الفوضى البناءة

أحمد حسين

(الفوضي البناءة أو الخلاقة، هي إعطاء القوة ” استحقاقها ”  في تشكيل عالم الإستبداد المثالي الذي يحقق الإستقرار المثالي في حياة البشر التي أنهكها صراع التوازنات النسبية. هذه هي وجهة النظر التي تمثلها الصهيومريكية، بوصفها صاحبة القوة الأعظم التي راكمتها الإمبريالية في تاريخها الإستبدادي الطويل. )

 أصبحت الفوضى “البناءة ” مسلمة  الواقع العالمي الجديد. وأصبح الإعتراض عليها أو تجنب إملاءاتها العملية من جانب المتضررين الضعفاء، يوازي اعتراض الشحاذين على نظام الصدقة، دون أن يتوقفوا عن العيش بموجبه. الجميع تقريبا على بينة إنهم يجب أن يعترضوا ويسلموا في آن واحد، فلا إمكانية لأي خيار سوى أن يستمر النظام ويموتوا أو أن يستمر النظام ويعيشوا. لقد انتشر الأثير الوجودي الجديد في كل مكان مهما صغر أو كبر، وجن كل سكان البلدة الذين شربوا من البئر. ولكن من هو الذي لم يشرب ؟

لقد استقرت الفوضى البناءة أخيرا كناموس كوني للوعي والحركة في كل المساحات الحيوية لاستمرار الوجود المادى للبشر، وكقانون وحيد للعلاقة في وجودهم الإجتماعي.  ويستمر النمط الأثيري للفوضى في التقدم بخطى ثابتة أكثر بطئا ولكن أكثر رسوخا أيضا، لتحوله الممارسة الطويلة إلى حاجة حيوية، ثم إلى عفوية معرفية، ثم إلى حقل ثقافي وأكاديمي لمحاورة  النمط التكويني الجديد للعالم الصهيومريكي. سيحولهم إدمان الشرب من البئر الوحيدة في قرية العالم إلى قطيع من رعايا الإستبداد البناء.

ولكن المشكلة ليست فقط في توخي النمط  واستدخاله عالميا. المشكلة هي  في كون الفوضى البناءة إجراء جرهره عدالة الإستحقاق النخبوي بين الشركاء الإمبرياليين. وأن نظام التراتب الطبقي سيظل يفرض مقاييس المصالح الذاتية في التطبيق العملي للفوضى البناءة، ما دام لم يحقق بعد تفكيك كل بني التعددية النظامية ووعي الهوية الذاتية  “التاريخانية ” ويستبدلها  بالمواطن البشري فى جنة النخبة الصهيومريكية الإستبدادية. إن عرابي المشروع الصهيومريكي الحاليين هم مجرد عملاء رئاسيين للمشروع في دولهم مهمتهم ربط مصير شعوبهم ودولهم بالمشروع. ولكن الصهيومريكية في غمرة شبقها النظري الإستقوائي اعتمدت عقل السحرة  وقررت استخدام الإخراج الإعلامي والمسرحي والدولار في استبدال التكوين البشري الذي استغرق مليارات الحقب، في عشرات السنين فقط.

لم يستطع التعالي والشبق الصهيومريكي الإستبدادي حتى فهم جميلاته الأطلسيات. أراد معاشرتهن على الطريقة الإقتحامية بدون طقوس رومانسية تليق ب ” بمداميتهن ” المكتسبة. ولكن حتى فرنسا الهلوك، أبدت بعض التمنع. لقد أدرك العقل الأوروبي العجوز، أن مصالح الأوروبيين لا تتمتع بالصون في مشروع العولمة الصهيومريكية، و أن على تلك أن تعيد الآن وبشكل مستعجل، إلى إولئك الأطلسيات بعضا من الإعتبار، قبل أن يغادرن المخدع الصهيومريكي وينزلن إلى الشوارع. وهي تفعل ذلك الآن باستبدالهن بداعش، بذات الطريقة الإقتحامية  والإرغامية، و ” تمنح ” لحلف الأطلسي شراكة دولية بارزة في الدفاع عن مصالح العالم الغربي  من الإرهاب، وحق استعادة مستعمراته القديمة وعلى رأسها سوريا حيث تتحصن كل حركات الإرهاب العالمي. ولعل أردوغان الأطلسي ” الخلافي ” يبدو جاهزا تماما الآن ليقوم بدور داعش الأطلسية بملابس إنكشارية، ليستعيد على الأقل بعضا من نفوذه الإمبراطوري الغابر، في الولايات العربية المجاورة. وعلى سوريا أن تستعد الآن للجولة الداعشية الدولية، بمبادرة أطلسية تصب في تركيا وتمتد عبرها إلى إفريقيا.

لقد تورطت الصهيومريكية وورطت العالم معها. ومن يعتقد أن التورط الأمريكي في فكرة الفوضي البناءة كانت تورطا اختياريا فهو مخطيء. فالفوضى البناءة هي حيلة جدلية، لنفي السياقات المتجاوزة  لقوانين التوازن الموضوعية داخل الحركة التطورية العامة.  هذا التجاوز هو أحد أمراض الوعي الجدلي الذي تحدثت عنه الماركسية. وهو فصلة جدلية ذات اتجاه واحد في السياق حركتها الحتمية هي النفي المتبادل معه. لذلك من يعتقد أن الصهيومريكية تملك ” خيار ” التراجع عن تورطها الجدلي هو أيضا واهم. لأن التراجع والنفي هما شيء واحد في الجدل. لا الصهيومريكية ولا السياق البشري يستطيعان  التراجع عن الحتم الجدلي. ولن تستطيع الصهيومريكية أن تنتصر موضوعيا، ولكنها ككل الكوارث ستكون هزيمتها مكلفة نوعيا.

العوسجة :

قال الشارح في تقديم النص :

لا أحد  غيرهما يعرف ماذا قال الرب للنبي حينما واعده جانب الطور في برية سيناء. وكلام الرب لم يكن واضحا حتى للنبي ذاته. فالرب لا يتجاوز ربوبيته في الكلام مع النبي. يشير له بالمطلق دون أن يكشف له بالتعيين،  ليمتحن قوة إيمانه بما ألقي إليه، فيعي ما سمع بقلب النبوة الذي شاهد النور في العوسجة، وليس بقلب المشاهدة التي لا تفرق بين النور والنار. والعوسجة هي وعاء التلقي النوراني، أي رمز النبي، والنور هو رمز الإله الذي يُرى نفسه على ما شاءت إرادته من مقاصده.

ويتابع الشارح  :

وآمن النبي بالمعجزة، دون أن يطمئن قلبه. فهو لم يكن يبحث عن إله. كان يبحث  عن رب إسرائيل. عن الرب الذي انتدبه لخلاص شعب إسرائيل من آلهة ” المصريين “، ليتفرغ لعبادته ويتم نعمته عليه كما أتمها على آبائه من قبل.

 الوعد قائم بالكلمة والوفاء منذ إبراهيم العبري. وقد وحان وقت الوفاء. وهذا ما كان يشغل بال النبي. وعلى شعبه ومهمته اراد أن يطمئن. فرسوخ إيمانه برب إسرائيل ليس موضع ارتياب.  ” إني أنا ربك “… حاميك وسيدك وراعيك. على هذا أراد أن يطمئن قلب التلقي وليس قلب الإيمان. حب الإنسان شغف ووله وخوف على من يحب.  قلق متأت من شك يخرج منه. هكذا أراد الله الإنسان ضعيفا، ليلجأ إليه بالخوف والرجاء. ولم يعلم النبي  الذي هو  الإنسان المتقلب في الرهبة والشغف، أن حب الله لشعبه هو اختيار وإرادة وليس شغفا.

ويكمل الشارح :

قال النبي للرب : أرني إياك ليطمئن فيّ قلب الإنسان.

جاء الصوت من العوسجة :

إيمانك ضعيف.

قال النبي : عفوك يا رب ! خوفي منك هو الذي يتكلم.  أنت فعال لما تريد، ولا يعرف مقاصدك أحد. ألست أنت الذي أخرجتنا من أرض إسرائيل إلى مصر ؟ أليست يدك هي التي  ضربت شعبك وليس يد المصري.  أليست مصر التي عشقت يوسف هي مصر التي كرهتني ؟ من عشق أو كره غيرك أنت ؟ كيف أفهم من خلقني ؟ أرني لأرى ويطمئن قلبي.

قال الصوت : أنظر إلى الجبل.

وجعله دكّاً.

لم يكسُ الرب الجبل ربيعا وشجرا ولم يفجر من صخره الينابيع.

جعله دكّاً.

لم يكسُه بالعشب وقطعان الغنم وأغاني رعاة كنعان وموآب.

جعله دكَاً.

لم يكسه الرب بالثلج  والبَرَد.

جعله دكّاً.

ويستأنف الشارح :

لعل الرب أراد أن يقول للنبي، هل فهمت ؟ دككت الجبل لتفهم.  لم أحوله إلى جنة بل إلى هباء لأنير قلبك وتدرك  ما أريد. هكذا أفعل بأعدائك. أعطيهم القوة ليضربوك بالأيدي والعصى والسيوف لأضربهم أنا بنار القدرة بيدك. أصنع شعبا لسيفك، ومدنا لنارك، وموتا  لأعدائك. أعطيهم كنوزا ومواشي لتأخذها منهم. أُنظر إلى العوسجة !

ويكمل الشارح :

يقال أن العوسجة المتحممة بالنور صارت رمادا. وخرجت منها عائلة كنعانية تحترق.  والدان وولدان. كانت قد سَفّعَتْ وجوههم نار القدرة،  فبدوا كأنهم هنود حمر.

عندها خرّ النبي صعقا وصاح : يا رب ! كيف لا أخافك ؟

قال الصوت :

لأنك رأيت بعقل عينيك. رأيت نارا تحرق وناسا يحترقون. فحزنت بعقل قلبك.  أما أولئك الذين رأيتهم فقد جعلتهم يفرحون بموتهم كما تفرحون أنتم بقتلهم، وجعلتهم يتمتعون بالنار كما تمتع إبراهيم بنار الكلدانيين. من لا يحب أولاده أكثر من أولاد غيره ؟ أُفرِحُ أبنائي بحبي ورحمتي، وأفرح أولاد غيري برحمتي فقط. قم وقل لشعبي ألا يحزنوا بما تفعل أيديهم. أنا هو الذي يفعل. وقل لكل شعوب الأرض : أيها المنافقون. ألا تحبون أبناءكم  أكثر من أبنائي ؟

ويختم الشارح :

من استوحى مقاصد الرب بنية الصفاء لم يضلّ أبدا. استوحيت آيات الرب فيما أنزل على انبياءه فوجدت  أن غاية الرب ليس لها وسيلة إلا القدرة.  يشاء فيقع الفعل. وهو لا يسأل عما يفعل. وفي طريق المشيئة  حيث تقع الأفعال لا أحد سواه. وفي طريق الحقيقة  لا أحد سواه. ونحن نحدث في المشيئة والقدرة كالأفعال ولا فعل لنا في صواب أوخطأ غير ما يَسّرَنا له. ولكن الخيرة بعض مشيئته. فطوبى لمن اختاره بالحب لأن كل أفعاله تكون صوابا. وطوبى لمن اختاره بالرحمة وحدها لآنه يُرحمْ.

كذابون حتى ولو صدقوا

عندما تحالف السيسي مع اللبراليين على الإخوان، نسي أن الذين أوصلوهم إلى الحكم في الإنتخابات هم الليبراليون بأمر مباشر من أمريكا ودولاراتها. وأن الليبراليين هم من حرضه عليهم ودعمه في إسقاطهم بعد ذلك. وكانت شروطهم عليه كالتالي :

1- توثيق علاقته بإسرائيل وأمريكا، والإعتراف بأن هذه العلاقة قد أصبحت بديلا  استراتيجيا موضوعيا لمستقبل مصر الوطني والإقليمي، بدليل انتخاب الشعب المصري للأخوان، أعداء المشروع القومي.

2- تأييد خطة السلام الأوبامية في المنطقة، وقبول إسرائيل شريكا مساهما في مشروع قناة السويس الجديدة، كدليل على صدق نوايا مصر في اعتبارها شريكا وجارا استراتيجيا، ودعما لمشروع إنهاء  ” النزاع ”  العربي الإسرائيلي  إلى الأبد، الذي تقوده الأسر الخليجية وعلى رأسها الأسرة السعودية.

3- المشاركة الفعالة في تحالف الدول الإقليمية  ل..” محاربة ” الأرهاب الدولي.

لقد اعتقدت أمريكا أن الإخوان سيغيرون موقفهم أخيرا، بعد تمرسهم في الحكم، من رفض قبول إسرائيل كشريك اقتصادي أول ومهيمن في خطة الشرق الأوسط الجديد كما تراها أمريكا. ولكن ذلك لم يتحقق منه شيء خلال السنة الأولى والوحيدة لحكمهم. وكان أقصى ما وَعدوا به  أمريكا هو ترك العلاقات المصرية الإسرائيلية على حالها كما كانت فى زمن السادات.  وقد وفوا بذلك. ولكن جمود حركة السلام الأوبامي، وزيادة التوترات في الإقليم الذي اجتاحته الفوضي البناءة  قبل ضمان أوباما لأمن إسرائيل، جعل الإدارة الأمريكية الإيعاز لليبراليين للعمل على إسقاطهم. وتم ذلك بصفقة مع السيسي كما أعلاه، واستغلال حيادية الوعي السياسي لدى أكبر فئات الشعب المصري، وسيطرة الليبراليين عليها بصورة سعد وعرابي وكامل والجنرال السيسي، اللي حاطط  شعار الطعمية بتاعهم على كتافه، تجندل إخوان الشيطان عن كراسيهم، وتاه السيسي  في ورطة السياسة بسبب نقصان حرف الألف من اسمه. أما مصر فعادت إلى يأسها. واستطاعت أمريكا أن تسترجعها إلى أحضانها بكذبة إسمها السيسي، كما استرجعتها من عبد الناصر بكذبة الإنتصار في مسرحيةالإنتصار الأمريكية  في حرب تشرين بقيادة السادات. واليوم عاد الإخوان يحاربونها باسم قطر القاعدة الجنسية لأمريكا، وجاءت السعودية حمار البيك الأمريكي تساعدهم ضد الإخوان البروتستنت، وسال دم الشعب المصري جزافا على طريقة السيسي البناءة، خريج مدرسة السادات وحرب تشرين “المجيدة ” بشهدائها وأبطالها المظلومين من جنود مصر.