هل يحسم الميدان السوري معركة التقسيم؟

د. ليلى نقولا الرحباني

يوماً بعد آخر يتجه المشهد السوري إلى مزيد من التعقيد والمراوحة، وعدم استعداد أي من الأطراف المتحاربة وداعميهم الدوليين للتخلي عن خططهم السابقة، أو تعديلها لمصلحة حلّ سياسي بات يفرضه إدراك جميع الأطراف ألا حلّ عسكرياً للأزمة في سورية.

وفي المشهد السوري، ومباشرة بعد إنجاز الاتفاق النووي، يقوم الإيرانيون بتقديم مبادرة لحل الأزمة السورية، متّكلين على قدرتهم على إقناع الحكومة السورية بها، وعلى كلام إيجابي كان قد صدر عن موسكو بأن الأطراف الإقليمية المعادية للنظام قد تكون بوارد القبول بتسوية ما، تؤدي إلى مشاركة أوسع في الحكم في سورية، مقابل بعض التنازلات من هنا وهناك.

وفي حمأة هذا التفاؤل الدبلوماسي، تعود الأمور إلى نقطة الصفر، فيخرج وزير الخارجية السعودي من لقائه مع لافروف أكثر صراحة في رفض السعوديين بقاء الأسد في الحكم، ثم تالياً تسقط الهدنة في الزبداني، وتتعالى الأصوات الغربية متهمة النظام بقتل المدنيين في دوما.

كل هذا التأزّم يلاقي بشكل أكيد الإعلان الاميركي عن خطة تقسيم المنطقة على لسان رئيس الأركان في الجيش الأميركي؛ ريموند أوديرنو، من أن “تقسيم العراق قد يكون الحل الوحيد” لإعادة الهدوء إلى العراق، وأن المصالحة بين السُّنة والشيعة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم”، والتي تأتي مكمّلة لتصريحات السفير الأميركي السابق في دمشق؛ روبرت فورد، خلال محاضرة له في منتصف شهر تموز الماضي في “مركز دراسات الشرق الأوسط”، والذي اعتبر فيها أن التقسيم في سورية “بات تحصيلاً حاصلاً”، وأن عدة تصوّرات بشأن سورية “ستضع وحدة البلد في مهب الريح”، متنبئاً بتقسيم سورية إلى دويلات ست بدون حدود ثابتة، أما العاصمة دمشق فوضعها سيكون كوضع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية وقت ذروتها، بحسب فورد.

وعلى الجبهة المقابلة، يبدو أن الروس والإيرانيين قد وعوا بشكل أكيد ضرورة الاستمرار بتنسيق الجهود أكثر من قبل، فقد يلاقي مشروع التقسيم الأميركي آذاناً صاغية ورغبة من العديد من المكوّنات الطائفية في المنطقة، التي ما انفكت أبواق الفتنة تحرّضها باعتبارها فئات مظلومة، وقد يلاقي تجاوباً من السعودية – بالرغم من خطورته على السعودية ووحدة أراضيها – التي تفضّل أن تحصل على موطئ قدم في العراق وسورية بدل أن تخسر نفوذها بشكل كامل في البلدين.

أما الأتراك، فبالرغم من رغبة الرئيس التركي بضمّ جزء من سورية والسيطرة عليه تحت مسمى “المنطقة الآمنة”، إلا أن التقسيم كما هو مطروح من قبل الأميركيين، يعطي الأكراد السوريين دويلة في الشمال، والشمال الشرقي من الأراضي السورية، وهو أمر مستحيل أن يقبل به أي رئيس تركي، سواء كان أردوغان أو سواه، لما له من تأثيرات سلبية على الأمن القومي التركي ككل.

خطورة هذا الطرح الأميركي على المنطقة ككل، حتّم رداً إيرانياً مباشراً من قبَل الولي الفقيه، الذي اعتبر أن إيران ترفض رفضاً مطلقاً تقسيم المنطقة، وأنها ستسعى لإسقاط هذا المشروع، كما أعلن ذلك صراحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير بمناسبة الانتصار على العدو “الإسرائيلي” في حرب تموز.

وبالرغم من أن الروس لم يعلنوا موقفاً واضحاً من التقسيم لغاية الآن، لكن السلوك الروسي يشي بالاستعداد للاستمرار بمعركة كسر الإرادات، ولو غلّفوها بعبارات التعاون في مجلس الأمن والسعي للتواصل مع المعارضة السورية، وذلك من خلال إعلان موسكو عن تسليم سورية طائرات “ميغ 31” المتطورة، وإعادة التأكيد على عدم القبول بأي شروط مسبقة للمفاوضات، بالاضافة إلى البيان الروسي – الإيراني المشترك، والذي كان ضرورياً في ظل انخراط مسؤولين سياسيين وإعلاميين في حملة تضليل الرأي العام، وبثّ أخبار كاذبة حول تخلّي الروس عن حليفهم بشار الأسد، وأن الإيرانيين قدّموا “رؤوس” حلفائهم في المنطقة ثمناً للاتفاق النووي مع الغرب.

وهكذا إذاً، يبدو أن عنوان المرحلة المقبلة هي المعركة لمنع التقسيم في المنطقة، وستكون الكلمة للميدان السوري في رسم مستقبل المنطقة، فمن ينتصر تكون له كلمة الفصل في تقرير مصير المنطقة العربية بأكلمها، إذ إن التقسيم المفترَض لسورية والعراق سينسحب على كافة دول العرب بدون استثناء.. والسؤال المضحك المبكي: هل سيستطيع الإيراني إنقاذ بلاد العرب من التفتيت، أم أن العرب أنفسهم سيذهبون بأرجلهم إلى الانتحار عبر الدخول رأس حربة في مشاريع الدويلات المذهبية المتناحرة؟