اتقدت النار في نفايات لبنان !

ثريا عاصي

يتصاعد الدّخان من كُوَم النفايات في بيروت، لقد توقّف أمراء الحرب، حكام لبنان، عن طمر فضائحهم، فصار سطح الأرض في بلاد الأرز كمثل باطنها متسخاً، ملوثاً. انتشرت الروائح الكريهة، لم يجد ثوار بيروت صعوبة في معرفة مصدرها، لبسوا قمصانهم البيضاء التي كُتب عليها «هذه رائحتكم» ثم توجهوا إلى الميدان، «ساحة رياض الصلح « في بيروت، قريباً من مقري الحكومة والمجلس النيابي الذي يحتلّه نواب يمدّدون بالإجماع مدّة توكيلهم بتمثيل الشعب القانونية، ويصوّتون بالإجماع أيضاً على زيادة رواتبهم ومخصّصاتهم ! ويشكّلون حكومات متشابهة، يتقاسمون المقاعد الوزارية فيها على أساس طائفي مذهبي مافياوي . فهم «ما يتعلقون من الدين إلا باسمه ولا يعرفون من الإيمان إلا رسمه» (مقتبس عن نهج البلاغة)!
ما يثير الحيرة في هذه المسألة هي القمصان البيضاء! من هي الجهة التي أعدّتها ووزّعتها على الشبّان الطيبين السلميين الذين نزلوا إلى الميدان؟! لم يجدوا هناك الذين تنبعث منهم الروائح الكريهة. كان باستقبالهم عناصر من الأجهزة الأمنية. بصيغة الجمع. لكل فريق في لبنان جهازه الأمني!
أخشى ما يُخشى هو أن تتحوّل «ثورة النفايات» في لبنان، إلى «ثورة ربيعية عربية»، وأن يكون في صفوف المتظاهرين، وائل غنيم المصري، أو توكل كرمان اليمنية. اللهم نجِّ لبنان وسكانه من جريمة قتل أو حرق. فلا يُضرم النار بنفسه «بوعزيري» لبناني ولا يصاب «حمزة الخطيب» لبناني بأذى! أغلب الظن أنّ كثيرين من النواب الممددين ومن الوزراء ومن كبار الموظفين، ومن القضاة المعيّنين والناجحين و«المنَجَّحين» سوف ينضمّون إلى الثورة ضدّ النفايات، وسوف يتبرأون من الروائح الكريهة!
تحضرني في هذه المقاربة ذكرى استشهاد المرحوم معروف سعد نائب صيدا في 6 آذار 1975 الذي أصيب أثناء تظاهرة عمالية مطلبية. وقعت جريمة عين الرمانة بعد حوالى الشهر، في 13 نيسان 1975 فكانت الشرارة التي أشعلت الحروب في لبنان . آنذاك «سقط النظام» فلا حاجة إلى إسقاط نظام ليس موجوداً!
ما يُدهش في هذه المسألة إلى حدِّ الذهول، هو أنّ «ثورة القمامة والروائح» في بلاد الأرز تتلازم مع لجوء المستعمرين الإسرائيليين إلى تصعيد تدخّلهم العسكري في الشأن السوري واللبناني تحت حجّة درء خطر « خلايا مقاتلة « يزعمون أنها تأتمر من الحكومة الإيرانية أو أنها « تابعة» لفيلق القدس الإيراني، كأنَّ المستعمرين الإسرائيليين يريدون توجيه رسالة تفيد بأنّ انتصار سوريا في الحرب التي تتعرض لها هو انتصار لإيران، هذا من جهة، أما من جهةٍ ثانية فمن المعروف أنّ المقاومة في لبنان هي بحسب الدعاية الإسرائيلية، امتداد للقوات الإيرانية، قد يكون مردُّ هذا إلى محاولة تعطيل التوقيع على اتفاقية الملف النووي، بناءً عليه، لا يرضى المستعمرون بانتصار سوريا ولا ببقاء المقاومة!.
ينجم عنه أنّ الأخيرة منشغلة في مواجهةٍ مع العدو الإسرائيلي، وبالتالي، هي بلا شك، غائبة عن مسألة كمثل مسألة النفايات، أو قل إنّها على الأرجح تُفضِّل التوصّل إلى التهدئة السياسية على الساحة الداخلية مع كافة الأطراف.
مجمل القول: إنّ الخوف هو من أن تنتشر النار من كومة نفايات إلى كومةٍ أخرى، لا سيّما أنّ النفايات تُغطّي مساحة لبنان، فنكون حيال استهلالٍ لـ«ثورة أرز» ثانية، لانتفاضة أو «ربيع عربي» في لبنان. اللافت للنّظر هو سرعة ارتفاع سقف مطالب المتظاهرين، حيث بدأت تُسمع شعارات كمثل «إسقاط النظام»! كأنّ النظام في لبنان لم يسقط، قبل أن يرى الكثيرون من المتظاهرين النور! بالإضافة إلى شدّة القمع. القمع يؤجِّج نار الفتنة! الثأر.
لا يوجد في لبنان نظام سياسي بالمعنى الحقيقي. لقد غزا المستعمرون الإسرائيليون هذه البلاد، نتج عنه نهوض مقاومة ضدّهم. لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، لوجدنا أنّ ما يجري في لبنان، على كافة الصعد السياسية، وتحديداً على صعيد تفعيل التبعية لآل سعود، منذ أن أجبَرَتْ المقاومة الإسرائيلين على الإنسحاب من الأراضي اللبنانية، يدور حول كيفية تنفيد خطط تحجيم المقاومة ونزع سلاحها.
الجديد في لبنان هو المقاومة التي تعني عملياً الانضمام إلى تحالف إقليمي ضدّ المستعمرين الإسرائيليين، بصرف النظر عمّا لدينا من ملاحظات على نقاط قوة هذا التحالف ونقاط ضعفه والثغرات الظاهرة في أدائه، ولكن هذا موضوع آخر، بالتالي ليس مستبعداً، إذا صحّت الفرضية بأنّه من المحتمل أن تتحوّل «ثورة النفايات»، إلى ثورة عربية، علماً أن الثورة بالمفهوم العربي ـ الإسلامي هي في جوهرها فتنة مذهبية أو إثنية أو قبلية، وأن تكون الغاية هي إغراق المقاومة في نفايات لبنان.
أما «البوسطة» فقد تعترضها هذه المرة جماعات إسـلامية على الطريق بين ضاحية بيروت الجنوبية ونهر الليطاني جنوبا!!.