معركة القلمون حتى الزبداني …مسار ومصير

العميد د. أمين محمد حطيط 

يضطرب البعض لدى متابعتهم لمعركة القلمون الذي دخلها الجيش العربي السوري ومجاهدو المقاومة اللبنانية منذ نيف وعشرة أسابيع، ويختلط الأمر على هذا أو ذاك في تفسير ما جرى ويستمر على ساحة المواجهة في المنطقة من شمالها عند جرود قارة إلى جنوبها عند مدينة   الزبداني فما الذي حصل بالضبط وفي أي مرحلة وموقف وصلت القوات المهاجمة وما هو مصير الحرب؟

لقد انطلقت معركة القلمون بعد تخطيط وأعداد مناسبين وأداء ميداني مميز يؤمن الطمأنينة لنتائجها، حيث أن المخطط كان يرى أن النجاح في هذه المعركة امرا إلزاميا لما للمنطقة ونتائج المعركة فيها من انعكاس استراتيجي بالغ على لبنان وسورية وعلى مسار الحرب الدفاعية التي يخوضها محور المقاومة على الأرض السورية. ولأجل ذلك كانت الخطة التي وضعت تهدف الى تحقيق أمور ثلاثة تخدم النتيجة المرجوة أولها ضرب بنية التنظيمات الإرهابية لاسقاط خطرها الهجومي، تطهير متدرج للأرض لاجتثاث المتناثرات والشظايا الإرهابية، إقامة البناء الدفاعي النظامي في المنطقة لمنع إعادة انتاج أو تشكيل الجماعات الإرهابية فيها. خطة تحترم الاستراتيجية العامة المعتمدة مؤخرا في الحرب الدفاعية كلها والتي فيها مبدأ الاقتصاد بالقوى وحماية مراكز الثقل النوعي الاستراتيجي للدولة وهيكليتها الأساسية.

و في التنفيذ كان أداء الجيش العربي السوري و مجاهدي المقاومة اللبنانية رائعا لا بل فاق التوقع في اكثر من جزئية و موطن ، فتم إنجاز الهدف الأول و  الأساس  للعملية باقل من ثلاثة أسابيع ، فتعطل الخطر الهجومي للتنظيمات الإرهابية العاملة في المنطقة بشكل شبه تام ، حيث شطبت جبهة النصرة من جرود القلمون في سورية و من جرود نحلة و يونين و بعض جرود عرسال من لبنان ، و تم تحجيم إرهابيي داعش و تراجعهم إلى جرود قارة من غير أن يبقى  لديهم طاقات أكيدة على عمل هجومي مؤثر ضد دمشق و طرق المواصلات اليها أو ضد لبنان في مواجهة المقاومة و الجيش ، و ارتسم بذلك مشهد ينبئ بأن المهمة الأساسية للمعركة أنجزت ، و بقي منها الجزء الوقائي التجميلي المتصل بالتنظيف و التمركز الدفاعي المتشابك ، حيث نفذت نسبة 80 % منه و لم يتبق من الأمر بشكل أساسي و خطر و في مجمل المنطقة ألا مدينة الزبداني ، التي كانت تؤوي قبل بدء العملية حوالي 700 مسلح ، و تضاعف العدد مع تنفيذ عملية جرود القلمون حتى بات يتراوح بين  1300 و 1400 مسلح .ما جعل امر معالجة وضع المدينة امرأ ملحا من اجل منع تشكل الخطر مجددا و منع إجهاض نتاج عملية القلمون كلها .

واجهت القوى العاملة في الميدان الموقف في الزبداني بسرعة فاجأت المراقبين ، ففي حين ظن اكثرهم بان المعركة ستؤجل إلى ما بعد الإنجاز الكلي لحرب الجرود ، و وضعوا لها التوقيتات التي في اقربها تأخير للمعركة لأكثر من شهر ، فان القوى العاملة هناك فاجأت الجميع بالعملية السريعة الممنهجة التي أدت إلى حصار المدينة بأحكام، ثم الدخول مباشرة في المرحلة الثانية عبر التأثير الناري الثقيل و القصف التمهيدي الهادف لتعطيل قدرات الإرهابيين و شلهم داخل المدينة تمهيدا للمرحلة الثالثة التي لم تتأخر ، حيث تم الأطباق على المدينة من الشرق و الغرب في هجوم منسق و خاطف ادى إلى تطهير أحياء رئيسية فيها و حصر المسلحين في داخلها في وضع دفاعي محاصر بأحكام ليس لهم فيه أي طرق أمداد أو إمكانات تغيير الواقع الميداني و العودة إلى موقع الهجوم .

و كما قلنا عن حرب الجرود التي تحقق فيها الأساسي المتصل من المهمة و الوظيفة العسكرية و الاستراتيجية للمنطقة ، نقول كذلك بالنسبة لمدينة الزبداني ، فان العملية المباغتة التي استهدفتها عطلت وظيفتها الهجومية و قلبت موقع الإرهابيين فيها من موقع هجومي يهدد دمشق و شريانها الذي يصلها ببيروت ، و يهدد قرى البقاع اللبناني وصولا إلى زحلة و منها إلى الداخل اللبناني ، إلى موقع دفاعي منخفض السقف ميؤوس في نتائج المواجهة ، و وضعهم أمام خيارين أما الاستسلام للقوى الهاجمة باي صيغة من الصيغ أو القتال حتى الموت في المركز أو على طرق الفرار منه . في حين أن القوى المهاجمة لم تعد على عجلة من أمرها ويمكنها التعامل مع الوضع لاستكمال المهمة بمنهجية القضم البطيء والنار المرهقة ، استراتيجية تعتمد عادة في مثل هذه المواقف تنفيذا لمبدأة الاقتصاد بالقوى، وخفض مستوى الخسائر.

و على هذا الأساس و انطلاقا من قواعد العلم العسكري الاستراتيجي نقول أن الإنجاز العسكري  الرئيسي الذي كانت ترمي اليهم حرب القلمون ، تحقق ، و تعطلت المخاطر التي كانت تشكلها الجماعات الإرهابية في المنطقة على مركز الثقل النوعي الاستراتيجي للدولة في دمشق ، كما تعطلت المخاطر التي شكلتها المنطقة على لبنان ، و لا نرى موجبا بعد ذلك و من اجل يوم أو أسبوع ان يتعجل المنفذون لإنجاز ما تبقى من المهمة (الفراغ من التطهير،  إقامة بنية منع تشكل الحتر مجددا) لا نرى موجبا لزج قوات إضافية أو متابعة العمل بوتيرة سريعة تؤدي إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين يمكن تجنبها ، كما لا نرى من المصلحة مطلقا التوقف عند أعلام العدو و حربه النفسية أو الاجابة على استفساراته الخبيثة ، أو الأصغاء إلى تهديدات عقيمة جوفاء يطلقها مسؤول هذه الجماعة الإرهابية أو تلك .

و في الخلاصة  نقول أن ما تحقق في جرود القلمون وصولا إلى الزبداني و في فترة اقل من اشهر ثلاثة ، قلب المشهد الميداني ، و اذا أضفنا اليهم ما تحقق في الفترة ذاتها في الجنوب ، و تحطم موجات عاصفة الجنوب الإرهابية ، وفشل الجماعات الإرهابية في الشمال من تحقيق أي إنجاز عسكري يبنى عليه ، و ما نفذ في الشمال الشرقي في الحسكة من إنجازات ، اذا أضفنا كل ذلك امكننا القول ببساطة أن الحرب الدفاعية التي تخوضها سورية و محور المقاومة مستمرة في خطها البياني الصاعد في كسر إرادة المعتدي إرهابيا مقاتلا في الميدان أو مخططا عاملا عبر الحدود .