قراءة في كتاب «تحت خط 48 ـ عزمي بشارة وتخريب دور «النخبة الثقافية» للدكتور عادل سماره


الجزء الثاني والأخير

عزمي بشارة: الماركسي… القومي العربي… والمطبّع

في القسم الثاني والأخير من قراءة كتاب الدكتور عادل سماره نعرض ما أشار إليه المؤلف حول قضية التطبيع التي كانت الهدف الأخير لكل عناوين الكتاب، إضافةً إلى الدور الذي أدّاه عزمي بشارة باعتباره عضواً في الكنيست.

ولقد أشرنا في السياق إلى الدعم الذي تلقاه بشارة من مؤسسات دولية لتمويل مؤسساته أو تلك التي يشرف عليها.

ومن المهم بمكان إبراز كيفية أن يكون التطبيع مدخلاً لاستدخال الهزيمة إلى الجسم الفلسطيني واستطراداً القومي. وعبر وسائل متعددة منها الهيئات التي تشدد على استقلاليتها عن حركات المقاومة كالهيئة الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة، كما أننا نعرض أن عملية أوسلو عام 1993 كانت بمثابة إشارة البدء للتحرك من قبل بشارة عبر الإقلاع عن آليات حزب ركاح الشيوعي إلى آليات القومية العربية في مشروع التطبيع الذي أنيط به.

ولماذا قطر؟ قطر إحدى عواصم الرأسمال المعولم والمنوط بها الدفع باتجاه التطبيع مالاً وإعلاماً. ومن حيث هي كذلك، كانت المكان الطبيعي الذي يأوي إليه عزمي بشارة بعد خروجه المبرمج مع اليهود من فلسطين المحتلة، تستقبله ممثلاً للموساد بقناع القومية العربية.

إعداد: د. نسيب بو ضرغم

لقد وضعنا بند التطبيع رابعاً في عملية عرض الكتاب، إلا أنه من الوجهة الموضوعية، فإن التطبيع هو الهدف النهائي لكل العناوين والبنود الستة التي جعلنا منها تصميماً عاماً لعرض الكتاب، بحيث أنه لا يتخلى الفلسطيني مثلاً عن انتمائه القومي إلا بعبوره الحتمي في معبر التطبيع. وما ينطبق على ذلك ينطبق أيضاً على غاية اليسار الصهيوني . إذ ليست غايته القصوى إلا دمج الفلسطينيين في الدولة الصهيونية بعيداً عن امتلاك الأرض قومياً. ولأجل تحقيق ذلك كان العمل لإنتاج الصهيونية العربية، كأفضل وسيلة لتعميم التطبيع خارج الكيان الصهيوني. ولا يخرج دور عضوية الكنيست من ذلك، فهي آلية Mechanisms من الآليات الآيلة إلى التطبيع، ولسوف نقف عند دور عضوية الكنيست في هذه الجريمة القومية.

لقد شكّلت عضوية عزمي بشارة في «الكنيست الإسرائيلي» محطة أساسية في سياق دوره المرسوم، أو الدور الذي قاده إليه تفكيره اليساري في حزب «راكاح». بدأ بشارة حياته عضواً في حزب «راكاح الإسرائيلي الشيوعي»، وعند حد الانتماء إلى هذا الحزب، كان حد الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني القائمة على أنقاض شرعية قومية عمرها ثمانية آلاف عام.

لقد أسقط عزمي بشارة باعترافه هذا مسألة وجودية الوطنية الفلسطينية، بحيث اختزل الصراع من صراع قومي على الأرض، إلى صراع تحت سقف الشرعية«الإسرائيلية» على مجرد حقوق مدنية «لأقلية قومية». إن رفعَه شعار «دولة لكل مواطنيها» يعني التالي:

أولاً: أن لا خلاف على «الدولة الإسرائيلية».

ثانياً: إن كل سكان هذه الدولة «إسرائيليون»، بما فيهم الفلسطينيون.

ثالثاً: الخلاف هو أن تكون هذه «الدولة الإسرائيلية» لكل سكان «إسرائيل».

إن اكتساب عضوية الكنيست من قبل عزمي بشارة ما كان إلا لجعل هذا الشعار شعاراً يُعمَل على تعميمه فلسطينياً، وبالتالي تُسقِط عضوية الكنيست الحق القومي الدهري في فلسطين، وتتقزّم القضية إلى الحقوق المدنية للأقلية العربية. وإلا ما معنى أن يقسم عضو الكنيست يمين الولاء «للدولة اليهودية»، وإنْ وضع في مكتبه في الكنيست، وبالاتفاق مع «الإسرائيليين» صورة الرئيس جمال عبد الناصر، ذلك أن وضع الصورة في الكنيست توحي للسُذج من العرب أن بطلاً قومياً عربياً ولد في كنيست «إسرائيل»، وهذا ما يجعله يحمل جواز مرور إلى الأوساط الثقافية والسياسية والنضالية على مدى العالم العربي، ويا للأسف. وهو الذي لم يَخُن يوماً هذا القسم، فهاكم ما يقول في تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» 02/07/2000 ، كتبه كل من أورون مئيري، حاييم شيفي وميخال غولبيرغ: « قال عزمي بشارة، أثناء التحقيق معه، إنه لم يعترف بأي مخالفة أو تهمة، وادعى بأن لقاءاته مع زعيم حزب الله والجبهة الشعبية ورئيس سورية، كانت في إطار وظيفته كعضو كنيست، وليس لهدف المس بأمن دولة إسرائيل…». ورد في كتاب د. سماره ـ ص 92 .

إذن، فإن صفته كعضو كنيست، سهّلت له عملية الخروج والعودة من وإلى فلسطين المحتلة، وبالتالي، تُمعن الأجهزة «الإسرائيلية» خداعاً بأنها تخضع بشارة إلى التحقيق، في وقت يعترف موتشيه كاتساف رئيس «دولة إسرائيل» عبر النشرة الإخبارية «للتلفزيون الإسرائيلي» 15/06/2001 عبر تقرير صحافي أعده أمنون إيراموفيتش. يقول رئيس «دولة إسرائيل»: «إن بشارة يسافر إلى سورية بالاستناد إلى ترخيص رسمي». ومن غير الواضح بحسب إيراموفيتش ما المقصود بهذا التعبير سوى كون بشارة مبعوثاً. د. سماره ـ المرجع السابق ـ ص 95 .

إن عضوية الكنيست الصهيوني بدت، أو على الأقل جرى تبليغها للفلسطينيين على أنها خدمة لهم، وذلك بأن يكون لهم صوت داخل برلمان العدو يدافع عن مصالحهم. ويظهر بالتالي أولئك القابلين بعضوية الكنيست من الفلسطينيين أبطالاً وطنيين يكافحون ويواجهون اليهود داخل الكنيست. إلا أن حقيقة الأمر هي على عكس ذلك تماماً، فالقبول بالعضوية هو قبول بأن الكيان الصهيوني شرعي، وأن الأرض ملك لليهود وأن المرحلة التي سبقت عام 1948 كانت مرحلة احتلال فلسطيني لأرض يهودية. وبذلك تكون العضوية بطاقة عبودية يحملها العبد مسروراً ومندفعاً باتجاه الفلسطينيين والعرب كافة لاقتناعهم بعظمتها… أليس ذلك قمة التطبيع؟!

يقول د. عادل سماره في كتابه: «إذن انتقل بشارة إلى معسكر التطبيع عبر أخطر بواباته، عبر دخول الكنيست، وأقسم يمين الولاء للدولة اليهودية، وهذا جوهر الصهيونية، أي إقامة دولة يهودية في فلسطين. ومن هنا، فإن من يؤيد قيام هذه الدولة، حتى من دون عضوية الكنيست، هو صهيوني إيديولوجياً، هكذا أصبح بشارة صهيونياً برضى خاطر». ص 105 .

وحتى تكون مهمة بشارة التطبيعية ممكنة أكثر فقد تجنّدت مؤسسات دولية عدة لتمويل عدد من المؤسسات التي يشرف عليها، ومنها مؤسسة «المواطن» وهي إحدى أكبر وأغنى مؤسسات الأنجزة في الأراضي المحتلة، وهي ممولة من ألمانيا. وأيضاً مؤسسة «مدى الكرمل» في حيفا الممولة من مؤسسة «فورد» الأميركية… وهذا يؤكد مدى الخدمة التي يقدمها بشارة في صهيونيته إلى الكيان الصهيوني وإلى الصهيونية عموماً.

وقد اختصر بشارة كل أفق النضال الفلسطيني بأنه «… الأفق الوحيد لأي تحرر يحمله جيلنا والجيل القادم، هو أن يعيش السكان في فلسطين كلها مواطنين متساوي الحقوق في دولة واحدة». من ورقة لعزمي بشارة نشرتها جريدة «الحياة» ومجلة كنعان ـ العدد 59 ـ كانون الأول 1994 ص 28 ـ 33. ورد في مؤلف د. سماره ص 119 .

لنلاحظ التشديد على «دولة واحدة»، وهي بطبيعة الحال «دولة إسرائيلية، وهذا بَرَاً من عزمي بشارة بقسم ولائه للدولة اليهودية، ونتيجة منطقية لهذا القسم.

النقطة الخامسة: دور عضوية الكنيست في «استدخال الهزيمة»

يشكل «استدخال الهزيمة» في الإرادة الفلسطينية الشرط الأساسي لقيام التطبيع. فالتطبيع عملية إجرائية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية ومالية واجتماعية، ولكنها لا تتم إلا في المرحلة التي تلي استدخال الهزيمة ، هذا الاستدخال الذي يوجِد المناخ والأساس لعملية التطبيع المشار إليها.

لم تكن «أوسلو» سوى اتفاق ـ صك تنازل عن ثلثي فلسطين كإجراء مسبق سلفاً، قبل أن تضع الصهيونية دوامة المفاوضات على الثلث المتبقي. فالصهيونية التي كسبت ثلثي فلسطين اعترافاً، تعمل على كسب الثلث المتبقي قضماً وتسويفاً. وها هي قد أشرفت على التهام هذا الثلث تحت عنوان المفاوضات. ماذا يعني ذلك غير أن الهزيمة قد استوطنت الإرادة. والإرادة المهزومة الباحثة عن سراب دولة، خرجت إلى عالم مستسلمة، معترفة بأن لليهود الحق في فلسطين التاريخية.

هذه الوضعية كان لا بد من أن تتعزّز «إسرائيلياً»، بحيث أتى دور عضوية الكنيست كإثبات رسمي وقانوني يعرض أمام العالم، بأن الصراع لم يعد بين فلسطين و»إسرائيل»، بل أصبح حقوق أقلية داخل كنف «الدولة الإسرائيلية». وقد واكب ذلك قيام هيئات فلسطينية تشدد على استقلاليتها عن حركات المقاومة مثل «الهيئة الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة».

والمضحك والمفجع في آن، أن هذه الهيئة تشدد على أنها «خارج الصراعات الفلسطينية بالمعنى التنظيمي والفصائلي». لكأن الفصائل والتنظيمات الفلسطينية تتصارع على موضوع في كوكب الزهرة، وليس على موضوع مصيري هو الحق القومي في فلسطين المؤسسة عليه حركة الكفاح المسلح.

والمفجع أكثر في مشروع هذه الهيئة، تشديدها على الحقوق الثانية في وقت تقول بالحرف: «… وأنشئت الهيئة من قبل شخصيات سياسية تدعم المقاومة الفلسطينية، وترى هذه الشخصيات، أنه لا ضرورة لإقامة فصائل مسلحة جديدة، بل إنها تدعم المقاومة سياسياً، ولكنها لا تجد لها مكاناً في حركات مثل الجهاد الإسلامي وحركة المقاومة الإسلامية «حماس».

لنقف عند مصطلح «شخصيات سياسية» و»تدعم المقاومة» وما معنى أن لا حاجة لـ»منظمات مسلحة جديدة». هل أن المرحلة، أو المصراع القائم، يستلزم هيئات سياسية أو تكثيفاً في العمل النضالي المقاوم؟ وهل قيادات المنظمات المسلحة تفتقد إلى الرؤية السياسية، حتى تأتيها هذه الرؤية من خارجها؟! أليس خطاب هذه الهيئة مشابهاً لخطاب عضو الكنيست، حينما يجاهر بالقومية العربية ويضع صورة الرئيس جمال عبد الناصر في مكتبه، ويدّعي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، فيما هو من أقسم يمين الولاء «للدولة اليهودية». وهو الذي اعترف، بحسب تقرير صحيفة «يديعوت أحرونوت» الوارد في هذه الدراسة، بأن «… لقاءاته مع زعيم حزب الله والجبهة الشعبية ورئيس سورية، كانت في إطار وظيفته كعضو كنيست، وليس لهدف المس بأمن إسرائيل».

المطلع على أدبيات هذه الهيئة يتبيّن له هذا التداخل بين الشيء ونقيضه، كيف يُقدَّم الجيد ليستبطن السيئ على طريق عضو الكنيست عزمي بشارة. تقول الهيئة في بيانها: «تعهد البيان ببدء العمل في الأوساط الشعبية الفلسطينية، وداخل القوى الاجتماعية الفلسطينية، من أجل بلورة تيار سياسي شعبي فلسطيني مستقل، يتمسك بالحقوق الفلسطينية الثابتة. ويرفض نهج التفاوض الانهزامي الذي تمت ممارسته…».

أولاً: لماذا العمل على بلورة تيار سياسي مستقل. ألا يعني ذلك توزيع الطاقة الفلسطينية على تيارات، وبالتالي إضعافها وشلّها؟ وإن كان ذلك تحت عنوان «التمسك بالحقوق الفلسطينية الثابتة».

ثانياً: هل ثمة حق ثابت أهم من الحق بالتراب القومي؟ فإذا كانت الحقوق الثابتة التي تدعي الهيئة الدفاع عنها خارج هذا الحق فيعني أن حقوقها وهمية وهامشية.

ثالثاً: متى كان التفاوض مع الصهيونية غير انهزامي؟!

ولأن الدكتور عزمي بشارة هو أحد مؤسسي هذا التيار، فيعني الأمر أن سقف هذا التيار هو ما تسمح به عضوية الكنيست.

نرفض الصهيونية ونعتبرها «حركة عنصرية مرفوضة» وفي الوقت عينه نتحدث عن التفاوض معها. إنها «فلسفة المفكر العربي»، تنسحب على شرائح شعبية منها ما تمثله الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة!

النقطة السادسة: فتى الموساد

عزمي بشارة الذي بدأ حياته السياسية في الحزب الشيوعي «الإسرائيلي» راكاح حيث تكوّنت في ثقافته عناصر الصهينة، أي العناصر الفكرية التي تدعوه إلى الاعتراف بشرعية الكيان «الإسرائيلي»، إذ إن «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» ليس أكثر من مؤسسة سياسية «إسرائيلية»، وهي بالتالي تدين بالولاء «للدولة اليهودية». إن مجرد الانتماء لهذا الحزب يعني أن المنتمي إليه أصبح كمشروع صهيوني، يؤهله لأن يصير، مستقبلاً، أداة أكثر فاعلية في عملية التطبيع للعقل، وبالتالي للمواقف والانتماء.

بدأت عام 1994 تظهر في كتابات عزمي بشارة، كما يقول د. سماره، أعراض سرطان الصهينة، وتحديداً دخول الكنيست. وهو كان قد ترك الحزب الشيوعي«الإسرائيلي» في عام 1987. أما لماذا هذا التحول الظاهر نحو الصهينة، بعد استيطانها ردحاً من الزمن! وفي عام 1994؟ إننا نميل إلى الاعتقاد بأن اتفاقات أوسلو المشؤومة عام 1993 كانت الإشارة القاضية بنقل عزمي بشارة من وظيفته مُطَبِّع بآليات الحزب الشيوعي «الإسرائيلي» إلى مُطبّع بآليات القومية العربية. أي بتغيير قواعد العمل من نقل الفيروس الصهيوني العامل داخ فلسطين إلى أن يعمل داخل محيطها القومي العربي، أي تغيير الاتجاه. لمذا لم يجرِ هذا التحوّل نحو القومية العربية عام 1990 مثلاً؟! ألا يبدو أن ثمة معلّم ومايسترو واحد يدير لعبة الأدوات؟

إن المتتبّع لتقلبات عزمي بشارة العقائدية يدرك رؤية الصهيونية في موضوع تفكيك الجسم القومي، غايةً وآليات. لقد رأت الصهيونية أن الإدارة العقائدية الماركسية لم تعد كافية لأن تفعل فعلها في التطبيع وإخضاع العقل والإرادة عند مجموعنا القومي:

أولاً: لأن الشيوعية كانت قد سقطت قُبيل ثلاث سنوات، ولم تعد بنظر الشعوب إيديولوجية نهوض.

ثانياً: لأن الجسم المراد تطويعه الجسم العربي مُحصَّن ضد الشيوعية، وهي لم تستطع اختراقه على مدى سبعين سنة، وبالتالي، ليس من الحكمة أن تُقدّم الصهيونية عزمي بشارة «مفكراً» ماركسياً ليُطبّع العالم العربي، إذ لا بد من أن تتلبّس بشارة أفكاراً قادرة على اختراق الوجدان والفكر العربيَين. فاختار الدهاء اليهودي أن يكون بشارة قومياً عربياً ناصرياً، وأن يظهره كبطل يجاهر بقوميته العربية في قلب برلمان «إسرائيل»، وذلك زيادة في تلميع صورته كبطل من أجل تمرير سموم التطبيع التي يحملها. وهكذا استطاع الدهاء اليهودي أن يُذيب الطلاء الماركسي عن الدمية، وأن يعيد طليها من جديد بطلاء قومي عربي. وفي الوقت عينه تبقى الدمية دمية تلعب دورها على مقاعد الكنيست.

بعد أن طُبخ عزمي بشارة «قومياً عربياً» جرى تصديره إلى الجسم المستهدف، وقد أراد المخرج اليهودي أن تكون عملية التصدير ذات أبعاد بطولية نضالية لعزمي بشارة، فخرج وكأنه ثائر على الكيان اليهودي، ولكنه خرج إلى قطر! ولماذا قطر؟ هل لأن قطر هي مهد القومية العربية؟! ولأن «الناصرية» ترشد الدولة القطرية؟! لماذا قطر. أليس لأنها واحدة من محميات النظام العالمي المُعولَم الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية بشراكة صهيونية؟ لماذا قطر؟ أليس لأنها موطن «الجزيرة» التي أُعدّت لتكون إحدى الآليات الأساسية في غسل داغ العالم العربي حتى يصل إلى ما وصل إليه، وإلى ما سيصل إليه؟

مفكّر ماركسي سابقاً، قومي عربي حالياً، يناضل من قطر، جنباً إلى جنب مع يوسف القرضاوي؟! يا للمهزلة.

إلى قطر دُر، جاء الأمر اليهودي. من هناك تبدأ عملية التطبيع والتهجين، وهناك محيط الحماية. ذلك أن وجوده في مصر أو سورية أو العراق أو الجزائر يشكّل خطراً عليه ساعة اكتشافه، ساعة يسقط عنه رداء «الفيلسوف والمفكر» ويظهر على حقيقته الصهيونية. وقد تعلّم اليهود من تجربة كوهين في دمشق.

إلى قطر، «حضن القومية العربية الدافئ»، لأن من قطر ستقاد الحرب العالمية الإعلامية على سورية. إلى قطر، لأن إمارة الغاز أُمِرت من أسيادها أن تفتح خزائنها لشراء «المفكرين» وجعلهم أبواقاً في خدمة مشروع السيد الأكبر. وتؤسس مكاتب الدراسات وتستقبل الباحثين تحت عناوين كبيرة، فيما الغايات معروفة سلفاً، وهي ليست أكثر من تهجين يهودي للعقول.

سوف نقدّم مثلاً عن الوظيفة المنوطة يهودياً بهذا «المفكر»، والمثل هو موقفه من دول البريكس، بخاصة روسيا والصين، اللتين يعتبرهما دولتين إمبرياليتين. ليس من الضروري الرد عليه لدحض نظريته، فروسيا والصين كلتاهما تواجهان الإمبريالية الحقيقية المتمثلة بالتحالف الصهيو ـ أميركي والمتمظهر بالعولمة. العجيب في الأمر أنه يعتبر عضوية الكنيست الصهيوني أمراً نضالياً، على رغم ما يعني ذلك من تأييد لما يقوم به ذاك الكيان، بمجرّد القبول بعضوية برلمانه. أما روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا فهي بنظره دول إمبريالية. ألا يصب هذا الاتهام في خانة العداء لسورية وفي مصلحة الصهيونية؟!

فتى الموساد، عندما أُقرَّ أن يحط رحاله في قطر، كان مشغّلوه يعرفون بالتأكيد الدور المنتظر لهذه الإمارة المنتفخة، ذلك أنهم المشغّلون هم من رسم وخطط ووزع الأدوار.

لماذا قطر؟

لنطّلع على ما ورد في كتاب فرنسي تحت عنوان «Qatar les secrets du coffere-font» لمؤلفيه Georges Malbrunat, Chrestian Chernot. «حمد بن جاسم أغنى رجل في العالم».

يقول الكتاب: «إن أمير قطر صار يعتمد على ابنه أكثر فأكثر في إدارة الملفات الدبلوماسية المهمة، التي كانت في الأساس مهمة رئيس الوزراء. وخلال الحرب ضد نظام القذافي في ليبيا، كان الأمير تميم هو المسؤول عن الاتصالات بالقبائل الليبية … . وكان نجاح تميم في إدارة الملف الليبي سبباً في أن يعتمد عليه والده من جديد، في تعامل قطر مع الأزمة السورية. وهو الملف الذي أشعل الصراع بين حمد بن جاسم وعزمي بشارة، رجل تميم في الملف السوري…».

ثمة سؤال يطرح نفسه، وقد طرحه على نفسه د. عادل سماره في الصفحة 147 قائلاً: «سؤالنا هنا ليس في حمد، بل في عزمي بشارة، بمعنى البحث عن تفسير كيف كان لرجل عضو كنيست صهيوني أن يصل إلى موقع القدرة على مصارعة الشخص الثاني من «مالكي إمارة قطر». ما مصدر قوة بشارة؟ ليصل إلى هذه الدرجة في بضع سنوات وهو آتٍ من بعيد؟ هل قوة بشارة ناتجة من عبقريته الفكرية التي قدّرها له العقل القطري؟ وهل أن قوة بشارة مستمدة من علاقته الطيبة بالأمير تميم؟ ولماذا تكون علاقته طيبة بالأمير تميم، وكيف له كل هذا التأثير ليكون خصماً للرجل الثاني في الإمارة، حمد بن جاسم؟ وهل أن موضوع الخلاف المحدد بالملف السوري أمرٌ عارض لا أبعاد له؟ وكيف لـ«منفي» أن يلعب هذا الدور الحاسم في الإمارة الصغيرة؟! ومن أين له كل هذه المكانة عند «المعارضة السورية» وقد أشار المعارض د. هيثم منّاع عبر شاشة «المنار» إلى أن المعارضة قد طارت إلى قطر للقاء عزمي بشارة…». وماذا يعني ذلك غير أن لبشارة دوراً خطيراً يلعبه من قطر نيابة عن مشغّليه «الإسرائيليين». فمركز الأبحاث الذي أنشئ له موّل عدداً من النشاطات الثقافية، حيث أغدق على الكثيرين الذين هرولوا إلى قطر معتقدين أن غطاء «الأبحاث» يمكنه أن يستر تورطهم وتواطؤهم… د. عادل سماره ـ ص 148.

لنتصوّر أنه قد وُضع مبلغ مليار دولار تحت تصرّف عزمي بشارة للتخريب الثقافي، كم مركز أبحاث سوف يتمفصل عن ذلك وكم جامعة وكم جريدة، وكم صحافي وكم مثقف…». سماره 149. لنسمع ما يقوله فتى الموساد صبيحة يوم الثلاثاء 31/12/2002 حين انعقاد لجنة الانتخابات المركزية: «من يعرفني يعلم أنني لم آتِ إلى هنا فجأة. أنا معروف من الجامعة منذ كنت طالباً وناضلت من أجل آرائي في السبعينات والثمانينات، وناضلت ضد قصة «من النهر إلى البحر»، كنت التيار الذي مثّله الطلاب العرب، وحتى منذ السبعينات تخلصت من قصة «من النهر إلى البحر». مثّلت الخط القائل بدولتين وناضلت لأجل هذا الخط». سماره ـ ص 155. ويضيف فتى الموساد: «نحن نقول إن دولة إسرائيل هي دولة ذات غالبية يهودية، تعبّر عن حقها في تقرير المصير. أنا أقول هذا وأكتب هذا…». نحن نقول إن دولة إسرائيل يجب أن تكون دولة جميع مواطنيها، ولا ندعو في برنامجنا الانتخابي لشيء آخر». ويتابع مؤكداً أنه أرسل رسالة إلى رئيس الكنيست والنواب الـ 120، «وفيها اعترف بحق تقرير المصير لليهود». د. سماره ـ ص 156.

بلى، هذا هو «المفكر العربي» الذي احتضنه الكثيرون على مدى العالم العربي. لا يخجل، بل يجاهر بأنه مع حق تقرير المصير لليهود. أين يا فتى الموساد، تقرير مصيرهم على أرض فلسطين! وهل أصبح بنظرك شعار «من النهر إلى البحر» محلاً للسخرية؟!

لا شك في أن ظاهرة عزمي بشارة، لم تأتِ من فراغ، إنها الظاهرة المستولدة من رحم النكبة الثانية 1967 التي أوقفت البُعد الثوري في الخطاب العربي وجعلته ينتكس بل يتقهقر إلى نقاط خلفية. كان شعار التضامن العربي واحداً منها، وهو شعار فارغ لا أساس موضوعياً له. بل أكثر من ذلك، هو شعار خطورته في أنه يستطيع أن يغطي رجعية الأنظمة العربية التي تآمرت، ولا تزال، على فلسطين.

تضامن مع منْ، مع السعودية وملكها فيصل، هو من أرسل برسالة إلى الرئيس جونسون يدعوه فيها إلى ترك «إسرائيل» تقدم على ضرب مصر وسورية، وقد حصل ما أراد أن يكون.

تحالف مع دول ثرواتها تحت أمرة الولايات المتحدة الأميركية، يقوم على مساعدات مالية للدول العاجزة اقتصادياً، لا لإنهاضها من عجزها، بل لجعلها تنخرط أكثر في الاقتصاد الاستهلاكي، بعيداً عن التنمية الحقيقية، وفي المقابل تحويلها إلى زبائن لدى المُصدّر العربي، وفي المقدِّمة الأميركي.

إن ظاهرة عزمي بشارة حالة طبيعية بعد خروج مصر من معادلة المواجهة مع الكيان الصهيوني. وبعد حالة الاعتراف الدولي، من آسيا إلى أفريقيا وأميركا الجنوبية، بالكيان الصهيوني، بعد «اتفاقية كامب ديفيد» المشؤومة. والإدانة لعزمي بشارة هي في الوقت ذاته إدانة لهذا الانهيار الذي بدأت خطوط تصدّعه بُعَيد النكبة الثانية، وصولاً إلى «كامب ديفيد».

مما لا شك فيه، أن طابوراً سادساً ثقافياً استولدته الوضعية السياسية والعسكرية التي قامت بعد الانهيار الكبير عام 1967 و»كامب ديفيد» 1978 وكذلك بعد «اتفاقات أوسلو» 1993 . هذا الطابور كان في الأساس لإسقاط النظرية القومية الرافضة وجود الكيان الصهيوني أساساً.

كان لعزمي بشارة قصب السبق على هذا المستوى، خاصة في الساحة الفلسطينية. وها هي حرب اليمن التي «تجسّد دور الولايات المتحدة الإمبريالي، بخاصة في تشغيل مصانع السلاح واللوجستيات وتمويل الخليج لمنظمات الإرهاب في مجمل العالم العربي، هي حرب المصارف والشركات العربية… وقودها مجموعات تكفيرية مختلفة وتمويلها من أنظمة الخليج خاصة…» د. سماره ـ ص 161.

وفي المحصّلة، فإن إفرازات الهزيمة منذ عام 1967 وصولاً إلى «الربيع العربي» أنتجت عزمي بشارة، وسوف تنتج من أمثاله. وفي الوقت عينه، على الضفة الأخرى، وُلد أيضاً مقاومون لهذا الانهيار في حرب مفتوحة، حتى يذهب من يجب أن يذهب إلى مطامر مهملات التاريخ، ويبقى من يجب أن يبقى تحت الشمس.