تكفير العروبة وإلحاد السوفيات !

ثريا عاصي

لا غلوّ في القول إن مدلول «الإرهاب» يكتنفه الغموض. صارت هذه الكلمة المفردة مبتذلة. يتفق جميع أطراف المنازعة الدموية التي تعصف بلادنا على أنّ الإرهاب هو عدوها المشترك. لا يندر أن تسمع دعوات إلى الإتحاد من أجل التصدي معاً، ما يعني ضمنياً الأفرقاء المتحاربة، لكفاح الإرهاب! كأنّ الإرهاب الذي يُروِّع السوريين في عقر دارهم، هو نفسه الذي يقتحم بين الفينة والفينة قاعة في إحدى المدارس الأميركية ويقتل بدم بارد عدداً من التلامذة، أو هو نفسه أيضاً الذي إغتال في 11/01/2015 صحافيي الأسبوعية الفرنسية «شارلي»، أو هو المبغِض «للإسلام والشيوعية والنازية» معاً الذي ارتكب في 22 تموز 2011 مجزرة في جزيرة أيتاوا في النروج.
هل يُعقَل أن يكون «داعش» في آن واحد، إرهابي في نظر الحكومة السورية والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد الإرهاب. علماً أنّ هذا التحالف يضم جميع أعداء سوريا. من حقنا في هذا السياق أن نتساءل عن حقيقة موقف الحكومة التركية من «داعش». إذ من المعروف للقاصي والداني أنّ إمداد «داعش» يأتي جزء منه مباشرة من الحكومة التركية، وجزء آخر يصل عبر الأراضي التركية. ينبني عليه أنه يمكننا أن نفترض وجود تنسيق بين المخابرات التركية من جهة، وبين «داعش» من جهة ثانية. ظهرت بوادر تدل على ذلك أثناء المعارك التي دارت، بمحاذاة الحدود التركية، في مدينة عين العرب، أو «كوباني»، بين «داعش» وبين حزب العمال الكردي، ومن خلال المصادمات أيضاً التي سبقت وتلت معارك عين العرب. لماذا يُشهر «داعش» العداوة لحزب العمال الكردي؟
كما يحسن في السياق عينه أن نبحث عن الجوانب المكتومة في موقف الحكومة الفرنسية من جبهة النصرة. التي أثنى وزير الخارجية الفرنسية على عملها في سوريا، وحاول في مجلس الأمن تجنيبها الإدانة والوصم بالإرهاب. هذا من ناحية؛ أما من ناحية ثانية، فمن المفيد، بحسب اعتقادي، أن نتأكد من وجود أو عدم وجود، علاقة تصل بهذا الموقف الفرنسي من جبهة النصرة من جهة وبين ممالأة المستعمرين الإسرائيليين لهذه الأخيرة من جهة ثانية. حتى لا نتفاجأ بـ «ثورة» في سوريا ليست صناعة آل سعود، وإنما هي في الحقيقة صناعة إسرائيلية خالصة رغم أنها متلفّفة بإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صدر في سنة 1789، في الجمعية الوطنية عن ممثلي الشعب الفرنسي آنذاك!
ليس صحيحاً أنّ الإرهاب الذي يـُدمينا، ويَهدم عمراننا، ويُشرِّدنا هو ذاته الذي ينغّص على الناس في بلاد الغرب. الإرهاب في بلادنا له أسماء. المستعمرون الإسرئيليون، الإدارة الأميركية، الحكومتان الفرنسية والبريطانية، العثمانيون الجدد في تركيا، آل سعود! لا يرتكب هؤلاء أعمالاً إرهابية في مدن الغرب! إنّ الإرهابيين الذين اقترفوا في السنوات الأخيرة في فرنسا جرائم قتل كانوا معروفين من أجهزة المخابرات، وبالتالي كانوا يخضعون للمراقبة، وبعضهم قضى عقوبات بالسجن لأسباب أمنية!
يتوجّب التذكير قبل الغوص أكثر في هذا الموضوع، بالنجاح الذي أحرزته الولايات المتحدة الأميركية، عندما استطاعت في سنة 1979 في ذروة الحرب الباردة، تصوير الدعم الذي يقدمه السوفيات للحكومة الأفغانية، كأنه احتلال لأرض المسلمين من قبل الملحدين. بمعنى آخر، تمكّنت الولايات المتحدة الأميركية من تجييش وتجنيد مقاتلين إسلاميين إلى جانبها في الحرب الباردة ضد السوفيات!

:::::

“الديار”