عندما يقفز المثقف من السفينة!

رشاد أبو شاور*

 

لعل الأسرع في القفز من السفينة عندما ترتج، وتتعرض للأمواج العاتية المباغتة، هو المثقف بشكل عام، والمثقف العربي بشكل خاص، لعاملين:

أولاً: لأنه لم يحدد لنفسه مساراً وهدفاً، وهذا ما يجعله ضعيفاً هشاً قابلاً للانكسار بسرعة.

ثانياً: لأنه يجهل السفينة، وقدرات البحّارة، ويخشى الإبحار، ويسعى للكسب باستمرار، وهذا عائد إلى انتهازية متأصلة غالباً، جوهرها الانطلاق من الذات، والتصرف وكأن الثقافة والمعرفة سلعة…

في صغري عشت بجوار جبل مهيب شامخ صخري تعارف أهلنا على اسمه بـــ(قرنطل)، وعندما كبرت عرفت أن اسمه جبل (التجربة)، وهو يطل على مدينة أريحا العريقة التاريخية.
في هذا الجبل تواجه السيّد المسيح مع الشيطان، ولبث في هذا الجبل القاسي الموحش معزولاً مكابداً أربعين يوماً، صارع فيه إغراءات الشيطان وإغواءاته، وانتصر عليه.
هنا لابد من التذكير بقول السيد المسيح: (ولا تدخلنا في التجربة، ونجنا من الشرير) مع التذكير بأن السيد المسيح دخل التجربة ونجا من الشرير، وفي هذا درس كبير لمن يُجرّب، ليستمد العزم، والإرادة، وصلابة الروح.
التجربة كانت دائماً الاختبار، فهي التي تمكّن من التمييز بين الجوهر النقي الصلب، والجوهر الخبيث الهش المراوغ المهزوم.
التجربة هي التي تمكننا من أن نعرف أنفسنا، ونعرف غيرنا، فمن دون التجربة، الاختبار، يتساوى الجميع، بل قد يتفوّق الزائف الدّعيّ على الصادق المخلص صاحب المبدأ.
لو لم يدخل السيد المسيح التجربة وينتصر على الشيطان ما كان نبياً، وما سمعنا به، ولا حمل الجبل المهيب الراسخ اسم (جبل التجربة). وبالمناسبة فبين صخور ذلك الجبل المهيب خاض عشرات الفدائيين معارك ضارية مع قوات الاحتلال الصهيوني بعد حزيران الـ67، واستشهد على صخوره، وفي كهوفه، عشرات الفدائيين الرافضين للهزيمة.
سورية على مدى خمس سنوات تنخرط في التجربة، وهي تجربة مكلفة، لذا يصمد لنارها كل مؤمن، ويقفز من أُتونها الانتهازي الباحث عن المكاسب والسلامة الشخصية!
قفز وسقط سياسيون، ومثقفون، وكتاب، وأكاديميون، ومنظرون يساريون، وقوميون، من سورية، ومن كل الأقطار العربية.
سقطوا وافتضح أمرهم بعد أن واجهوا خيار (التجربة)، واختبار معاناتها، فاستسهلوا الأمر بالقفز، لرهانهم على أن المعركة قصيرة، وأن السفينة ستغرق، وأنهم يذهبون للانضمام للرابحين، من دون أن يعنيهم أمر سورية الوطن والشعب!
المثقف السوري قصير النفس والنظر برهن على أنه يجهل بلده، وقدرات شعبه، يجهل جغرافية سورية، وتاريخها، ودورها، وأنها قلب بلاد الشام، يجهل عراقتها، ولا يعرف ثقافتها القومية العربية التي دفع مثقفون ووطنيون قوميون سوريون دمهم فداء لها، وضحوا وارتفعوا على أعواد المشانق من أجل حريتها واستقلالها وخروجها من زمن الظلام العثماني، ومن بعده الفرنسي.. جيلاً بعد جيل.
سقط سياسيون ومثقفون لجهلهم بجوهر سورية وإنسانها ودورها، ومعنى وجودها، وقفزوا من السفينة، وباعوا ثقافتهم، وتخلوا عن مناصب شغلوها، ومواقع أخذوها، ثبت أنهم لم يكونوا أهلاً لها، والتجربة هي التي فضحت هزالهم!
هل يقفز المثقف من السفينة لشعوره بأنها باتت في خطر، وأنها على وشك الغرق، أم يواجه مع البحارة، ويسهم في إنقاذها من الماء الذي يتدفق إلى جوفها مهدداً سلامتها؟!
هنا الفرق بين المثقف المقاوم، والمثقف الانتهازي الذي يوظف معرفته لمنفعته الشخصية، ولا يراهن إلاّ على مصالحه ومستقبله.
لقد سمعنا ورأينا على الفضائيات سياسيين يلحون على أمريكا أن تهب للتدخل في سورية، أن تقصف سورية وتدمرها أسوة بما فعلته في العراق، فليس بغير طائرات وصواريخ أمريكا تنشر الديمقراطية، ويتم التخلّص من (النظام)!
هنا أتوقف لأسوق ما سمعته ذات يوم من مثقف سوري، وكنا نشارك في ندوة أدبية في اتحاد الكتاب العرب، فماذا قال لي بصوت منخفض مرتجف: «لك نحن شو علاقتنا بفلسطين وبالعرب والعروبة.. لك نحنا مع الشيطان إذا بيجي ينقذنا.. نعم سيدي: تجي أميركا وتخلصنا.. أدهشتك يا فلسطيني، يا قومي!».
كانت لي كلمة عن تجربتي القصصية فطويتها، وشرعت في الرد على منطقه، وسط دهشة وحيرة الحضور الذين فوجئوا بخروجي عن البرنامج المقرر.
يومها قلت: «إذا تعرضت سورية للعدوان فسأقاتل دفاعاً عنها بدمي، وقلمي، وبكل ما أملك، لأنني كعربي فلسطيني لا يمكن أن أكون إلاّ في الموقع المضاد لأمريكا، والكيان الصهيوني، والأتباع العرب».
يومها قلت: «المثقف العدمي لم يتعلم مما فعلته أمريكا بالعراق، لأنه لا يريد أن يتعلم!»
يومها قلت: «نحن في زمن أدعياء الديمقراطية، الذين يبيعون أرواحهم للشيطان الأمريكي والصهيوني، ولا يثقون بشعوبهم، ويحبذون التآمر على أوطانهم لقصر نظرهم ولعجزهم، بدلاً من الرهان على شعوبهم…».
وجاءت التجربة!
جاء عملاء أمريكا، وأدواتها، ومخططها، وتآمرها، ورأينا مثقفين يسقطون، ويتسابقون إلى عواصم (الثورة المضادة) في بلاد العرب: الرياض، والدوحة، وإلى أعداء أمتنا التاريخيين في تركيا(العثمانيون الجدد)!
الحق أن أمريكا ليست وحدها في التآمر على سورية، فلها أتباع في بلاد العرب: دول، وأحزاب سياسية، ومثقفون ساقطون علناً لا يخجلون من أنفسهم، ومن ادعائهم الوقح بأنهم مع الديمقراطية.. ومع من يجلبها لسورية!
هؤلاء وصل بهم الأمر أنهم ارتموا في أحضان السعودية، وقطر، وتركيا، وباتوا أدوات تنظّر للحرب على سورية، وواصلوا سقوطهم مع انكشاف الوجه الحقيقي للإرهاب الإسلاموي الذي يذبح، ويحرق، ويدمّر، ولا يسلم منه أحد في سورية: مسلم، مسيحي، كردي، علماني، قومي…
المفكر القومي تخندق في قطر بعد أن قدم نفسه مفكراً قومياً مقاوماً!..والتجربة هي التي فضحت (جوهره) الفاسد!
المفكر الماركسي اليساري بات تابعاً لراعيه الأمير السعودي بندر.. والتجربة هي التي أماطت جلدة وجهه الزائفة!
هل سمعتم عن ثورات حررت الشعوب بالدعم الأمريكي، الفرنسي، البريطاني، والصهيوني، والنفطي السعودي القطري؟!
المثقف الثوري التقدمي ينتقد الفساد، ويرفض القمع، ويرفع صوته مدافعاً عن حق الإنسان في المواطنة الحقّ، وعن سيادة القانون، وعن الدستور التقدمي، وعن حرية الأحزاب، وعن..الخ، ويدفع الثمن عن طيب خاطر، وبين هذا المثقف الثوري وبين مثقف النفط والتبعية بون شاسع كشفته ورسمت معالمه التجربة السورية الرهيبة.
المثقف القافز من السفينة يجهل أنها سفينة متينة، عريقة، وفيها بحارة شجعان يتمتعون بخبرة لم يتنبهوا لها…
صمد في سورية شعبها العربي العظيم بأغلبيته، وصمد في سورية جيشها العربي الشجاع المبني على الإيمان بالعروبة وبفلسطين وبحتمية نهوض الأمة…
يسألني بعضهم بقصد الإحراج: هل تريد أن يرجع النظام السابق ليحكم سورية؟
اسمحوا لي أن أسخر من سؤال كهذا، لأن سورية التجربة والصمود والمعاناة، سورية الأبطال في الميادين، سورية خط الدفاع عن البشرية في وجه الإرهاب لن تعود كما كانت، لأنها الآن ليست كما كانت، فهي أصلب، وأوضح، وهي تعرف حلفاءها، وأصدقاءها، ورفاق طريقها!
أيها الأصدقاء: في الوطن العربي الكبير، سقط مثقفون، وكتاب، ومفكرون، وصحفيون..اشتراهم النفط، وهم ينتمون لأقطار عربية لا تعرف الديمقراطية، ومع ذلك فهم يطالبون بها في سورية، وبرعاية سعودية- قطرية!
الإرهاب يضرب في كثير من بلاد العرب، والأقطار التي ينتمي لها هؤلاء المثقفون ترتجف حكوماتها رعباً من «داعش» و«النصرة» وأخواتهما، فسورية لم تسقط، والحرب طالت، وفصائل الإرهاب تستدير لتضرب بعنف الجهات التي موّلت وسلّحت، وفتحت لها الحدود، لأن الإرهاب لا ولاء له، ولا دين، ولا عهود!
لقد واجهنا هؤلاء الساقطين وتحديناهم، ولعلنا كنا قلة، فهناك من جبنوا عن رفع أصواتهم، ونحن صمدنا لأننا تهيأنا لدفع ثمن التجربة حتى آخر قطرة دم.
ليس لي في سورية امتيازات أحرص عليها، ولا ممتلكات أخشى عليها، وأنتم تعرفون هذا…
ولكن: لي في سورية ما أحرص عليه، لي سورية كلها، شعبها وجغرافيتها.. ولي فيها فلسطين ولي فيها عروبتي، ولي بانتصارها القادم المؤزّر مستقبل الأمة العربية… المؤامرة هدفت إلى تدمير أي أمل عربي بالنهوض، بتكريس الكيان الصهيوني سيداً على ما يسمى (المنطقة).. باستتباع دويلات النفط والغاز المنبتة عن العروبة ممثلة بالسعودية وقطر، وبهيمنة مشاركة للعثمانيين الجدد، وتبعية تامة لأمريكا… سورية السيدة الحرة المستقلة هي مستقبل العرب، ولذا انحزت لها، وهي لها فضل علينا جميعاً، وهي الخندق المتقدم في معركة المواجهة مع الإمبراطورية الأمريكية، والكيان الصهيوني، ودول التبعية العربية المنحطة…
كمثقف عربي، ككاتب عربي: أنحاز لكل من يحارب الهيمنة الأمريكية الصهيونية.. ولذا أنحاز لسورية من دون تردد.
لقد آمنت دائماً دائماً بأن الحياة مقاومة، وها نحن في التجربة، ولابد من أن نبرهن على مصداقية ثقافتنا.. ثقافة المقاومة.
*كاتب فلسطيني

::::

صحيفة “تشرين”