■ البناء» تنشر فصولاً من كتاب د. عادل سمارة “تحت خط 48 ـ عزمي بشارة وتخريب دور النخبة الثقافية”

 

«فلسفة» حق المحتل بتقرير مصيره 

في هذا العدد، سنعرض فصلاً من فصول كتاب الدكتور سماره يتعلق بآراء عدد من الكتاب الفلسطينيين القائلين بضرورة الاعتراف بالكيان الصهيوني وسط نقاش يدور حول حل الدولة أو حل الدولتين.

والكاتب يحدد بوضوح مغزى ومضمون اتفاق «أوسلو» من حيث يجعل من السلطة المركزية في «تل أبيب» حاكمةً لكل فلسطين، وكل ذلك في مواجهة رؤية معاكسة حول الدولة الواحدة يتبنّاها الكاتب.

هل تعود عناصر حزب بشارة إلى عناصره الأولية؟

نشرت جريدة الأخبار البيروتية رأي: العدد 2272 الثلاثاء 15 نيسان 2014 http://al-akhbar.com/node/204636 مقالة للسيد هشام نفاع بعنوان «التجمع» وعزمي بشارة و«حل الدولتين» يحاور فيها نفاع زميلاً له في حزب التجمع الوطني الديمقراطي المذكور حوار من يقف على أرضية سياسية واحدة، حيث أن نفاع كما يبدو من الحزب الشيوعي «الإسرائيلي» أو من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. والأرضية الواحدة هي الاعتراف بالكيان الصهيوني وأي حل هو المطلوب وأن لا فارق حقيقياً بين موقفي الطرفين، وكل ذلك في محاولة مؤدبة من السيد نفاع أن يثبت لزميله بأن بشارة اختطف علانية أطروحة الحزب الشيوعي «الإسرائيلي» لا أكثر ولا أقل مهما حاول تلوينها أو إعادة إخراجها.

وهذا يفتح على حديث كثيرين من مثقفي الطابور السادس الثقافي من الفلسطينيين وأخص منهم د. نديم روحانا مدير عام مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعية والتطبيقية في حيفا ود. سليم تماري جامعة بير زيت وموزع مجلة الدراسات الفلسطينية اللذين يدخلان من باب المسألة الثقافية للوصول إلى حل الدولة الواحدة بما لا يبتعد سوى بحِرَفية تناسل الكلام من الكلام، لا يبتعدان عن أطروحة الحزب الشيوعي في دولة لكل مواطنيها ولكن بأوسع من بشارة والشيوعي أي في كل فلسطين. وهذا بالطبع استدخال أعمق للهزيمة وأشد وأعم.

«… فإن المهمة الملقاة على عاتق النخب الفلسطينية… تصور مكان اليهودي الإسرائيلي للعيش بمساواة وكمجموعة متساوية الحقوق، وليس كمشروع كولونيالي في الوطن نفسه… وأن لا مخرج منه للفلسطيني من دون تقديم تصور إنساني لليهودي الإسرائيلي أيضًا» نديم روحانا، الفاوضوات وأزمة المشروع الوطني، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 96 خريف 2013، ص ص 8-13 .

جميل هذا العطف على اليهودي الإسرائيلي المسكين، هذا الاستقواء بالضعف، وأجمل منه توجههما إلى النخب الفلسطينية وليس إلى الطبقات الشعبية الفلسطينية!

وإضافة إلى انطلاق السيد نفاع من الاعتراف بالكيان الصهيوني فهو، وهذا طبيعي بناء على منطلقه، يسمي الصراع «الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي» نافياً البعد العربي في هذا الصراع وكل العدوانات التي شنها الكيان ضد الوطن العربي سواء العسكرية أو الاستخباراتية أو الاقتصادية.

ويبدو أن نقاش حل الدولة و/أو الدولتين يسخن كثيراً في أوساط المثقفين الفلسطينيين والعرب وخاصة الطابور السادس الثقافي. ولا يصعب التقاط التوجه المتزايد بين مثقفين إلى حل الدولة الواحدة على أرض فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني. وهو لجوء يأخذ طابعاً احتجاجياً وطابع التحدي شكلانياً، ولكنه يصب جوهرياً في صالح الدولة اليهودية طالما يُطرح اليوم كمشروع وليس كرؤية.

فالدولة الواحدة اليوم كمشروع، وهي تحظى الآن بتنظيرات سقوطية وطبعاً بتمويل هائل من مصادر لا يمكن عزلها عن الصهيونية، هذه الدولة الواحدة الآن تُظهر عيوب من كانوا من دعاة حل الدولتين، بمعنى أن يأسهم من قبول الكيان بحل الدولتين، أَوصلهم إلى قرار الإلقاء بجثثهم ، ولكن بالوطن كذلك، على حرابه تحت شعار الدولة الواحدة.

فالدولة الواحدة قائمة الآن، وبلا مواربة منذ عام 1967. ولا يمكن إخفاء ذلك بوصفها دولة تمييز عنصري أو استعمار داخلي أو استعمار استيطاني اقتلاعي… الخ وهي هذا جميعه. فما هو اتفاق أوسلو غير:

إن السلطة المركزية في تل أبيب حاكمة كل فلسطين قد أعطت ترخيصاً لحركة سياسية هي منظمة التحرير الفلسطينية لتقيم حكماً ذاتياً باسم «السلطة الفلسطينية» على إقليم من الأقاليم التي تسيطر عليها سلطة تل أبيب؟

بينما الدولة الواحدة كرؤية، هي التمسك بالتحليل التالي:

هذا الصراع عربي صهيوني وهو صراع عربي في مواجهة المركز الرأسمالي العالمي أيضاً.

تشترط رؤية الدولة الواحدة أن تكون فلسطين جزءاً من الوطن العربي ويكون اليهود فيها أقلية ثقافية.

يكون الدخول العملي إلى هذه الرؤية عبر رفض الاعتراف بأية دولة لليهود ورفض الاعتراف بأي كيان يسمي نفسه «إسرائيل» بما يسمى «هوية إسرائيلية» ورفض التطبيع معها ووجوب مقاطعتها كمقدمات لتحرير فلسطين ومن ثم العودة.

تتم العودة إذن ويتم معها: تصفية المؤسسة النووية الصهيونية وتفكيك الجيش العدواني الصهيوني وتأميم الصناعات المتقدمة، واستعادة أرض وممتلكات الفلسطينيين. ويتم هذا في إطار دولة عربية اشتراكية.

نسمي هذه رؤية لأن أوانها ليس اليوم بلا شك، هذه الرؤية تتناقض وتدحض ذلك التسابق بين حزب التجمع/بشارة والحزب الشيوعي على دولة أو دولتين. وتكشف الموقف المشين لكليهما من ما يسمونه «حق تقرير المصير» لليهود في فلسطين على أرض غيرهم، وهذا «الحق» الممنوح بشكل دوني من هذين الطرفين هو متناقض تماماً مع الأعراف الدولية بأن تقرير مصير أي تجمع بشري هو على أرضه. هذا ما قاله لينين بسخرية للبوند يهود الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي قبل تحوله إلى الحزب الشيوعي .

إن هذا الاستقواء بالضعف والتكارم بما ليس من حق هؤلاء هو إعلان عن استدخال الهزيمة، ولكن بمكابرة بدل أحد الخيارين الأخلاقيين:

إما النضال المتواصل والجذري أو الانزواء وفتح الطريق لمن هو أفضل.

إذا ارتكزنا على المفهوم الدولي لحق تقرير المصير، المرتكز على الأرض، تصبح تزلُّفات هذين الحزبين لليهود بأن للمجموع اليهودي ثقافة وهوية ولغة…الخ بلا معنى. وهي من فائض الاستسلام.

أقتطف هنا من مقالة نفاع التالي:

يوم الثلاثاء 31/ 12/ 2002 الساعة العاشرة صباحاً انعقدت لجنة الانتخابات المركزية.قال بشارة: «من يعرفني يعلم أني لم آت إلى هنا فجأة. أنا معروف من الجامعة منذ كنت طالباً وناضلت من أجل آرائي في السبعينيات والثمانينيات، وناضلت ضد قصة «من النهر إلى البحر»، كنت التيار الذي مثله الطلاب العرب، وحتى منذ السبعينيات تخلصت من قصة من النهر إلى البحر. مثلت الخط القائل بدولتين وناضلت لأجل هذا الخط». وهو يشير إلى حركة «أبناء البلد» في هذا السياق بالقول: «الأشخاص الذين جاءوا إلينا إلى التجمع ، أبناء البلد، تحرروا أيضاً من هذه الفكرة واندمجوا. لقد فكروا بأن هذه الفكرة فشلت ولم ولا يمكنها أن تتحقق، ويرون أن هناك غالبية يهودية يجب العيش معها في دولة خاصة بها، في دولتين».

لتوضيح مسألة دولة جميع مواطنيها التي سُئل عنها في جلسة لجنة الانتخابات المركزية أوضح بشارة: «نحن نقول إن دولة إسرائيل هي دولة ذات غالبية يهودية، تعبر عن حقها في تقرير المصير. أنا أقول هذا وأكتب هذا. نحن نقول إن دولة إسرائيل يجب أن تكون دولة جميع مواطنيها. ولا ندعو في برنامجنا الانتخابي لشيء آخر». ويتابع في مرافعته نفسها: «برنامجنا السياسي، أي مقترحنا، ما أقترحته في نشاطي البرلماني والسياسي وفي كل مكان، هو حل الدولتين». ثم يؤكد هذا مذكراً بأنه أرسل رسالة إلى رئيس الكنيست والنواب الـ120 «وفيها أعترِف بحق تقرير المصير لليهود»، كما قال.

لا حاجة لشرح هذا المقتطف الطويل، فالحزبان مع دويلة في الضفة والقطاع ومع دولة في المحتل 1948 لكل مواطنيها. لا فارق حقاً. ولست بصدد تشريح بأنها لا يمكن أن تكون لكل «مواطنيها» كدولة استيطانية عنصرية. بل يهمني الإشارة إلى أن الفارق بين حزب بشارة وحزب إميل حبيبي، أن بشارة امتطى القومية العربية كي يكسب الجمهور الفلسطيني وتمكن هو ومن لحق به من التلاعب باللغة كي يبدو مختلفاً عن الحزب الشيوعي.

عزمي بشارة، «القومي العربي» يهزأ بشعار من النهر إلى البحر الذي تطرحه حركة أبناء البلد، ويفتخر بأنه غسل أدمغة عناصر أبناء البلد الذين التحقوا بحزبه، والمفارقة أنهم التحقوا به كحزب «قومي»! ولا شك بأن هذا نجاح يسجل له! كما يسجل للكثير من اليسار الفلسطيني الذي زفَّ أبناء البلد لهذا الاغتصاب الوعيوي والانتمائي.

على هذه الأرضية وعلى رحيله إلى قطر، وعلى الغزوات التي يقوم بها ضد شعار «من النهر إلى البحر» وضد القومية العربية، وآخرها غزوة إصدار جريدة «العربي الجديد» في لندن نتبين من هو هذا العربي الجديد. إنه عربي صهيوني بلا مواربة.

إن المضمون الحقيقي لمقالة نفاع هي: لماذا لا يتحد الحزبان في حزب واحد حيث لا اختلاف بينهما لا في مسألة دولة لكل مواطنيها ولا في مسألة دولة في الضفة والقطاع؟

لو كان لي أن أضع عنواناً لمقالة السيد نفاع لقلت بأن المقالة تطالب بتحلُّل حزب بشارة إلى عوامله الأولية، أي أن يغادر الحزب إلى الجبهة الديمقرطية للسلام والمساواة/الحزب الشيوعي كل من يقبل بدولة لكل مواطنيها وبدويلة في الضفة والقطاع، وأن يعودوا إلى وعيهم من فقدوا شعار : «من النهر إلى البحر» أي إلى أبناء البلد.

حاشية: شعرت باستغراب كيف تنشر جريدة «الأخبار» أطروحات لا قومية كهذه، تتخلى عن حق العودة وتؤكد «حق» اليهود في أرض شعب عربي، من دون أن تشير ولو بسطر واحد بأنها تنشر كل هذا فقط ليعرف القارئ العربي عن هذه الأطروحات، ولكنها، أي الجريدة ضد كل هذا. وأعتقد من جانبي أن من حق الجريدة نشر كل شيىء، ولكن لا يكفي الزعم بأن كل ما يُكتب يعبر عن رأي/س كاتبه، ذلك لأن الحق التاريخي لشعبنا في وطنه ليس وجهة نظر.

يذكرني هذا التغاضي من «الأخبار» بما تفعله صحافة أوسلو-ستان حيث تنشر صفحات لآراء صهاينة كما هي، أي توفر صفحات «محررة» للفكر الصهيوني!

قد نتفهم أن العرب الشرفاء استقبلوا عزمي بشارة لسنوات إلى أن أعلن دوره الخائن لسوريا، وقد نقول بأنهم إما جهلوا به كما حصل للسيد محمد حسنين هيكل حيث أخذه إلى الرئيس حافظ الأسد، أو استخدموه. ولكن هل تحتاج «الأخبار» لوقت إضافي حتى تتنبه له؟