الدور الوظيفي لـ «داعش» وأخواته

معتز حيسو

لا مجال للشك بأن الخلاف بين الحركات الجهادية لا يتجاوز مستوى التباين الشكلاني. فهي في جوهرها العقائدي متماثلة ومتماهية إلى حدود التطابق. أما تأكيد بعض الجهات على وجود فوارق نوعية بين تلك المجموعات، فهو يهدف إلى تبرير ممارسات بعض منها والدفاع عنها، ويتجلى ذلك من خلال نزع صفة التطرف عنها وتحميلها صفات وطنية. وغالباً، فإن من يتنطح للدفاع عن تلك المجموعات هم أطراف غير قادرة على فرض وجودها المستقل سياسياً وميدانياً. وهذا ينطبق على بعض أطراف المعارضة السورية وفصائلها المسلحة. وهؤلاء يندرجون غالباً في سياق سياسات دولية وإقليمية داعمة لتلك المجموعات.
تخضع مواقف الدول الداعمة للمجموعات المسلحة إلى جملة من العوامل والانعطافات والحسابات السياسية الإقليمية والدولية، وأيضاً الميدانية. لذا، فإنها عرضة للتغيّر، ويتضح ذلك من خلال تتبع المواقف الدولية والإقليمية من تلك المجموعات. فكان مثلاً يُنظر إلى «الجبهة الإسلامية» كطرف معتدل تمكن المراهنة عليه في قيادة الوقائع الميدانية، لكن ذلك تغيّر نتيجة عوامل متعددة. فعلى امتداد الأزمة السورية، تغيرت المواقف الدولية والإقليمية من المجموعات المسلحة كافة، وليس فقط من «الجبهة الإسلامية» و «الجبهة المشرقية» و «ثوار سوريا» و «حركة حزم»… ومن البداهة بمكان أن يتكرر ذلك مع «جيش الفتح» و «جيش الإسلام» و «حركة أحرار الشام». وهذا يعني أن المجموعات المسلحة كافة بما فيها «المعارضة المسلحة المعتدلة» لن تكون بمنأى عن التحولات والتجاذبات الدولية والإقليمية. ذلك لأن دعم أي من تلك الأطراف يتحدد انطلاقاً من منظور وظيفي مرحلي. ويدلل على ذلك ارتباط نشوء وتلاشي تلك المجموعات بعوامل متعددة منها: ضغط التحولات الميدانية والمواجهات البينية داخل المجموعات المسلحة، وبينها وبين القوات العسكرية النظامية، وتبدّل المواقف والتحالفات الدولية والإقليمية، واندماج وذوبان بعض المجموعات بأخرى تحظى بدعم واعتراف خارجي.
ومن المعلوم أن تراجع الاعتراف الدولي بـ «جبهة النصرة» كأحد مكونات «الثورة السورية»، واعتبارها حركة إرهابية، وخوف الجبهة من مواجهة المصير ذاته الذي تواجهه «داعش»، كل ذلك، جعلها تنازع «جيش الإسلام» و «أحرار الشام» على الاعتراف الدولي كمدخل يمكِّنها من فرض سيطرتها على المناطق التي ينسحب منها «داعش» والجيش السوري، وتحاول تعزيز ذلك من خلال تقديم نفسها كقوة إسلامية معتدلة. ويندرج في السياق ذاته، وإن كان من باب المشاكسة، قيامها بخطف عناصر دربتهم واشنطن.
في الإطار نفسه، لكن من موقع مختلف، فإن تاريخنا لم يخلُ من حركات وطنية محمولة على أيديولوجيا دينية. لكن ذلك لا ينطبق في اللحظة الراهنة على المجموعات المتواجدة في سوريا وغيرها من بلدان العربية. إضافة إلى ذلك، كان واضحاً أن سيرورة ومآلات الأحزاب والحركات الدينية كانت تتناقض بنيوياً مع أبسط المعايير والأسس والمقدمات الديموقراطية.
في ما يخص «داعش» وأخواتها من المجموعات المسلحة، فإن دورها الوظيفي إضافة إلى افتقادها للمنطلقات والأسس الوطنية والديموقراطية والشرعية الشعبية، يوضّح أسباب اشتغالها على إجهاض التحولات الوطنية الديموقراطية، وفرض نموذج أيديولوجي عقائدي أحادي يُكفّر الآخر ويهدر دمه. وهذا يستدعي التدقيق في ربط بعض المحللين والمتابعين نهاية الصراع في سوريا بالقضاء على المجموعات الجهادية.
إن بعض الحكومات الإقليمية والدولية ترى أن دعم تلك المجموعات يشكل مدخلاً إلى تحقيق مشاريعها السياسية مثل تغيير الخرائط الجيو سياسية، والقضاء على الجيوش العربية، وتفكيك بنية بعض المجتمعات والأنظمة العربية، وتدمير عوامل القوة الكامنة في دول ومجتمعات محددة»، وهذا يعني أن ما يجري في سوريا ودول عربية أخرى يحمل أبعاداً ومستويات متعددة. وبداهة، فإن تحقيق تلك الأهداف يتم إيكاله إلى مجموعات جهادية تكفيرية تعمل في سياقها الوظيفي، إضافة إلى ما ذكرناه، على تدمير الحضارة والتاريخ والمنطق والعقل العقلاني. لذلك، يجب التأكيد أن نهاية الصراع في سوريا وغيرها من بلدان عربية، لا يتوقف على ما يراه من يقاتل تلك المجموعات، حتى وإن كانت مواقفه من ضرورة هزيمة تلك المجموعات كمدخل إلى إنهاء الصراع صحيحة. فالدول الداعمة للإرهاب في المنطقة، لن تقوم بدور حقيقي في مواجهة تلك المجموعات، إلا بعد أن تُنجز الأخيرة مهامها، أو تعجز عن ذلك بشكل كامل. وكان ذلك يدفعنا للتأكيد أن ما يجري هو إعادة توضيب المنطقة من منظور المصالح الإستراتيجية لقوى إقليمية ودولية كبرى. ولا يشذ عن مواقف الدول الداعمة للإرهاب من يرى أن قضاء تلك المجموعات على أنظمة عربية سينهي أزمة الصراع، ويفتح الطريق للانتقال إلى أشكال سياسية أكثر ديموقراطية. وبالنظر إلى ما تحمله تلك المجموعات من تخلف وتطرف وعنف تتجلى في مناطق سيطرتها، فإن تلك المواقف باتت مجالاً للتّندر. أمّا خروج بعض المجموعات المتطرفة عن إرادة الدول الممولة لها، إضافة إلى تناقضاتها الداخلية والبينية، فسوف يزيد من تعقيدات الصراع، ويضع شعوب المنطقة على عتبة صراعات لن تنتهي بإسقاط بعض الأنظمة، لكنه سيشكّل مدخلاً إلى صراعات دموية على أنقاض دول ومجتمعات عربية متعددة، وبين بقايا مكونات اجتماعية يتم تأهيلها كأدوات اشتغال وظيفية لرسم ملامح مستقبلنا السياسي.
إن القضاء على المجموعات الإرهابية التكفيرية، وتجفيف منابعها الأيديولوجية، يُشكلان المدخل إلى إنهاء الصراع في سوريا وغيرها من الدول. لكن ذلك يستوجب التساؤل عن صدقية الدول الداعمة للإرهاب في دعواتها إلى ضبط ومحاربة تلك المجموعات تحديداً، كون الأخيرة تقوم بمهام تحددها دول تدّعي محاربة الإرهاب. إضافة إلى ذلك، فإن صعوبة القضاء على تلك المجموعات تكمن في امتلاكها عوامل القوة وتحوّلها إلى مجموعات عابرة للحدود والجنسية، ويتزامن مع تلك الصعوبة تفلّت بعض منها من سيطرة داعميها، وانتشار العنف بأشكال ومستويات متعددة، حتى أنه بات يُشكّل آليات تفكير واشتغال لشرائح واسعة. وذلك يدلل على أن مصير الشعوب والأنظمة العربية سيكون مفتوحاً على تحولات واحتمالات شتّى. لكنها بالمجمل، ستكون مرتبطة بالتوازنات والمصالح الدولية والإقليمية.

:::::

“السفير”