سؤال حامض بطعم حنظلة

عادل سمارة

  • ·       في الذكرى الثامنة والعشرين لاغتيال ناجي العلي

أيها الحي والقديس والمثقف المشتبك حتى الشهادة. كيف لا؟  ألست انت الذي كتب عن حنظلة

” هذا المخلوق الذي ابتدعته  لن ينتهي من بعدي بالتأكيد وربما لا ابالغ إذا قلت بأنني قد استتمر به بعد موتي”.

يل للهول،  ما أمَّر الذكرى وما أشد ما تستدعيه من وجع. عبارتك هذه كُتبت وطُبع البوستر في الكويت. يا لهف فلسطين عليك؟ الكويت التي قررت طردك كي تُقتل في لندن، كما لو كُنت تُسيَّر بالرموت كونترول إلى حيث تلقى ما لقيت. والكويت التي سال من رحمها آلاف الإرهابيين الذين أُعيد تصنيعهم في أمريكا ليذبحوا سوريا. أحدهم يتفاخر بأنه جند الفين كدفعة أولى من 12 ألف إرهابي وحاكم الكويت بعد حديثه بأيام يصلي في المسجد الذي قتل فيه الإرهابي السعودي عشرات الأبرياء.

لم أتوقع أن أكتب في الذكرى الثامنة والعشرين على اغتيالك يا  ناجي العلي، اغتيالك  برصاص التطبيع ومال النفط وإيديولوجيا الصهيونية والقطرية ودويلة معلقة في هواء فاسد، فأي تعاون هو الأخطر وهو مبكر بالطبع.

انتظرت اليوم الأربعاء 22 تموز  2015 حتى الخامسة عصراً كي يتطابق الوقت واللحظة مع اللحظة نفسها يوم الأربعاء 22 تموز 1987 حين اتصلت بي ليال ابنة ناجي العلي الكبرى وقال: ” عمو قتلوا أبي”.

وحصل ما كنت اوقعه بل ما كان هو على الأكيد منه.

كان آخر حديثنا يوم الإثنين20 تموز 1987 حيث ذهبت إلى منزل الأسرة في ضاحية ويمبلدون من لندن، لأخذ ابني يزن إلى المدرسة.

الجميع نيام سوى ناجي.

اخذني بهدوء إلى المطبخ وأعدّ قهوة مرة وخلال احتساء القهوة قال:

عادل، هذه المرَّة سيقتلونني. إتصل بي فلان وقال لي إما أن تمدح أو ستُقتل.

 وفعلا قُتل ناجي العلي. وكما علمت فإن القاتل المباشر لا يزال حياً.

كيف لا وهو ليس سوى أداة لفريق من الأنظمة والقيادات المخططة والمستفيدة بما فيها الكيان الصهيوني.

ربما يسمعني الآن ناجي العلي، فيبتسم ويقول: ” يا راجل اسمعك صدقني”.  لست محظوظا بأن لا تزال حياً أوشبه حي، وقد صار لا مكان لنا في أرضنا.

هو يعرف إذن أن المذبحة قائمة على بوابات بطول وعرض الوطن العربي. الوطن باسره قيد الاغتيال كما أنت.

لماذا فتحت الباب إذن؟ ألم يكن يوسعك صدهم؟ بل لم يكن بوسعنا صدهم حينها.

ما أكثر قاتليك! بل إن أكثرهم “براءة – حد البهيمة” هو  من أطلق الرصاصة عليك.  هم شعراء ومثقفون وساسة ورأسماليون …. هل تعلم كيف مات أحدهم؟ حسب تشخيص أطباء غربيين بأنه مات لكثرة ما في تجاويف قلبه من شظايا زجاجات الويسكي التي كان لثمنها أن يعيد بناء مخيم نهر البارد الذي ذبحه إرهابيو فتح الإسلام، او مخيم اليرموك الذي تذبحه داعش ومنها فلسطينيون، أو عدة قرى سريانية وأزيدية في سوريا والعراق، فما بالك بصنعاء وعدن؟ وبعضهم قتله شركاؤه كما المافيا.

وهكذا/ ما أن تمكنوا منك حتى صار الوطن بأسره مكثَّفاً في تجربتك من حيث الاغتيال البشري واغتيال اللغة. لك أن تعرف أن اللغة مستباحة كما الشهداء. كيف لا، وقد صار الوصف الطيب لباسا أو كفنا للعملاء. المطبعون شهداء، وأعضاء الكنيست من الفلسطينيين يُرفعون بدل الخازوق ليُزعم أنهم مشاريع “شهادة” يا للبغيِّ حين لا يخجل!

لو كان لي أن أرفض حروف العربية وأنا أكتب عن ناجي لفعلت.

هذه اللغة عشيقتي الأولى والأخيرة، لكنها على جمالها ، وربما بسبب جمالها هي …خائنة.

هي خائنة لأن حروفها تمارس الخيانة، فبها تُكتب أسطر لا إحصاء لعديدها مدحا للتطبيع، وتفخيماً لأنظمة في أفضل حالاتها خائنة، ولمثقفين يروجون “لعظمة” الكيان الصهيوني الإشكنازي.

اللغة المغتصبة هذه تحولت إلى حروف بلا معنى وبلا محمول.

ولكن، لا بد من تحرير اللغة تماما كما هو تحرير الوطن، بل كما هو تحرير الطبقات الشعبية العربية من وباء التطبيع والطائفية والقطرية والمذهبية.

لست ممن ينسبون لناجي العلي نبوة ما. ولكن من ينظر إلى أعماله يجد كل هذا.

مساء الخير ناجي: ربما لم أخبرك أن مخابرات العدو البريطاني الذي شارك في دفن اغتيالك كتبت إلى أم خالد (وداد نصر):”استعرضنا أل 40 ألف لوحة…لم نجد ما يبرر الاغتيال”

هذا ما كتبته شرطة دولة لم يمر مثيل لها في ذبح التاريخ سوى رضيعتها الولايات المتحدة. ولما قررتا أخذ غفوة عن الأمم جندتا انظمة وقوى الدين السياسي لتقتل حتى تُقتل.

  إن نفس بريطانيا التي استقبلت وشاركت في تغطية اغتيالك هي التي تحوي الكثير من أوغاد المرحلة ، صحفا وصحفيين، ومثقفين…الخ وهي نفسها التي رعت ولا تزال من اغتالوا في الوطن العربي كل من الوعي والبشر والحجر واقتربوا من اغتيال التاريخ.

في بريطانيا كانت ولا تزال حضانة الطابور السادس الثقافي الذي مهد لقتلك وامتدح قاتليك وقبض منهم. لقد كان ريع النفط القطري والسعودي والكويتي في الذراع التي اغتالتك. وها هي اليوم تغتال سوريا.

قد يكون هذا الكلام قصيدا، لكنه أعمق، وقد يكون بيراع لكنه يحز حز السيف.  لقد أعددت أنا القهوة الآن، مرة كما سقيتني، لكنني أحتسيها وحدي.

مع كل التحية إلى أم خالد وخالد وليال وجودي وأسامة، فهم وطنك الصغير.