في رحيل محمد الوهيبي …

يترجَّل المبدع الفلسطيني وقضيته وصيته

 عبداللطيف مهنا

تلد العذابات العربية الفلسطينية مبدعيها، وفي حاضنة المعاناة المديدة تشب قامات عديدة وتعلو، لكنها لاتلبث وأن تفاجئنا بغيابها ونثكل بمباغتته، لكنما هى تخلد وتبقى وتستمر فينا بما سطَّرته ونقشته مواهبها في سفر عطاءات أمة لاتنضب ولا تُمحَ ديمومتها من الواح الزمن. وحيث مرير الصراع الذي نخوض، وفي حومة تلاطم احلامنا واتواقنا بانكساراتنا، وأهوال ماعشناه وعايشناه وعاشنا في حقب “تكسَّرت النصال على النصال”، يظل الشعب العربي الفلسطيني ابناً باراً لأمة مجيدة ولاَّدة لمبدعيها حاملة لحاملي همومها ملهمة لراسمي اتواقها…ولاَّدة للمبدعين في كافة الحقول الإبداعية. وهذه إذ تعددت وكثرت فيها الرموز وتعالت القامات، فما نحن بصدده هنا هو واحد منها فحسب. إنه الفن التشكيلي الفلسطيني. أما دافعنا لهذا التخصيص، فهو فقداننا قبل أيام لقامة تشكيلية فلسطينية كبيرة برحيل الفنان التشكيلي المتميز محمد الوُهيْبي، ثم التخصيص من هذا التخصيص بوقفه على هذا الفقدان…
أولاً، علينا أن نقول بلا تردد، إن لفلسطين مبدعيها الذين حملوا قضيتها ولها من حملتهم القضية، والوهيبي واحد ممن حملوها…
وثانياً، أن للجبهة التشكيلية في صراعنا الوجودي حصتها ودورها وموقعها في متعدد اشكال النضال الوطني. مثلها مثل كافة جبهات الإبداع الأخرى في سائرحقوله المختلفة، التي قلنا أننا لسنا هنا في مقام التعرض لها. وإذ هى جبهة لها رموزها واعلامها الكبيرة، وهم غير قليل، بدءا بشيخها الراحل اسماعيل شموط وإلى يومنا هذا، لكنما عندي، ودونما انتقاص لأهمية أحد منهم، أن من بينهم من تفرَّدوا بما ميَّزهم فعلَّقهم أوسمة على صدر مسيرتها التي رافقت النكبة حاملةً حلم العودة رافعة راية التحرير، ولسوف يظل كل منهم مدرسةً بحد ذاته…إنهم، ناجي العلي، ومصطفى الحلاَّج، وثالثهم محمد الوهيبي…
الأول، اغتالوه في لندن فظل حنظلة يطاردهم من بعده وإلى أن يثأر منهم لشعب ووطن وأمة. والثاني، ترجَّل تاركاً لأجيالنا رائعته “ارتجالات”…إلياذته، التي لم يدعه قدره لأن يكملها وقد شارفت على المئة متر طولاً، والتي فيها تتنفس نقوش الفراعنة، وتتحدث الينا رُقم بابل، وتسامرنا لُقى اقيال حِمْيَر، ونستمع إلى أغاني الكنعانيين…أما الثالث فحسبه أن لوحاته، الوُهيْبيِّة جداً في خصوصيتها التقنية والفنية والإنسانية، هى سفر فلسطيني النكهة حافل حد الثمالة برواياته البصرية التي تنداح في رحابها حكايات الجدات، وساحات حميمة تتجسَّد في مساحاتها المحتضنة لرموز تعانق حفرياتها الأنيقة الملوَّنة، اساطيرنا الموغلة بعيداً في عريق مواريثنا الشعبية المنثالة متوازيةً في رتمها مع مسيرة تاريخنا البادىء مع التاريخ…
في شتاتنا حمل ثلاثتهم الوطن وكان قدرهم، أو هو قدر كل من هو مثلهم في جيلنا، أن يرتحلوا عن دنياهم بعيداً عنه، الأول في لندن، والثاني في دمشق، والثالث حيث يقيم معرضاً له في برلين. الأول، لم يقيَّض لي أن التقيه في حياتي إلا مرتين، واحدة في بودابست والثانية في بيروت. أما الآخران فصديقاي اللذين جمعتني وإياهم ووثَّقت عرى مابيننا أيامنا في شام الأمة…ومعارض “يوم الأرض”.
في الأول، قيل وسيقال، وكُتب وسيُكتب، الكثير، وفي الثاني، كنت واحداً ممن كتبوا عنه ما كتبت، أما الثالث، فيكفي قولاً الآن، أنه إنما كان من بين اقرانه نسيج وحده. بصمة خاصة. صدفة متفرِّدة، إذ هى لم تسبق فقد لايسهل تكرارها، وهى إذ تبدَّت فيها الروح الفلسطينية، تجلت في عطاءاتها الثرة ولم تفارقها اصالة شرقنا الساحرة، وتنهل بدائعها من فيض ثراء كامن في مواريث أمة عريقة…وهو إذ كان، وكما هو معروف عنه، الباحث الجاهد والرائد في صياغة تقانة مادته الفنية التي تفرَّد بها وحده، ولم يطوِّعها سواه، أو لم تنصع بعد لغيره، اسهم أيما اسهام في تطوير الحركة التشكيلية الفلسطينية والسورية، واستطراداً العربية، فبات بحق علماً له لونه الخاص ومكانته المميزة بين اعلام مسيرتنا التشكيلية الفلسطينية والعربية…
كان محمد الوهيبي بدوياً ورحل بدوياً. لم يك بدوياً لانحداره من مضارب عشيرة الوهيب المعروفة منازلها على ضفاف بحيرة طبرية فحسب، وإنما كان كذلك أيضاً في المحيتة وصفائه اللذين يرفدهما نقاء جوارح، أو كل هذا الذي يتبدى لك جلياً في اطلالته المتسمة برقة لاتفارقها طيبة وبساطة، أو ما لا تخطئهما عين، أو يفلت منهما انطباع لدى من يلتقيه لأول مرة، فما بالك بمن يعرفه…كان ذاك اللاجىء الطبراني الفقير، الذي ولد وحبا وقضى طفولته وصباه في حجرة وحيدة تضيق بخمسة عشرنفساً من اسرته في مخيم خان الشيح على مقربة من سفوح جبل الشيخ…أي بعيداً وليس ببعيد عن ضفاف طبرية، انتقل بعدها شاباً إلى مخيم اليرموك في دمشق، وإذ تمكَّن كهلاً من امتلاك بيت في حي دُمَّر، أذكر كم الحَّ علىَّ لزيارته في بيته هذا لكي يريني إياه، وكم كان فرحاً به فرحة طفل حصل آخيراً على لعبة تمناها طويلاً…
…كان الفلسطيني المكافح، وظل الفلسطيني الحالم بالعودة والعازف في بدائعه، بلاتوقف حتى رحيله، على رباب حزننا الفلسطيني المتعالي ايقاعات حلم عودتنا العنيد، هذا الذي صقلته المعاناة وتؤبده العذابات ويحفظه التوق وتحميه ملاحم التضحيات…يترجَّل المبدع الفلسطيني ووصيته أبداً قضيته، وهذا هو ما فعله الفنان التشكيلي الكبير محمد الوهيبى…