نحو نواة كتلةٍ تاريخية

د. نسيب أبو ضرغم

كوّنت تداعيات الحرب الكونية على دمشق محصلةً تقول: إنه لا بدّ من قيام كتلة تاريخية في سورية الطبيعية، كتلة تجسّد المقاومة كمشروعٍ دائم سواء في أيام السلم أو في أيام الحرب. أما لماذا المقاومة مشروع دائم، فلأن تداعيات الحرب قد أكدت أيضاً أن إنتاج المؤامرات على بلادنا السورية سوف لن يتوقف في مطابخ التحالف الصهيوـ أميركي. لأن توقفها من وجهة نظر أصحاب هذا المطبخ يعني التسليم للقوة القومية بالنمو والتطوّر، وكذلك التسليم بالمصير المحتّم «للكيان الصهيوني»، الأمر الذي لا يمكن أن تتقبله استراتيجيات الغرب، من حيث أن الكيان الصهيوني يمثّل لها معطى ثابتاً في وضع معادلات هذه الاستراتيجيات.
سوف يبقى التحالف الصهيوـ أميركي يطبخ المؤامرات كافة، وخصوصاً، تلك المتعلقة بتفكيك وحدتنا الاجتماعية، ذلك أن وحدة المجتمع هي الهدف الأساس لمؤمرات هذا التحالف.
من أجل تفكيك وحدة مجتمعاتنا، كان المستشرقون، الذين لم يأتوا إلى بلادنا من أجل التعرف إليها لزيادة معارفهم العلمية كهدفٍ أخير، بل جاؤوا ليطلعوا على بلادنا وشعبنا ودراستهما لتوظيف ما يستجمعونه من حقائق ومعارف في مشروع الحرب الاستعمارية الهادفة إلى تدمير مجتمعاتنا ودولنا وبعثرة شعوبنا في أطراف الدنيا الأربعة.
لم يكن سبيلهم إلى ذلك غير العمل على تفكيك العلائق المجتمعية بين مكوّنات المجتمع الواحد، والتحريض على الانتماءات المذهبية والطائفية والعرقية، وبالتالي إنتاج وعي يتطابق مع شروط هذه الانتماءات. لقد طبقوا هذه البرامج الاستعمارية في الصومال لتسهيل سرقة اليورانيوم وهذا ما فعلوه في جنوب السودان، ليس لوضع اليد على الثروات النفطية فحسب، بل للإمساك بمصدر الحياة الوحيد لوادي النيل ـ نهر النيل ـ وكرروا ذلك في ليبيا، ليبيا التي لم تعد شيئاً يشبه الدول بل صارت في حالة ما قبل قيام الدولة.

في مواجهة ذلك، لا بد من التأسيس على الواقع الذي أنتجه صمود الدولة السورية بالتحالف مع حزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي. هذا التحالف الذي لا يجوز النظر إليه من زاوية الإنجازات العسكرية فحسب، بل من زاوية القدرة على تعزيز الوحدة الاجتماعية وتصليبها، إضافةً إلى أنه قد شكّل أساساً لتكوّن نواة تاريخية تتكامل عناصرها الثلاثة لتقدم إلى الأمة والعالم العربي تجربة قومية ناجحة، أثبتت نجاحها على الأرض بوجه أعتى القوى المعادية وعلى مدى العالم. كتلة تاريخية غير مغلقة، تنخرط فيها فصائل فلسطينية تؤمن أن دمشق هي عاصمة المقاومة، وأن دمشق بانتصارها تحقق انتصار الأمة على عوامل تقسيمها.
وأما العناصر الثلاثة الأولية في تكوّن هذه النواة فهي:

أولاً: الدولة السورية:
الدولة السورية من حيث هي القوة والجغرافيا والجيش والشعب والتجربة الناجحة في صيانة الأمة والدولة، الدولة السورية من حيث هي دولة المقاومة، الدولة القومية، بعد إبادة الأنظمة القومية كافة على مدى العالم العربي.

دولة القيادة المتكاملة مع الشعب، الحاضنة لاستراتيجية المواجهة المستدامة بوجه المؤامرة المستدامة.

سورية التي أثبتت أنها سيف العالم العربي وترسه هي عينها سورية الدولة التي تناط بها مسؤولية تحشيد القوة وتطويرها ليس على مستوى سورية الطبيعية بل العالم العربي.

ثانياً: حزب الله:
حزب الله بما هو قوة أثبتت فعاليتها في مواجهة القوة الصهيونية، وبالتالي شكلت تجربةً أكثر من ناجحة بحيث تصلح لأن تكون نموذجاً يحتذى في بناء القوة الشعبية وتمكينها من تحقيق معادلة الردع مع العدو.
حزب الله في نجاحه بأن يكون قوةً منسجمة مع الجيش النظامي، قوة إضافية ونوعية جعلها هذا الانسجام تحقق بما يشبه المعجزة ليس فقط في وجه آلة الحرب «الإسرائيلية»، بل في مواجهة وكلاء هذه الآلة من «داعش» و»نصرة» وأشباههما.
حزب الله، الذي لم يجعل من العقيدة الدينية التي يتبناها على مستوى المعتقد عائقاً بل جعل الحزب ومقاومته معطى يصبّ في الخانة القومية والعروبية، وهذا إبداع حققه حزب الله تجب الإشارة إليه.

ثالثاً: الحزب السوري القومي الاجتماعي:
يملك هذا الحزب عقيدة وحدة المجتمع، وهو بالتالي موجود بفعالية في خلايا هذه الوحدة وعلى مدى الجغرافيا السورية. فكراً وصراعاً في الكلمة والتنظيم والدماء.

فإذا كان حزب الله بحكم الإيديولوجية الدينية غير قادر على تحويل حركة المقاومة العائدة له إلى حركة فعلية على الأرض للمكوّنات كافة، فإن وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي في النواة التاريخية يؤمن قنوات الدمج، والعبور من حدود المكوّنات إلى صهرها في بوتقة قومية واحدة.
حتى تصبح المقاومة فعلاً يومياً لدى كل مواطن، ينبغي أن يدخل إلى آلياتها فكر وروحية الحزب السوري القومي الاجتماعي.

ندعو إلى هذه الكتلة لأننا، كما أسلفنا، سنواجه بشكلٍ دائم مؤامرات تمزيقنا، وبالتالي لا يمكن أن ننتصر على هذه المؤامرات إلا بجعلها تعجز عن تفكيك الوحدة الاجتماعية، وجعل المقاومة هي مقاومة جميع المواطنين برعاية دولة المقاومة سورية.
إنها كتلة تاريخية منفتحة على القوى المقاومة كلها، والتي تعتبر أن المقاومة فعل يومي مستدام لا يتوقف سواء بالسلاح أو بالكلمة أو بالفن أو بأي وسيلة أخرى، المقاومة ـ الثقافة.
هذه النواة التي ينبغي أن تتشكل من قوى جسدت فكرها بالمقاومة هي الردّ على ما كان وسيكون، ذلك أن ما سيكون لن يكون أقل إجراماً أو شراسةً أو خطراً.
إن هذه الكتلة التاريخية هي ولّادة المقاومة على مدى الأمة، المقاومة بقدرتها الشعبية واللوجستية والأمنية والعسكرية هي القوّة الكافية والجاهزة لتتكامل مع جيش سورية في ملحمة قومية واحدة. عندما تصبح المقاومة هي جيش الشعب كل الشعب، تسقط إذّاك فصول المؤامرة ونضمن المستقبل.
ما قبل العدوان على سورية ليس كما بعده ولا يجوز أن يكون، طموحنا صناعة المستقبل وفق رؤيتنا وذلك بالتكامل بين الدولة وقوى المقاومة.

:::::

“البناء”