مصر، تحت حكم الخديوي “عبد الفتاح السيسي باشا”؟

الطاهر المعز

تقديم

افتتح نظام خليط العسكر ورجال الأعمال “القناة الجديدة” أو الفرع الجديد لقناة السويس يوم السادس من آب/أغسطس 2015 وسط ضجة إعلامية هائلة و”إجماع” مصطنع (حصل عليه النظام بالإكراه)، وتزعم الحكومة ان هذا المجرى المائي الجديد سيساهم في تنشيط حركة التجارة العالمية وزيادة إيرادات الخزينة المصرية، وحضر حفل الإفتتاح بعض رؤساء الدول، ومنهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند (كضيف شرف)، الذي شاركت بلاده (لما كان يحكمها نفس الحزب الذي ينتمي إليه هولاند وكان أمينا عاما له) في ما سمي بالعدوان الثلاثي سنة 1956، بالشراكة مع بريطانيا والكيان الصهيوني المحتل، كرد فعل على قرار تأميم القناة، وحضر أمير الكويت وملك البحرين وملك الأردن والرئيس السوداني عمر البشير هذا الإحتفال الضخم الذي تجاوزت تكاليفة ثلاثين مليون دولارا… ويهدف المشروع زيادة حجم الملاحة في القناة التي تعتبر ممراً رئيسياً مهماً يربط البحرين الأحمر والمتوسط، وكانت القناة، التي افتتحت سنة 1869 بعد حوالي عشر سنوات من العمل ووفاة آلاف العمال (هم فلاحون في الأصل)، مصدر الدخل الرئيسي لمصر، ورمزاً لاستقلالها، خصوصا بعد التأميم، ويمر عبر القناة نحو 7,5% من التجارة البحرية العالمية ونحو 40% من النفط المنقول بحرا، وتم إنشاء الفرع الجديد للقناة (72 كلم) خلال أقل من عام بتكلفة قاربت تسعة مليارات دولار، وتأمل منه السلطات مضاعفة طاقة الملاحة وزيادة الإيرادات السنوية من 5,3 مليارات دولار متوقعة للعام 2015 الى 13,2 مليار دولار سنة 2023 (ولا يعرف أحد كيف توصلت الحكومة إلى هذه الأرقام) وجعل منطقة السويس مركزا لوجيستيا وصناعيا وتجاريا، من خلال بناء عدة موانئ تقدم خدمات للأساطيل التجارية التي تعبر القناة، كما تروج الحكومة في الدعاية الرسمية أن هذا المشروع سيوفر أكثر من مليون وظيفة خلال السنوات الـ15 المقبلة، غير أن وكالة “بلومبرغ” الإقتصادية اعتبرت ان القناة القديمة لم تكن مزدحمة ولا يستدعي الوضع هذه السرعة وهذا الإشهار الضخم للقناة الجديدة وهذه التكاليف المالية، من أجل زيادة طاقة الاستيعاب، بينما يوجد في مصر ما لا يقل عن مليوني طفل مشرد، يعيشون في الشوارع، وبلغت النسبة الرسمية للبطالة نحو 14% وضرب الفقر المدقع أكثر من ربع الشعب، في حين يفوق عدد الفقراء 40% (بمقاييس الأمم المتحدة)… تعتبر قناة السويس أكبر مصدر للدخل في مصر بالعملة الصعبة إلى جانب السياحة وصادرات النفط والغاز وتحويلات العاملين في الخارج (هذه الأرقام والبيانات من وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب 05/08/15)

تهريج وتهييج إعلامي

جعلت الحكومة من افتتاح الفرع الجديد لقناة السويس حدثا استثنائيا في حياة مصر المعاصرة، ودعت مشاهير الفن ورأس المال وزعماء الدول لحضور حفل الإفتتاح الضخم، الذي يضاهي مهرجانات رئيس جهمورية افريقيا الوسطى “جان بيديل بوكاسا” عندما أعلن نفسه امبراطورا، بمباركة ولي نعمته، الرئيس الفرنسي الأسبق “فاليري جيسكار ديستان” (صديق أنور السادات)، وسددت الحكومة – من قوت فقراء مصر وشغيلتها- تكاليف هذا الحفل الضخم (نحو ثلاثين مليون دولار) وتكاليف الداعية المحلية والعالمية، إذ أجّرت الحكومة الشاشات الإلكترونية في بعض أحياء نيويورك (مثل ساحة “تايمز سكوير”) التي نشرت خبر افتتاح القناة أو ما ادعى النظام أنه “هدية مصر للعالم”، ومعظم الأمريكيين لا يعرفون أين تقع مصر أو أي بلاد أخرى، ربما باستثناء كندا وما تبقى من المكسيك التي استقطعت الولايات المتحدة 55% من أراضيها قبل قرن ونصف، وبلغت درجة الهرج داخل مصر حدا بعيدا، إذ تجاوزت مظاهر الزينة، في شوارع القاهرة والمدن الكبرى، بهرج الأعياد الدينية أو ذكرى 23 تموز/يوليو، وأعلنت الحكومة أسبوع التدشين “أسبوعا وطنيا” ويوم 6 آب إجازة رسمية، وصدرت طوابع خاصة لتخليد المناسبة، وألغت وسائل الإعلام المسموع والمرئي برامجها العادية منذ الصباح الباكر، وخصصت الصحف صفحاتها لمقالات المديح والتسبيح بحمد الرئيس العبقري الفذ والقائد الخالد ومنقذ البلاد والعباد المشير “عبد الفتاح السيسي” الذي ارتدى بالمناسبة بذلة عسكرية وشحها بما شاء من الأوسمة والنياشين الملونة التي لا يعرف أحد مبرر حصوله عليها، واستدرجت الحكومة شخصيات لم تكن معروفة بموالاتها للنظام، مثل سمير أمين الذي أظهر براعة فائقة في الكذب وكيل المديح “للرأسمالية الكمبرادورية” كما كان (وربما لا يزال) يسميها، والإدعاء “إن تمويل المشروع مصري وطني خالص، والقناة من إنجاز جيش البلاد، تصميما وإدارة وتنفيذا”، وذهب به التزلف والنفاق ان ادعى “إن مثل هذه المشاريع ضرورية لتنمية بلد بحجم مصر، إذا ما اقترنت بخطط للتنمية الصناعية والزراعية على الطريقة الصينية” (للتذكيرساند سمير أمين العدوان العسكري الفرنسي على “مالي” سنة 2013، ودافع عن موقفه بإصرار)، وبموازاة هذه الضجة الإعلامية المناصرة للنظام، والتي رددت ما ادعاه النظام في دعايته “أن القناة (الجديدة) تعتبر نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر المعاصر”، استهتر الإعلام وسخر (إلى حد الهجاء) من كل من تجرأ على نقد المشروع أو ناقش جدواه وتوقيته، وصنفه الإعلام في خانة الحاقدين على إنجازات 3أم الدنيا” في عهد السيسي أو “مرتزقة الإخوان وقطر”، وبشكل عام فإن الإعلام أخرج كل طبوله ومزاميره لمدح الرئيس العبقري الذي أشرف على إنجاز القناة وعلى سرعة تنفيذها، “بتمويل وطني”، متجاهلا تهجير مواطني شبه جزيرة “سيناء” الذي كانوا يسكنون قرب القناة منذ ما لا يقل عن قرن، إضافة إلى عدم جدواها وخطرها على البيئة والثروة السمكية على طول القناة، حيث تعتزم الحكومة إقامة مناطق صناعية ضخمة تتعاقد من الباطن مع شركات عالمية كبرى، ورهن مقدرات البلاد إلى الشركات الأجنبية، كما حصل مع القناة الأصلية ومطالبة الدائنين بتسديد القروض، قبل استعمار بريطانيا لمصر…

ادعت الحكومة والإعلام المصري (مع استثناءات قليلة جدا من الأصوات النشاز) وكذلك بعض الشخصيات التي كانت معتبرة ومحترمة من أمثال سمير أمين، كما ذكرنا أعلاه، إن “القناة الجديدة” هي مشروعٌ مصريّ خالص، لكن نظرة سريعة على قائمة الشركات المنفذة للمشروع تجعلنا نشكك في هذا الإدعاء الكاذب، فقد نفذ أعمال الحفر والتوسيع ونحو 85% من المشروع، تحالف شركات أجنبية (أو ما يسمى “كونسورسيوم”)، تسلّمت خمسة أجزاء من المشروع بأسعار باهضة، بسبب فترة الإنجاز القصيرة التي اشترطها الحاكم بأمره في مصر، ونفذ الجيش المصري حوالي 15% من المشروع، والجيش المصري عبارة عن مجموعة شركات كبرى تسيطر على أجزاء هامة من الإقتصاد المصري، تقدر بنحو 14% من إجمالي الناتج المحلي، ولا تخضع شركاته لأي رقابة برلمانية أو حكومية، ويطبق على العمال المدنيين في شركاته القانون العسكري الذي يمنع الإضراب والإحتجاج وأي شكل من أشكال مناقشة أو معارضة الأوامر، وقامت الشركات الأجنبية بأعمال البنى التحتية والحفر، بينها شركتا “فان اوورد” و”رويال بوسكاليس ويستمنستر” (هولندا) ومجموعتا “يان دي نول” و”ديمي” (بلجيكا ولكسمبورغ) وشركة “غريت لايكس” (أمريكا) و”الجرافات الوطنية” (الإمارات)، وتحمل المصريون تمويل المشروع فطرحت الحكومة سندات دين (محلية) بفائدة سنوية قدرها 12%

استحضار رموز الماضي

يتمتع الحكام الدكتاتوريون ببراعة فائقة في تنفيذ وإخراج المهرجانات الضخمة مع التركيز على الأشكال والرموز، ويبرعون في اختيار مستشارين إعلاميين “ومخرجي المسرحيات السياسية” ويحيطون أنفسهم بهالة من “القداسة” والنبوغ الزائف، وعندما تتعثر مشاريعهم أو لما تصل إلى طريق مسدودة، يضحون بهؤلاء المتزلفين ويحملونهم مسؤولية فشل مشاريعهم، وفي مسرحية رديئة تتطاول على التاريخ، وتستحضر شخصيات لعبت دورا سلبيا في تاريخ مصر الحديث، تقمص “عبد الفتاح السيسي” دور “الخديوي اسماعيل باشا” وأمر بإصلاح يخته الذي استخدمه لتدشين قناة السويس سنة 1869 في احتفال ضخم على أنغام أوبرا “عائدة” التي ألفها الموسيقار الإيطالي “فيردي” خصيصا لهذه المناسبة (بأجر عال طبعا)، وحاول السيسي إعادة التاريخ الذي تكرر في شكل مهزلة (على رأي فلاديمير لينين)، وحلقت في سماء محيط القناة طائرات “أف 16” التي سمح الكيان الصهيوني ببيعها إلى مصر وطائرات “رافال” التي لم تنجح فرنسا في بيعها، سوى لمصر (برشوة سعودية) وقطر، وقدرت تكاليف هذا الحفل المهزلة، الذي دعي له أكثر من خمسة آلاف شخص منهم حكام أوروبا (كما فعل الخديوي اسماعيل)، بتكاليف فاقت ثلاثين مليون دولار، كان يمكن أن تستخدم في تشغيل العاطلين أو علاج المرضى أو إيواء الأطفال المشردين… لم يستح “عبد الفتاح السيسي” من تقليد الخديوي اسماعيل، ولا غرابة في ذلك، ألم يعبر عن إعجابه وافتخاره، خلال “ملتقى دافوس” بعبقرية السادات الذي استسلم للعدو الصهيوني وسلمه مصر! الم يكن تحت إمرة حسني مبارك في جيش الطيران!، وللسادات قصة مع الخديوي إسماعيل ومركب (يخت) “المحروسة”، الذي ركبه السيسي يوم الإفتتاح، إذ أعاد السادات طلاءه سنة 1975 بحت اسم “يخت الحرية”، وأعاد السادات افتتاح قناة السويس خلال عرض احتفالي مكلف، والخديوي اسماعيل الذي أعجب به السيسي والسادات، شخصية تحب البذخ والتبذير (من مال الشعب المصري الكادح)، وكان معجبا بمظاهر الغرب الخارجية، ففتح مصر أمام الرساميل الأجنبية التي كانت تبحث عن أسواق خارجية وعن مستعمرات، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان يأمل أن تصبح مصر جزءا من أوروبا، لكن من دون “وجع الدماغ” المتمثل في حرية التعبير والصحافة والحريات السياسية،  وقد يكون هذا حلم المشير عبد الفتاح السيسي، الذي يناهض (كضابط خدم تحت إمرة حسني مبارك) كافة أشكال حريات البشر وحقوقه، ولا يعترف سوى بحرية رأس المال في الإستغلال والربح، وبحسب صحيفة الأخبار اللبنانية (06/08/2015) فإن مبلغ ثمانية مليارات دولار (أو تسعة مليارات دولار) التي أنفقت على هذه التفريعة الجديدة من القنال، كان يمكن أن تكفي لبناء خطاً أو اثنين للمترو، أو أن تعيد بناء منظومة سكك الحديد المتقادمة والمتهالكة، وتحديثها في خدمة ملايين المواطنين في حياتهم وأشغالهم، أو، حتى، إنشاء قطارٍ سريع (بالمقاييس العالمية) بين القاهرة والإسكندرية، ولكن هذه الأموال أنفقت للإسراع في شقّ مجرى مائي لن تحتاج إليه السوق لسنوات مقبلة، واحتفالٍ باذخ يسمح بتتويج عبد الفتاح السيسي ملكاً جديداً على مصر، ليمكنه تبرير وعوده أثناء حملته الانتخابية التي ركز خلالها على إعادة الأمن  و”انعاش الاقتصاد مثلما كان قبل أن يتدهور منذ اسقاط الرئيس الأسبق حسني مبارك”…

الجدوى الإقتصادية للقناة الجديدة (أو الرافد الجديد)

سبق أن أنشأت الحكومات المصرية تفريعات أو تحويلات مشابهة وليست هذه المرة الأولى، عكس ما تحاول أن توحي به الحكومة ووسائل الإعلام، وسبق بناء تحويلات مشابهة، ثلاث في سنة 1955 قبل التأميم، ومثلها سنة 1980، وهي لا تقل طولا عن التفريعة (أو “القناة”) الجديدة، ولكن الدعاية والبهرج كانا هذه المرة أعلى ضجيجا، لأن النطام “الجديد” يريد أن يظهر للعالم أن الإستقرار مستتب في مصر، بعد نحو أربع سنوات من “الفوضى” والمظاهرات والإضرابات (التي منعها الجيش)، ويمكن للقوى الإمبريالية الإعتماد على السيسي لحث الرأسماليين على الإستثمار في مصر، بعد أن أوعز نظام الحكم إلى القضاء بإطلاق سراح رجال الحكم السابق، بمن فيهم الفاسدون واللصوص، وأقر قانون الطوارئ لقمع أي حركة معارضة أو صوت معارض، واستنجد بالشركات الأجنبية التي استخدمت أحدث تقنيات وأجهزة الحفر وامتصاص المياه، لبناء التفريعة الجديدة خلال فترة 12 شهرا، وقد يكون هذا هو المستهدف وليست الجدوى الإقتصادية البحتة، ولكن التهريج الإعلامي والسياسي، والحملة الواسعة تحت شعارات ديماغوجية مثل”مصر بتفرح” و “القناة هدية أم الدنيا للعالم” واعتبار أسبوع التدشين “أسبوعا وطنيا”، كل هذا لا يمكن أن يطمس الدراسات الجدية والتوقعات الإقتصادية للمردود الضعيف أو السلبي للقناة أو التفريعة الجديدة…

تتسع القناة التي دشنها الخديوي أسماعيل لمرور السفن في خطّ واحد، وتساهم فترات الإنتظار في أماكن مححدة، لمرور السفن في الإتجاه المعاكس، في تطويل فترة الرحلة، وتم إنشاء عدة تفريعات (بين 1955 و 1980) للتخفيف من مدة الإنتظار، على نصف المسافة، وأعلنت الدعاية الرسمية أن التفريعة الجديدة ستخفض وقت الانتظار من 18 إلى 11 ساعة، ولكن الحكومة و”هيئة قناة السويس” بالغت كثيرا في تضخيم عدد السفن التي ستعبر القناة ونفخت في قيمة العوائد المفترضة، المبنية على افتراضات غير واقعية لنمو الإقتصاد والتجارة العالميين، ونمو حجم الملاحة البحرية بنسبة 9% سنوياً حتى 2023 (انظر أسفله) دون مراعاة التباطؤ الإقتصادي…

تطلب إنجاز المشروع الحالي استخدام 70% من جرَّافات العالم، بالثمن الذي طلبه أصحابها، وكان يمكن إنجاز التفريعة الجديدة للقناة خلال ثلاث سنوات بتكاليف أقل، واقترضت الحكومة 64 مليار جنيه من خلال الاكتتاب الشعبي في شهادات استثمار، إضافة إلى قرضين من مصرفين محليين (ومعظم المصارف فروع لمصارف كبرى أجنبية متعددة الجنسية)، فيما استفادت فعليا (وليس افتراضا) 400 شركة خاصة من حفر المجرى المائي الجديد، شغلت حوالي 25 ألف عامل بشكل مؤقت (ظرفي)، في ظروف صعبة لا تتوفر فيها شروط السلامة للعمال، باستثناء المشرفين من الفنيين والمهندسين ولإداريين، وتروج الحكومة انها تخطط لبناء موانئ جديدة وستة أنفاق لسكك الحديد والسيارات، وآبار مياه بهدف استصلاح 50 ألف فدان من الأراضي الزراعية، وقد يتحقق بعض من ذلك… أما شبكة “بلومبرغ” الإعلامية الإقتصادية الأمريكية فقد نشرت دراسة (يوم 05/08/2015) تشير ان القناة الأصلية ليست مزدحمة وانخفض عدد السفن العابرة بنسبة 20% عما كان عليه سنة 2008 ولم ترتفع حركة السفن في قناة السويس سوى بنسبة 2% خلال عقد كامل، ولا تحتاج التجارة البحرية حاليا أو في المستقبل المنظور، حفر وتوسعة القناة بمبلغ ضخم اعتبرته هدرا للمال العام، وبالتالي فإن الجدوى الإقتصادية منعدمة، بينما يتحفظ خبراء آخرون ويشيرون إلى “النتائج الاقتصادية غير الواضحة للمشروع”، ويتوقع صندوق النقد الدولي ووكالة “بلومبرغ” (وهما من نفس المدرسة) انخفاض معدل نمو التجارة العالمية من 7% خلال العقد 1998-2007 إلى 3,4% في الفترة من 2007 – 2016، وعلى أي حال، فإن السرعة ليست عاملًا رئيسيًا لشحن الحاويات في الوقت الراهن بالنسبة لقطاع النقل البحري الذي يستخدم القناة، بل تكمن المشكلة في عدد السفن الزائد عن الطلب، وخصوصا تلك السفن الكبيرة التي بنتها دول آسيا، بحسب وكالة “فتش” للتصنيف الائتماني… أنفقت الدولة  بين 8 و 9 مليارات دولار على إنشاء المجرى المائي فحسب، أما المشاريع المكملة له فلم تنجز بعد، وتبقى التساؤلات المشروعة معلقة وبدون إجابة مثل: لماذا العجلة والإصرار على إنهاء المشروع خلال سنة واحدة (وهو أحد أسباب رفع التكلفة) في حين لا يوجد مبرر لذلك، نظرا للتباطؤ الإقتصادي العالمي؟

دولة مهملة لمواطنيها

تعمقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء منذ دشن السادات “عهد الإنفتاح الإقتصادي” المبني على الإستسلام للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ومنذ ذلك الحين ارتفع عدد سكان “العشوائيات”، وعدد الفقراء ونسبتهم من إجمالي عدد السكان، والأميين، والعاطلين عن العمل، وبلغت نسبة الإقتصاد الموازي نحو 40% من اقتصاد البلاد، إضافة إلى تفاقم مشاكل النقل والصحة والتعليم والسكن، ويقدر العدد الرسمي للمصريين المهاجرين إلى الخارج بأكثر من تسعة ملايين، إضافة إلى من هاجروا بشكل غير نظامي، وتواصل الحال، بل تدهور الوضع على مر السنين، حيث أهملت الدولة صيانة الطرقات والسكك الحديدية وشبكة توليد وتوزيع الكهرباء والمياه والصرف الصحي، فتعددت فترات انقطاع التيار الكهربائي في ذروة موسم الصيف، متزامنة مع عطب عدد من محطات ضخ المياه والصرف الصحي، وأدى تدني الخدمات إلى تكاثر عدد المدارس والعيادات والمصحات الخاصة، وعربات النقل الخاص، وأهملت الحكومة مخططات التطور العمراني، الذي لم يعد يتناسب مع ارتفاع عدد السكان وتطور حاجياتهم، وتصدر الدولة من حين لآخر تقريرا يفيد “ان 95% من المواطنين يستفيدون من شبكة مياه الشرب منذ أكثر من نحو عشر سنوات” وإذا افترضنا جدلا أن النسبة صحيحة، فإن هذه التقارير لا تذكر عدد الساعات القليلة التي يحصل فيها المواطنون يوميا على الماء في بيوتهم، وذلك بسبب تقادم البنية التحتية للشبكة وقلة الوقود (الضروري لتشغيل محطات الضخ)، كما لم تخطط الحكومة (الحالية وسابقاتها) لمجابهة حالات الطوارئ (إسعاف، إطفاء، إنقاذ…) عند انهيار العمارات والحرائق في المناطق العمرانية وحوادث القطارات والعبارات التي يذهب ضحيتها سنويا عشرات، إن لم يكن مئات المواطنين، وعموما فإن قيمة الأصول المالية للهيئات الإقتصادية الحكومية تبلغ نحو تريليون جنيه (نحو 135 مليار دولار)، ومع ذلك تخصص مبالغ هزيلة لصيانتها، وتلتهم الديون وفوائدها جزءا هاما من المال العام، وقدرت قيمة فوائد الديون العامة فقط -دون سداد الأقساط- ب244 مليار جنيه (31,1 مليار دولار)، بينما تشن الحكومة حملة معادية تستكثر على الموظفين البالغ عددهم 6,5 مليون موظف (لتسعين مليون نسمة) رواتبهم التي تقدر قيمتها ب2,018 تريليون جنيه (257 مليار دولار) ويطالب الأثرياء وصندوق النقد الدولي بخفض موازنة التعليم التي تبلغ 105 مليارات جنيه (13,4 مليار دولار) والصحة 48,7 مليار جنيه (6,2 مليارات دولار) والاستثمار 75 مليار جنيه (9,5 مليارات دولار) ولا يبلغ مجموعها قيمة فوائد الديون التي كبلت كاهل المواطن الذي لم يستفد منها، في دولة تميزت بالفساد والرشوة وشراء الذمم في كل مراحل إنجاز المشاريع، من العطاءات إلى متابعة عقود التشغيل والصيانة الدورية وتعيين المشرفين على مراقبة هذه المراحل، وسادت لدى المواطنين (في مصر وبقية البلدان العربية) فكرة سلبية عن القطاع العام وخدماته، وهو ما هدفت إليه الحكومة لتبرير خصخصة التعليم والصحة والنقل وغيرها من المرافق التي أنشأتها الدولة من عرق المواطنين الكادحين (الأرقام والنسب صادرة عن مركز الدراسات الإقتصادية – دار الأهرام)

 دولة الأثرياء

أممت الدولة قناة السويس يوم 26 تموز/يوليو سنة 1956، خلال حكم “الضباط الأحرار” بقيادة جمال عبد الناصر، وكان قرار التأميم سببا مباشر للعدوان الثلاثي على مصر (بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني)، ويعتبر قرار التأميم تجسيدا لإرادة الإستقلال والتحكم في الموارد، واليوم أصبحت القناة مرتعا للسفن الحربية الأمريكية والصهيونية، منذ انبطاح النظام المصري بقيادة “أنور السادات” أمام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وفرط في سيادة البلاد (اتفاقيات كامب ديفيد)، وعاد جزء من سيناء إلى مصر بسيادة محدودة ومراقبة من الخبراء العسكريين الأمريكيين، وروجت الحملة الإشهارية الضخمة للحكومة الحالية إلى “الإنجاز القومي العظيم” (أي القناة الفرعية الجديدة) الذي سيدر عائدات هامة على الاقتصاد، ولكن نظرة متفحصة للميزانية تشير ان هذه الحكومة عمقت توجها سابقا، يتمثل في تهميش تحصيل الضرائب من الأثرياء، لمصلحة الريع، ومن الأمثلة على ذلك زيادة الإيرادات من المناجم من 2,5 مليار جنيه سنة 2014 (لم يُحصَّل منها فعلياً سوى 182 مليون جنيه) الى أكثر من 10 مليارات جنيه في الميزانية الحالية، ورفع قيمة بيع أراضي الدولة من 368 مليون جنيه سنة 2014 (حصلت الدولة 231 مليون جنيه منها فقط) الى أكثر من 12,8 مليار جنيه، في حين قررت الدولة تأجيل تحصيل ضريبة الأرباح الرأسمالية لمدة سنتين، وخفضت الحد الأقصى للضريبة على الدخل من 25% الى 22,5% مع إلغاء الضريبة الاستثنائية الإضافية على الدخل المرتفع بنسبة 5% لمدة ثلاث سنوات، وعدم توفر الإرادة السياسية لتطبيق الضريبة العقارية (راجع “كنعان” النشرة الإقتصادية، عدد 286 بتاريخ 22/08/2015)، ولبت الدولة رغبات المستثمرين ومطالب الأثرياء، وأهملت مطالب الأجراء (الحد الأدنى والحد الأقصى للرواتب) والفقراء، وقدرت الموازنة الحالية إيرادات الدولة من الضرائب بنحو 14,9% من إجمالي الناتج المحلي (15% في الموازنة السابقة) لترفع من ضريبة الإستهلاك ومن الإيرادات الريعية…

تمكن خليط من الفئات البرجوازية الموالية لأمريكا (وتوابعها) من امتطاء انتفاضة الشعب المصري (وكذا حصل في تونس أيضا) وشطبوا كل مطالب الشعب، وأعادوا رموز فترة حسني مبارك إلى الواجهة، مع تبرئة هذه الرموز من كافة التهم الموجهة لها من فساد وقتل وسرقة، كما ألغوا حرية الرأي وحرية التظاهر والإحتجاج، باسم “مكافحة الإرهاب”، ورفضوا تلبية مطالب العمال، بل أقروا قوانين تمنع الإضراب، وقضوا على القطن المصري ذي الجودة العالية، مع ما ينشأ عن ذلك من إفلاس الفلاحين وإغلاق المصانع ذات الشهرة العالمية، وورطوا الجيش المصري في معارك تخدم الإستراتيجية الأمريكية (ليبيا، اليمن) بينما لا يستطيع هذا الجيش إدخال السلاح أو التحرك بحرية في سيناء… ما الذي يمكن انتظاره من هكذا نظام؟ وما الذي يفرقه عن فترة حكم أنور السادات أو حسني مبارك؟

إن عمال المحلة الكبرى وحلوان والنقل الحديدي والقضاة الشرفاء وموظفي الضرائب وغيرهم، تمكنوا من الإطاحة بحكم حسني مبارك الذي دام أكثر من ثلاثة عقود، وهم قادرون على الإطاحة بالحكام الحاليين، لكن هل أنجز ثوريو مصر دراسة عن أسباب السطو على الثورة وهل يوجد بديل وبرنامج سياسي واقتصادي، قابل للتطبيق اليوم في حال الإطاحة بالحكم الحالي؟ هنا تكمن المشكلة…