تصورات حول ” مفاوضات ” جنيف

أحمد حسين

ألمفاوضات قد تكون لتثبيت خلاف قائم بين طرفين، على حدوده المعلنة، ومنعه من الإنزلاق خارجها لتأجيل المواجهة العنيفة من جانب الطرفين أو أحدهما. وقد تكون المفاوضات أيضا من أجل إغلاق ملف الخلافات القائمة، وسحبه نهائيا من التداول لانعكاساته السلبية على الطرفين، ولإتاحة الفرصة أمام التوافق المصلحي وانعكاساته الإيجابية على التعاون المجدي اقتصاديا وسياسيا لهما. وحادثة التحرر الإيراني من نظام الشاه، لم تتم بمعزل عن التحريض الأمريكي، ولعلها كانت ربيعا إيرانيا، تلقفته الأيدي الوطنية المتربصة بالتحرر الحقيقي في إيران، واستطاعت تخليصه من بين أيدي السافاك وتحويله إلي ثورة شعبية علمانية برعاية إسلامية ثورية. وكان هذا ممكنا بل ومستدعى موضوعيا لتلازم الثورة مع الدين مذهبيا في إيران. وكانت التجربة مذهلة شكلا ومضمونا على المستوي التعبوي الثوري والوعي المذهبي الحداثي الذي شكل رافعة قوية للقيادة الدينية والشعبية الإيرانية اللتان لم يكن بينهما أية مسافة إيديولوجية إشكالية.

 كانت القاعدة الإسرائيلية قبيل الثورة الإيرانية في عصر تمظهرها الصهيومريكي العسكري الذهبي. وكان الشرق الأوسط الجديد الإسرائيلى وراء النافذة، والقطيع الهجري في لامكانه الوجودي غارقا في سوائل النعيم البورنوغرافي وأبخرة شبق التيوس المعطرة . في ذاك الوقت لم يكن هناك ما يحول بين إسرائيل وإقطاعيتها الشرق أوسطية الموشكة، سوى عقبة الشاهنشاه رضا بهلوي، الذي عاني من فوائض الكبرياء الكسروية المووثة، التي نمتها لديه أمريكا ليرعب بها ممالك الإبل. لم يعد هناك بأمريكا حاجة لإمبراطورية بضخامة إيران لحماية مشروعها ومصالحها الشرق أوسطية ، مع وجود الحامية الصهيومريكية الحميمة – إسرائيل. بل أنها كانت على ثقة من أن إيران الشاهنشاهية، ستظهر بعض الترفع أمام الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، لحجمها وتميزها الجيوسياسي على إسرئيل. لذلك قامت بتصدير أول ربيع شرق أوسطي إلى إيران لاستبدال بزة النظام الأمبراطوري العميل ببزة أقرب إلى الزي الخليجي . وكانت نسبة التوهم عالية جدا لدي أمريكا حين أعتقدت بخسة التعالي التي رافقتها بالنسبة لكل شعوب العالم والتي تجاوزت التعالي إلى الإحتقار والإستهتار بالنسبة للشعوب الهجرية، أن الشعب الإيراني مؤهل لتبني وضعية خليجية للسقوط، بحيث أسفر مخططها السهل كما اعتقدت عن أكبرفشل استراتيجي معاصر للسوبرمان الأمريكي الأزعر في إيران.

لم يطل الوقت كثيرا بأمريكا لتعرف أنها أمام نظام شرق أوسطي جديد في إيران يعرف أن معاداة أمريكا أقل ضررا بكثير من صداقتها. لم يسْعَ هذا النظام إلى معاداة أمريكا، ولكنه أنتهج طريقا واضحة في التقرب سياسيا من أية دولة أخري في العالم تريد ذلك، وبدون أية شروط عدا الندية البناءة في الجانبين. ولكنه لم يحاول أن يفعل ذلك مع أمريكا. كان على ثقة أن أمريكا هي دولة النفي التلقائي للآخر، لأنها تعتقد أن الإستقرار العالمي لا يمكن أن يتحقق إلا بالحد الأعلى من هيمنة الإستبداد الخلاق للنخبة الصهيومريكية.

إذن فالعداء كان سببه من ناحية أمريكا، أنه ليس من حق النظام الإيراني الجديد نزع ملكية أمريكا لإيران من جانب واحد. أما الإيرانيون فأعلنوا بثقة تامة أن أمريكا هي شيطان العالم ودولة الشر العالمي. ولم يكن في هذا الإعلان شىء من التكهن أو الكهانة. ما صنعوه في الحرب الثانية من إعطائهم الفرصة للنازية للإجهاز على دول ” الحلفاء ” الأوروبيين تدميرا وقتلا، وأفتتاحهم للجحيم الذري في هيروشيما ونغازاكي استعراضيا فقط، كان بمثابة استحقاق معرفي للتسمية التي ازداد رسوخها في الصدق والموضوعية فيما تلا ذلك من أعمال المسح التدميري والإبادة في العالم العربي والإسلامي. لقد كان النظام الإيراني الجديد، هومفاجأة الوعي الوحيدة المكافئة لشرية للصهيومريكية، في عالم عجوز، دوخته لعبة المصالح المترنحة في أنظمة الإستبداد القديمة. لم تستطع ” إمبراتوريات ” أوروبا ذات المليشيات الإستعمارية المسلحة بالقوارب المتوسطة والبنادق نصف الآلية والمارشات الموسيقية، ومخازن السلع، أن تستوعب ” أدبيات ” نظرية ” الصدي ” السوريالية للإقتصاد الشبحي الحديث، لذلك ظلت أسيرة للإقتصاد المشخص، وتحولت إلى كومبرودوريات وقماقم شبه استهلاكية كادحة واقتراضية على هامش الأكاديميات الكهنوتية للإقتصاد الرمزي المعولم الذي يصب في دوائر النهب الصهيومريكي المنظم لدول وشعوب العالم، بكيفيةٍ متفق عليها. وتأكد للصهيومريكية أنها أمام ظاهرة نشوء اقتصادي واجتماعي وسياسي مختلفة حتى التحدي،عما اعتادته وفكرت فيه ككيان استبدادي مركزي أممي. لم تر أمامها نظاما انقلابيا أو احتجاجيا يريد التملص من ارتفاع الإتاوة في منطقة اعتادت اعتبارها إرثا استبداديا غربيا مسلما به، بل نظاما ثوريا مبنيا عل الرفض القاطع لتميز الآخر، ويحرم عليه التدخل في شؤونه الداخلية بحزم لا متناه في الرفض. كانت الثورة وحرية الفعل الوطني ثقافة العفوية الرسمية والشعبية لدي الإيرانيين. لا نقاش مع أحد حول ندية العلاقة في كل شؤونها ومستويات ووضوحها وخاصة الصهيومريكية التي انتخبت نفسها سيدا للعالم. كان التحدي محدودا في ندية المواجهة، ولكنه كان قاطعا وحاسما ومفصليا ومدججا بالعقول والأيدي الثورية المبدعة، التي لم تبدأ من الصفر التعبوي. كان الفعل والإنجاز سابقا دائما للكلام. وكان ملايين من الإيرانيين مدربين ومسلحين لخوض المواجهة في أقصى حدودها.

ويبدو أن الصهيومريكية تذكرت أن محاربة الشعوب مواجهة، أثبتت عواقبها الوخيمة في اكثر من تجربة معروفة، وأن الساحة الدولية ليست خالية بعد تماما من دول التأثير النسبي المناهضة لما يهدد أمنها المحاذي واستقرارها الداخلي فلعبت بحذر شديد حرصا على أمن قواعدها ومصالحها في المنطقة، وناصبت إيران العداء الإيجابي بكل الوسائل عدا الأشتباك العسكري المباشر.

أما أكذوبة خطورة المشروع االنووي الإيراني على استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، فهي صحيحة بمدي ما تعني أن مدى التسلط الإسرائيلي التنكيلي على شعوب المنطقة وضبط بل رسم حركتها، هو الضمانة الوحيدة للإستقرار في الشرق الأوسط. ولكن هذه النظرية الصهيومريكية المسرفة في العنجهية وابتذال وجود الآخر، كانت كما يبدو من أهم العوامل التي بلورت الوعي الثوري المتمكن الذي ميز المشروع النهضوي الإيراني. لقد أدرك هذا الوعي الخالي من الرعونة وتسلق الإنفعالات أن الصهيومريكية لا يهمها تطور مشروع إيران النووي السلمي لأنها تعرف أنه مشروع نهضوي خالص، وهو أقل خطرا على أمنها وأمن إسرائيل بالمفهوم الإستراتيجي، من أي مشروع صناعي تنموي إيراني يستند إلى التقنية النووية. وأن هاجس ” القنبلة الإسلامية ” ليس تطلعا إيرانيا وطنيا يشكل إلحاحا موضوعيا للحاجة في الصراع الشرق أوسطي، وذلك لأنه لا يشكل ثقلا نوعيا لا يمكن تعويضه في مواجهة العمق الإسرائيلي، وإنما كان هاجسا إسلاميا استراتيجيا للثورة الإيرانية ، في مواجهة التهور الصهيومريكي في صد مجمل الطموح النهضوي الموحد للعالم الإسلامي لتشكيل فضاء إسلامي حر ومؤثر في الحلبة الدولية بما يناسب ثقله اللوجستي الكمي والنوعي المادي والمعنوي. وتنفيذ مشروع كهذا يحتاج واقعا سياسيا إسلاميا مسبقا غير متيسر حاليا. قد يبلغ التقدم التقني النووي الإيراني كل المكافئات النظرية والتطبيقية لهذا المشروع، ولكن الصهيومريكية تعرف أن ذلك لن يحدث على الأراضي الإيرانية. وأنه مظلة فقط لملاحقة إيران بكل وسائل الضغط الممكنة، وبدعم إملائي من الشرعية الدولية في مجلس الأمن.

لم تكن المرحلة هي مرحلة الحسم المناسبة بالنسبة للصهيومريكية، سواء دوليا أو ذاتيا أو إيرانيا. لم يفدها اللعب بورقة الأرهاب مع أي من دول المقاومة، سواء دول التأسيس ممثلة في إيران وسوريا وحزب الله، أو مع دول الصد الدولي بقيادة روسيا ومن معها. ولم تعد الطريق ممهدة للحسم الإستقوائي التجاوزي الذي لا يمكن التفكير بغيره لتحقيق مشروع متقحم لكل المسلمات الإنسانية، بحجم مشروعها. وفي نفس الوقت لا يمكن التفكير في التراجع لأنه لا يعني أقل من الهزيمة المصيرية، التي ستؤدي بنموذجها المستقوي إلى التفكك التدريجي والتهاوي المحتم. الخيار هو الآن بين الإنتصار الميداني أو السقوط الشامل. ولا يمكن لعقل مثخن بالنجاحات القريبة وأحلام القوة المطلقة واستبدال التاريخ والنظام الكوني لمصلحته، أن يتردد في خياره الأخير ويختار السقوط السهل، بعد أن لم يعد لديه ما يخسره، ولديه ما يمكن أن يربحه في مخاطرة مجنونة لا عواقب محسوبة لها.

لم يكن في مفاوضات الملف النووي أية مفاوضات نووية. والمتفاوضون كانوا يعرفون أن التفاوض يجري على تأجيل المواجهة الحاسمة كل لأسبابه . والبنود التي كانت تحرك الطرفين لقبول لعبة التغاوض هي من جانب الصهيومريكية كسب الوقت لتمرير مواقف توابعها الأطلسيين على شعوبهم , وتعديل المرحلة لوجستيا لصالح الحسم ، ومن جانب 1+1، الأمل في تجنب المواجهة الشاملة وإعطاء الفرصة للإتفاق على حل سلمي ” عادل ” في مناطق الصراع. وهو أمر شبه مستحيل عمليا بالنسبة للمقارمة لأنها ستخسر مواقعها التحررية المتقدمة لمصلحة التربص الصهيومريكي ومشروعه الإلغائي. وستعترف له ضمنا بحق التدخل في شؤونها. وإيران بالذات ستكون أبعد من المستحيل في قبول أمر كهذا، كما أعتقد. فهي في قراءتي التشخيصية صاحبة المشروع التأسيسي النقيض في المرحلة لكل أشكال التدخل الغربي والصهيومريكي في شؤون الغير إطلاقا. لذلك أعترف انني واحد ممن لا يستطيعون المرور بالثورة الأيرانية مرور الكرام بوصفها، كما يعتقد البعض ظاهرة، تحرر وطني مكررة. إنها في وعيي أكثر من ذلك بكثير بدلالاتها السلوكية والفكرية التي يطلقها قادتها. إن نكهتها المبدئية الحازمة في موقفها من الإستبداد الإجتماعي العالمي، تقترح على الوعي أننا أمام ثورة أممية إسلامية مكتملة الرؤية والهدف والتصميم للعب دور الثورة الإجتماية البديلة عما سبقها من محاولات لم تستطع تحقيق التحرر من الإستبداد الإمبريالي العالمي . وهي ثورة إسلامية بثقافة الإلتزام الثوري المذهبي والتاريخي دون أن تكون ثورة دينية غيبية منغلقة أمام وعي التجربة. ثورة مكتملة مبدئيا بعقل علماني يرى أن العقل والإيمان لهما باب واحد كما تُقرر مئات النصوص والإشارات القرآنية بعفوية القطع والتسليم. حكمة الخلق هي علم التجربة الذي وضعه الخالق في فطرة الكائن الحي. والإنسان المؤمن دارس بالعقل لدلالات علم التجربة الذي هو قانون الخلق وليس قانون القدرة. فقدرة الله لا حدود لها. والخلق قدرة غايتها الإنسان عينا. لذلك علمه بالتجربة ما لم يعلَم. فالتجربة وحي للعقل الذي هو عدة البشر عموما. وخداع وعي متماسك كهذا عزيز على وعي المصلحة الأنوية المتحللة من مفهوم الخير والشر كوعي الصهيومريكية. لأن العقل الجمعي هو بطبيعته عقل الخير لا يرى ولا يعرف بالسليقة والفطرة المخلوقة سوى المصلحة الجمعية التي هي خير البشر جميعا. والعقل الجمعي هو العقل المبدع الذي لا يمكن أن يتغلب عليه، بمنطق التجربة، مكر الشر الذي هو عقل الأنا. لذاك لم تستطع الصهيومريكية المبتذلة الوعي،أن تخدع الوعي الجمعي الإيراني. فإيران لم تتهاون حتى في مبدأ أن المفاوضات هي حاجة أمريكية جاءت إليها بدوافع بعيدة عن الصدق والنزاهة. فبعد أن أوغلت أمريكا وقططها في التظاهر بأنها تقدم منة ًلإيران بالتفاوض معها من أجل سلام المنطقة ولكن…. بشروط، قالت لهم إيران بصريح العبارة : أتينا لنأخذ الحق منكم بدون عنف، ونساعدكم على التراجع عنه. تورطكم مع أنفسكم ونواياكم السيئة لا تهمنا حاليا. وعلاقاتكم مع رعاياكم الأوروبيين من الدرجة الثانية لن تهمنا أبدا. أتيتم تحت مظلة كذبتكم النووية لترفعوا العقوبات عن رعاياكم الأوروبيين قبل أن يقوموا بخرقها، أي خرقكم. فتعالوا لنرفعها عنا وعنهم وعنكم بصمت، يواري سوءاتكم المكشوفة، بغض النظر عنها فقط. هذا أقصى ما لدينا. فإذا كان لكم شروط خارج الكذبة النووية فضعوها….. على الرف. نحن لا نساوم على مبادئنا الثورية وحقنا الكامل في الحرية، كما تعلمون، لأنها تخص الإنساني. وخط المقاومة خط أحمر، وكل ما يتجاوز أكذوبتكم التفاوضية النووية خط أحمر، وتدخلكم في شؤوننا خط أحمر. إذا هددتم بوقف المفاضات سنوقفها نحن. فتعالوا وقعوا أو انفضوا !