الاتفاق النووي الايراني: من ربح ومن خسر؟

د. ليلى نقولا الرحباني

الأكيد أنه بعد توقيع الاتفاق النووي بين ايران والدول الست، لن يعود العالم والمنطقة كما كانت عليه من قبل.

وبعد قراءة سريعة للاتفاق – علمًا أنه يحتاج الى قراءة مفصلة وعميقة للالمام بكل حيثياته- قد نستطيع مقاربة من هم الرابحون ومن هم الخاسرون:

–  ايران قد تكون الرابح الأكبر، فقد استطاعت أن تحصل على مكاسب هامة جدًا تتلخص بداية في الوصول الى اتفاق – ولو بتنازلات متبادلة من الطرفين- وهذا أمر جيد، ثم في الاعتراف بحقها في التخصيب النووي السلمي واكتساب المعرفة النووية، والاتفاق على رفع العقوبات عنها – ولو بعد حين.

هذا بالاضافة الى تهافت الشركات الغربية الى الاستثمار في السوق الايرانية الواعدة، ولعل الدول الاوروبية ستبدأ بتقديم التنازلات لكي تحصل على مكاسب استثمارية، وقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي لورا فابيوس منذ اللحظة الاولى لتوقيع الاتفاق أنه سيزور طهران على عجل وأنه يعتقد ان الشركات الفرنسية ستحصل على حصة جيدة من السوق الايراني الاستثماري بالرغم من موقف فرنسا في عرقلة التفاهم النووي.

وهذا إن دلّ على شيء، فيدل على أن الفرنسيين الذين باعوا مواقفهم السياسية في قضايا المنطقة للمملكة العربية السعودية، مستعدين لبيع المواقف لايران مقابل الاستثمار الفرنسي في البنى التحتية والسوق الايراني.

أما في الداخل الايراني، فإن رفع العقوبات وانتعاش السوق الايراني وارتفاع الدخل الفردي، سيقوي من قدرة الحكومة الايرانية على المناورة وسيخفف من الانتقادات التي كانت توجّه للسلطة الايرانية بأنها تمد دولاً ومنظمات بالمال، بينما الاجدى لها أن تصرف تلك الأموال في الداخل حيث يرزح الايرانيون تحت نير وضع اقتصادي سيء.

خسر الايرانيون في موضوع رفع الحظر على استيراد السلاح، وموضوع رفع العقوبات التلقائي مع توقيع الاتفاق، فقد ربح الغربيون بعض الوقت، بأن ربطوا في المادة 18 من الاتفاق إزالة العقوبات المفروضة من مجلس الأمن واميركا واوروبا “بالتزامن مع تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يشير الى التزام ايران بسلمية برنامجها” وهو أمر متوقع حصوله في كانون الاول المقبل.

– الرابح الثاني الرئيس باراك اوباما، الذي سيسجل له التاريخ أنه أنجز اتفاقًا تاريخيًا وانهى قطيعة مع الجمهورية الاسلامية في ايران ما زال مستمرًا منذ عقود طويلة.

وسيتيح الاتفاق للأميركيين، القيام بتفاهمات أمنية وسياسية في المنطقة مع الايرانيين، وإن كانوا صادقين بمحاربة الارهاب والدولة الاسلامية – داعش، فايران هي الحليف الطبيعي للقيام بهذه الحرب وتحقيق المكاسب الاستراتيجية بدون أن يكون للأميركيين جندي واحد في الميدان.

يستطيع الرئيس الأميركي أن يعلن أنه منع قيام ايران بتطوير سلاح نووي، وأنه لم يحقق للايرانيين مطلبهم برفع العقوبات بالتزامن مع توقيع الاتفاق، وأنه ابقى على الحظر على تصدير السلاح الى ايران، وفي هذا ضربة مزدوجة لكل من ايران وروسيا التي تعتبر المصدّر الرئيسي للسلاح.

ويبقى  أن موافقة الايرانيين على تفتيش مواقعهم العسكرية تبقى في إطار “الشكّ المعقول”، وبموافقة ايران والمحافظة على سيادتها، وعلى أن لا يكون المفتشون من دول ليس لها علاقات دبلوماسية مع ايران.

– ربح الغربيون فرصًا جديدة للاستثمار كانت ممنوعة عنهم في السابق بسبب العقوبات والضغط الأميركي، كما سيحاولون رفع هيمنة الروس على سوق الغاز الطبيعي  وتوريده الى اوروبا.

بالنسبة لروسيا والصين، فإن علاقتهم الجيدة مع الايرانيين والحلف السياسي الذي تشكّل بعد الأزمة السورية، سيحفز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ولو أن تنافسًا ما سيحلّ بين روسيا وايران في سوق بيع الطاقة. بالنسبة لتركيا، قد توازن مصلحتها الاقتصادية مع ايران خسائرها السياسية ضمن التسابق على النفوذ بين البلدين في كل من سوريا والعراق.

أما الخاسرون، فهم بطبيعة الحال اسرائيل والسعودية وحلفائهم؛ فايران المعزولة التي ما انفكت تشكّل عامل قلق لكل من الدولتين، واستطاعت أن تحبط لهم مساعيهم في زيادة نفوذهم في المنطقة، ستكون أقوى بكثير مما كانت عليه في السابق، وسترتد قوتها قوة مضاعفة لحلفائها في المنطقة، وستسعى لحصد مكاسب كبرى في كل من اليمن وسوريا والعراق ولبنان وغيرها.

وكما في العلاقات الدولية برمتها، سيختلط العامل الاقتصادي بالاستراتيجي، وستحقق ايران مكاسب كبرى من خلال الاقتصاد، ولن تتوانى عن استكمال استخدام الميدان لصالحها وصالح حلفائها.