متي تدق ساعة العمل الثوري في مصر من جديد؟

رسالة للحريصين علي السيادة الوطنية والمتطلعين لنهضة مجتمعية

 

أ.د.محمد أشرف البيومي

أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الإسكندرية وجامعة ولاية ميشجان سابقاً

 

-1-

خواطر وطنية مع طبق كشري في السفارة المصرية

ذهبت لأول مرة في حياتي احتفالًا بالسفارة المصرية بواشنطن بمناسبة ذكري ثورة 23 يوليو .تمتعت بطبق كشري لذيذ ولكني لم أحظي بطعمية واحدة فلقد التهمها الحضور بسرعة. أعجبني القدر الذي سمعته منخطاب  السفير محمد توفيق لما به من لمحات اعتداد بالوطن. وَمَضَ في ذهني صورة شاب مصري عريق في وطنيته منحه إيمانه بقدرة الشعب جرأة وقوة كبيرة. صورة هذا الشاب، واسمه جمال عبد الناصر، وهو يؤمم القناة متحديا الاستعمار، وصوت هدير الشعب المفعم بالكرامة يرن في أذني. ثم تجيء صورته وهو يصيح سنقاتل..سنقاتل، متحديا العدوان الثلاثي عام 1956.  وتسائلت متي تدق ساعة العمل الثوري في مصر من جدييد ؟ متي يبدأ تفعيل طاقات الشعب الكامنة؟ متي ينطلق مشروع نهضة متكامل وطموح يعتمد علي العلم والتكنولوجا الحديثة؟ ولكن قبل هذا كله متي تحطم مصر قيود التبعية وتسترد كامل استقلالها السياسي والاقتصادي؟ كيف نواجه خطر الارهاب الداهم والمتعاظم والذي يهدد مصر والأمة العربية بأكملها؟ إن التحديات التي تواجهنا تضع مصر، الدولة المركزية العربية، علي عتبة قرارات مصيرية جريئة يحتم اتخاذها لتحديد مسيرة الأمة لعقود قادمة. فهل يتخذ الرئيس السيسي هذه القرارات؟

تناقضات: بين تصدينا للإرهاب وإضعاف قدراتنا للنهضة

  • كيف نحارب الإرهاب في مصر ولا نتعاون بشكل وثيق مع من يحارب نفس الارهاب في سوريا والعراق واليمن؟
  • كيف نحارب الارهاب في مصر و ندخل في ائتلاف لمحاربة الارهاب مع المشاركين في تأجيجه ومع من يغذيه ويموله ويحميه ويدربه؟
  • كيف نتعاون، حتي  ولو هامشيا، مع من يشن حربا علي شعب اليمن ويرتكب جرائم حرب شنيعة؛ علما بأن التحالف العدواني يضم حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) و القاعدة وداعش ؟ كما أنه مدعوم عسكريا وسياسيا من قبل اسرائيل وأمريكا. وكيف نقبل علي أنفسنا المشاركة ضمنا في ارتكاب المآسي التي يتعرض لها أطفال اليمن من سوء تغذية حاد؟  ألا تذكرنا صورهم بمآسي أطفال العراق التي كنت شاهد عيان عليها؟
  • كيف نتعاون مع من يريد توريط الجيش المصري في اليمن واستنزافه كما حدث سابقا في اليمن نفسها في الستينات بالتنسيق مع إسرائيل كما وضحت وثائق رفع عنها السرية مؤخراً ؟
  • كيف نتعاون مع من يلح علي مصر بمصالحة غير منطقية مع أردوغان والاخوان؟
  • يطالب الاخوان في مصر واليمن بإعادة شرعية مزيفة وعدم اعتبار إرادة الشعب، فكيف تقف مصر مع إعادة “االشرعية” الكاذبة في اليمن، بينما يرفضها الشعب في مصر؟
  • لماذا نعادي ايران عندما تقف حكومتها ضد اسرائيل ونصادقها عندما كانت حليف لها  في عصر الشاه؟ ألم تكن إيران شيعية آنذاك؟ هل جريمة إيران دعم المقاومة في فلسطين ولبنان ولماذا لا يدعمها من يشكوا من النفوذ الإيراني؟
  • كيف يمكن أن نصدق تصريح إعلامي لمسئول مصري سابق بأن النووي الايراني الذي لم يتبلوربعد أخطر من الإسرائيلي؟ ألا تمتلك إسرائيل العديد من الرؤوس الذرية، فبأي منطق وبأي معايير يمكن أن يقترب هذا التصريح من الحقيقة؟
  • كيف تطلب جامعة تحمل اسم العربية قوي أجنبية بتدمير دول عربية وكيف يطالب مواطنون ( أي منتمون للوطن ) بالتدخل الأجنبي بحجة ازالة حاكم؟

فك التناقضات يتطلب مراجعة الافتراضات

 

تجيء لحظات تتفجر التناقضات لدرجة يستحيل تمريرها أو التغاضي عنها، سواء بالنسبة للأمور السياسبة أوفي مجال البحوث الفيزيائية. تأتي هذه اللحظات الفارقة فتؤدي إلي انهيار النظريات التي لا تستطيع تفسير أو تبرير التناقضات، ويكون هذا تمهيدا لبزوغ فهم جديد متناسق مع الأدلة. هكذا تولد نظريات جديدة علمية. و بنفس المنطق نرفض مقولات وافتراضات أدت إلي تناقضات سياسية فجة. هناك أمثلة عديدة في المجال العلمي أذكر منها نظرية ال Vitalism التي تفترض وجود روح في المركبات الكيمائية الموجودة في النباتات والحيوانات. تحطمت هذه الافتراضية  عندما حضر فريدرك فولر عام 1828 مركب اليوريا الموجود في الحيوانات من مركبات غير عضوية, وهكذا اندثرت نظرية عرقلت التقدم العلمي لفترة طويلة وبزغ علم الكيمياء العضوية الذي أدي إلي تحضير الملايين من المركبات التي لا تمتلك روحا.

بإستخدام المنطق وبكشف التناقضات في المجال السياسي نجد بوضوح أن اعتبار الصراع الأساسي في الأمة هو صراع شيعي سني وأن العدو هو إيران، يمثل افتراض ليس فقط منافي تماما للحققة ولكنه أيضا مغرض وخطير لكونه يحرف النظر عن الصراع العربي الصهيوني. إن تبني هذا الافتراض يعتبر انحراف وطني هائل ويقدم جائزة كبري للعدو الصهيوني وحلفائه.

 كذلك لا يمكن أن تكون جامعة تحكمها الرجعية العربية أداة للتصدي للإمبريالية وحلفائها بل توظف لتخريب الأمة العربية.، فلا نستغرب إذاً أن تطرد هذه الجامعة سوريا من عضويتها وتوافق، بل وتطلب العدوان علي دول عربية أخري. وليس غريبا أن يتبني “مثقفا” أو كاتبا “عربيا” مقولات ومواقف غير وطنية إذا كان تابعا أو انتهازيا.

لكن التناقضات المتعلقة بالقيادة المصرية هي التي تتطلب تغييرات جوهرية ويجب أن نتناولها ببعض التفصيل.

 

-2-

الوضع الآن دون مواربة

إن الحقيقة الغير خلافية هي أن مصر تواجه خطرا داهما وهو الإرهاب بشكله الدموي وأيضا الفكري الذي يغذي العنف والقتل الجنوني. هذا واضح تماما، ولكن التناقض يكمن في مواجهة هذا الإرهاب. الحقيقة الأخري أن مصر لا تعيش في فراغ فحصول ارهابيين علي صواريخ متقدمة أصاب أحدها زورقا عسكريا مؤخرا جاء غالبا كنتيجة لسقوط الدولة في ليبيا وانتشار أسلحة خطيرة كانت بحوزة الجيش الليبي. إن القوي التي تغذي الارهاب بشقيه الدموي والفكري تتمثل في دعاة الفكر الوهابي والدول والمؤسسات والأفراد التي تمول وترعي الإرهاب. فلا يمكن التنصل من حقيقة تناسق أهداف أنظمة عربية (تدور في الفلك الاستعماري منذ نشأتها) وتركيا (عضو حلف الناتو والتي تطمح في الحلم العثماني، وتريد اقتطاع أجزاء من سوريا) والكيان الصهيوني الاستيطاني، والولايات المتحدة الأمريكية. كل هؤلاء يشتركون في هدف أساسي وإن تباينت التفاصيل، وهو إضعاف الدول العربية وتمزيقها وتخريب مجتمعاتها وضمان استمرار تخلفها بإضعاف جيوشها بل والقضاء عليها. كل ذلك من أجل فرض الهيمنة الغربية والصهيونية عليها وجعل إسرائيل قائدة المنطقة بأكملها. وهكذا دفع هذا التحالف نحو احتلال العراق وفتح الباب أمام النفوذ الإيراني فيه ثم تدميرليبيا ثم محاولة تفتيت سوريا وتدميرها واضعاف وتهميش مصر وحصارها كقوة مركزية للأمة العربية. وعلينا أن نتذكر دائما تصريحات أمريكية عديدة علي رأسها مقولة رئيس سابق لجهاز الاستخبارات الأمريكيى الCIA  بأن الاستهداف الأمريكي لا يتوقف عند العراق وسوريا بل أن مصر هي ” الجائزة الكبري”.

ماذا إن سقط النظام السوري و ما هو انعكاس ذلك علي مصر؟

بصرف النظر عن أي تقييم للنظاام السوري، فسقوطه لن يأتي بالنعيم والرخاء والحرية والأمن. وهنا نحن لا نتحدث عن توقعات نظرية فهناك نماذج واقعية في حالة العراق وليبيا. نستطيع أن نتوقع بيقين كامل أنه في حالة انهيار النظام تحت هذه الظروف ستنهار أيضا الدولة السورية. سينتج عن ذلك انتشار تجمعات إرهابية و سيملأ الفراغ السياسي صعود تيارات “الإسلام السياسي” بكافة ألوانها، مع سيطرة التيار التكفيري العنيف. وسيتوغل النفوذ التركي الذي سيغتصب جزءا من سوريا أما حلفاء امريكا واسرائيل فسيكونوا الورثة الحقيقيون. من الواضح أن هذا سيشكل ضربة هائلة لمصر وسينعم الشعب السوري بحرية الخراب وديمقراطية التخلف.

ماذا يمكن أن يفعله النظام المصري بقيادة الرئيس السيسي؟

صدرت وزارة الخارجية المصرية تصريحا هاما متعلقا بالشأن السوري في 28 يوليو الحالي عبر عن متابعتها “باهتمام وقلق شديدين تطورات الأوضاع المأساوية في سوريا ….، مؤكدا دعم مصر لمحاربة التنظيمات الإرهابية في داخل سوريا مع ضرورة أن يتم ذلك في إطار المحافظة على وحدة أراضي الدولة السورية وسلامتها الإقليمية”.  هذا التصريح ينم بشكل واضح عن قلق حقيقي خصوصا وأنه جاء بعد الضربات التركية داخل سوريا تحت غطاء “محاربة الإرهاب”.  كما أن الإعتداء التركي جاء متناسقاً مع رغبة الحكومة الأردوغانية في تحقيق بعض طموحاتها العثمانية والانتقام من الأكراد الذين حرموا حزب أردوغان من الأغلبية البرلمانية. جاء توقيت التصريح المصري متزامنا مع الاعتداءات التركية في محاولة من أردوغان تحسين وضع حزبه في الانتخابات المقبلة بعد فشل رئيس وزرائه من تشكيل الحكومة.

لا يمكن أن تقف مصر، الدولة المركزية العربية، مكتوفة الأيدي أمام هذا العبث الخطير. فجاء التصريح الهام كتحذير مرحب به. ولكن هل يكفي هذا؟ بالتأكيد لا.  ونتسائل متي تتنصل مصر من عبء التأثيرات السعودية والأمريكية التي تفسر كثيرا من التناقضات. صحيح أن مصر ترزح تحت أعباء اقتصادية هائلة ولكن هذا السبب لا يكفي للرضوخ لإملاءات إقليمية أو أجنبية فمصر تملك أوراق قوة لا بد أن تفعلها. أولها، وأهمها، التأييد الشعبي لحماية الكرامة والمستقبل المصري وثانيها وجود بدائل اقتصادية وسياسية متاحة تمكن من استقلال القرار المصري.صحيح أن هناك قوي محلية تسعي فقط لحماية مصالحها و تدور في فلك التبعية الأمريكية والمال البترولي، لكن التاريخ أثبت مرارا أنه، رغم قدرتها علي العرقلة،  لا يمكنها أن تقف أمام قوة الشعب إذا فعلت بتبيان الحقائق والتحديات والبدائل.

ماذا يحدث إذا أعلن الرئيس السيسي تعاونا سياسيا واعلاميا وربما عسكريا مع سوريا؟  ولا ننسي التأييد الشعبي للضربات الجوية المصرية ضد الإرهابيين في ليبيا. وإذا كان البعض يشكو من تعاظم نفوذ ايران، فما الذي يمنع من تفعيل النفوذ والقدرة المصرية من خلال التعاون مع سوريا الشقيقة؟

بالطبع ستكون هناك تبعات للموقف المصري. ستمارس ضغوط خليجية واسرائيلية وأمريكية قد يصل مداه الي التهديد بسلاح الحصار الاقتصادي وحجب المعونات. السؤال هنا ماذا جلبت التبعية الاقتصادية والسياسبة لمصر؟ بالتأكيد لم تجلب الرخاء الذي استخدم كإغراء للقبول بسلام الخنوع والتخلف. كما أن التدهور في كافة المجالات طوال أربعين عاما خير دليل علي  خطأ وإفلاس مسار التبعية ومسار السلام الزائف الذين أديا إل حالة الترهل والخمول والتخلف والخنوع.

هل هي صدفة ان الدول التي تحدت الهيمنة مثل كوبا وايران تقدمت علميا وتكنولوجيا رغم الحصار القاسي الذي تعرضا له؟ لا يصح أن نهمل أبدا حقيقة أن التحدي يولد إرادة قوية تكاد تصنع المعجزات.

إن المسار الصحيح والذي ثبتت صحته، رغم العقبات، هو طريق استرداد السيادة واستكمال الاستقلال وتفعيل القوة الشعبية الكامنة واطلاق طاقاتها الهائلة في كافة المجالات خصوصا العلمية والتكنولوجية، رغم الضعف الاقتصادي الحالي.

أما بالنسبة لسوريا  فالتنسيق الكامل في معركتنا ضد الارهاب، عدونا المشترك، ضرورة ملحة. ولنبدأ بعودة العلاقات الكاملة والتفعيل الإعلامي لبث الحقيقة وتبديد الأكاذيب ودعم الجيش العربي السوري وحلفاؤه سياسيا وعسكريا. وفي المجال الإيراني البدأ بعلاقات سياسية جيدة وتعاون مع إيران خصوصا في مجالات علمية وتكنولوجية. هكذا نفضح أكذوبة الصراع الشيعي السني ونفرغها من مضمون عبثي خطير.

قد حان الوقت للرئيس السيسي أن يكون زعيما للأمة وليس فقط رئيسا أنقذ الوطن من براثن الفاشية المرتدية خداعا الثوب الاسلامي. جاء وقت اتخاذ قرارات جريئة وحكيمة في نفس الوقت.عندئذ نستطيع القول ـ لقد دقت ساعة العمل الثوري المعتمد علي تأييد الشعب و تفعيل إمكاناته من جديد، وعودة العزة والكرامة التي تحرك الشعوب وتواجه التحديات. فدروس التاريخ تؤكد أن الشعوب تقف وراء قياداتها الوطنية المخلصة في مواجهة القوي المعادية الداخلية والاقليمية والأجنبية. أما المغالاة بأهمية “الديمقراطية” الشكلية فلنتذكر أنه لا حرية لمواطن في وطن غير حر.