان منها (الصين وروسيا) إلى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أي لها حق النقض “الفيتو”، ويمكنها تعطيل القرارات الهامة، وإن كانت الولايات المتحدة لا تعير أهمية للمؤسسات الدولية، وتشن الحروب وتعربد في العالم، دون موافقة الأمم المتحدة، رغم هيمنتها عليها… من جهة أخرى، كثفت الصين وروسيا التعاون بينهما، مدفوعتين بغطرسة الولايات المتحدة، ما من شأنه خلق موازين قوى جديدة، وإعادة توزيع مراكز القوة على الصعيد العالمي، خصوصا ان قادة البلدين يسعون إلى اندماج “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” الذي تقوده روسيا، مع “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الجديدة” الذي تقوده الصين، ليتمكن العملاقان من ربط اقتصاد أقصى شرق آسيا باقتصاد أوروبا الغربية، عبر شبكة مواصلات برية وبحرية ومشاريع وشبكة للطاقة، خصوصا وان روسيا تملك الطاقة (النفط والغاز) والصين تملك المال، ليكون دورهما متكاملا، وأعلن الرئيس الروسي أن هذين المشروعين يحققان إمكانية مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية بشكل أكثر فعالية، والتغلب على كافة أنواع القيود والحواجز…

تفاؤل مفرط؟

كان الرئيس الروسي مفرطا في التفاؤل، أو هكذا كان يبدو، إذ اعتبر مجموعة بريكس “قائدة العالم والاقتصاد العالمي مستقبلا دون أدنى شك”.

إن هذه التجارب للتجمعات الإقليمية قد تفيدنا عند دراسة أسباب عدم إنجاز الوحدة العربية رغم الكم الهائل من العوامل التي تدفعنا إلى الوحدة منها التواصل الجغرافي والتاريخي وعامل اللغة والثقافة والحضارة ورغبة الشعوب، وغيرها من الحوافز… لكن العوائق كثيرة، الخارجية منها (الهيمنة الإمبريالية) والداخلية (الكمبرادور وملحقاته) إضافة إلى مثقفي الطابور السادس والمنظمات “غير الحكومية” وإفرازاتها الإيديولوجية وثقافة الإرتزاق والإنبتات…

في حقبة الهيمنة السعودية على الأنظمة العربية (والسعودية مخلب أمريكي) أصبحت الجامعة العربية (العبرية؟) تدعو إلى احتلال البلدان العربية، وإلى مشاركة الجيوش العربية في احتلال وتخريب العراق وليبيا وسوريا واليمن، مع اعتبار الصهاينة أصدقاء والفرس، وحتى بقية العرب أعداء… هذه العوائق تجعل منا فريسة سهلة للإحتلال وللإختراق، فلنبدأ بإزالتها، قبل بناء مشروع وطني وقومي يلبي مصالح الكادحين وفقراء العرب، ومناهض للإمبريالية