الأكاديميا الغربيه هي عقل الإستبداد المتطور

أحمد حسين

الشرقي الذي يتأمل التاريخ الأكاديمي العام للبشرية اليوم، إما أن يحس بالضياع والهامشية، وإما أن يحس بالصدمة العقلية تجاه ذلك الإسترسال البحثي الممنهج المبني على ” الدقة والموضوعية التامة  “.  كيف حدث أن تاريخا بهذا الإلتزام والشرف الأكاديمي يمكن أن ينتهي إلى نتيجة مفادها أن : الغرب هو ما يقوله الغرب عن نفسه. والشرق هو ما يقوله عنه الغرب. حصل ذلك ببساطة بفضل التخريج المنهجي، وليس بفضل المنهج. فما دام استخدام المنطق الشكلى، أي المغالطة، ممكنا فليس هناك أية مشكلة. خاصة عند اختيار، وكيفية استعمال المراجع.  إن ” مرجعية ”  كفكاهة شيكسبير والشيخ زبير، تعتبر نموذجا فاضلا لدى سراق الحضارات المحترفين. لقد استبدلت أسماء المواقع العربية في فلسطين بأسماء، آرامية وكنعانية ويبوسية وغيرها لأن هذه الأسماء وردت منقولة في نصوص بالعبرية، وهذا دليل مرجعي كاف على أنها تسميات عبرية بالأصل. فالمنهج امرأة جميلة وفاضلة ولكن يمكن أن تغتصب أيضا وتحمل وتضع المولود المناسب.

هذه الفاجعة البحثية العامة سارية المفعول معرفيا على الجميع بمن فيهم الشرقيين، لأن الغرب سواء في نسخته الصهيوأوروبية  أو في نسخته الصهيومريكية هو عبارة عن سياق عقلى أكاديمي  مادي خالص أراد  البارحة  استعمار العالم، ويريد اليوم إمتلاكه. أي أن تطور السياق المعرفي للأكاديميا النوعية، استوجب تطور المصلحة وشمولها في ذات الأتجاه. ولعل ما يسمى روحانية الشرق، قد لعب على خلفية النوايا العدوانية الإستئصالية  للأكاديميا الغربية تجاه الشرق، دورا خفيا في التنكر الأكاديمي الصهيومريكي العنيف لهذا الجانب الأساسى من حضارة الشرق، والتركيز على مادية الحركة الوجودية وخلوها من أية قيمة غير مادية. إن الشرقيين هم بالنسبة للصهيومريكية عبيد المستقبل، ويفترض أن يسلموا بذلك بعد أن يتبين لهم سخف حضارتهم الروحية على أرض الواقع. والمغالطة المقصودة هي أن سخافات الشرقيين الروحية منعت الشرقيين من أي تقدم علمى أوعملى فاسترجعهم التخلف إلى ساحته.

وللعرب فصل خاص في علاقة الغرب بالشرق. ألعرب ليسوا الهند أو الصين. إنهم النقيض والعدو الطبيعي الموضوعي لأوروبا  بالجوار والقربى الحضارية. وفي أية علاقة بينهم وبين أوروبا، لا بد منطقيا وجدليا من التناقض الموضوعي بينهم بحيث يهدد كل طرف مركزية الآخر في السيطرة الإقتصادية  وتوابعها السياسية الثقافية.  إن الفاصل أو الرابط المائي الضيق بينهما يشكل رمزا للتطابق الضدي بينهما في أية علاقة أخرى في المجال الإقتصادي والثقافي والديني، بحيث أصبحت حتمية القرب الجغرفي والقربى الدينية بينهما هي التي تحتم الصراع. وآخر حلقات هذا الصراع انتهت بسيطرة تامة لأوروبا تحولت بعدها المنطقة العربية إلى فضاء استعماري أوروبي نجح خلاله العقل الأكاديمي لأوروبا، المسمى بالإستشراق، بدهاء وعنف مباشرين، في تخريب كل ديناميات وحتى إمكانيات الحضور العربي على أجندة العلاقة التي أصبحت حضورا من طرف واحد. لقد اقتصرت هذه العلاقة على العسكر والنهب ونشر الأمية العقلية والثقافية والعلمية في كل المجالات. لم يقطعوا الطريق على الوعي بل استأصلوا كل منابعه وآلياته في الشخصية العربية حتى تحولت الهوية العربية إلى علامة استفهام. وكان هذا كله على طريق الحلم الإستشراقي ( الأكاديمي ) نحو إلغاء المصطلح العربي من الوجود وإلى الأبد.

لقد تبلورت أخيرا العلاقة ذات الطرف الواحد، إلى مؤامرة شطب نهائية من جانب ذلك الطرف للحضور العربي. أي إلى مشروع إفناء عرقي وحضاري واجتماعي لا تراجع عنه، لأهميته المادية والمعنوية اللوجستية  الحاسمة  في  تحقيق المشروع الصهيومريكي الشامل. وما واجهه في سوريا من صدمة غير متوقعة، دفعه حتما إلى التمسك أكثر بهدفه الإلغائي،  حيث تأكد خوفه من حيوية ودينامية الشخصية الشعبية والقيادية العروبية  الملتزمة وقدرتها على مواجهة الشياطين ووحوش التمدن الشكلي.  فكيف يمكن الركون إلى المستقبل أمام فرضية نهوض عربي شعبي واسع على غرار سوريا وحزب الله بقيادة ملتزمة أقرب إلى المواطنة والتضحية منها إلى المنصبية ؟ إن كل يوم يمر يزيد من إصرار العقل الصهيومريكي الأكاديمي على أجندته الإلغائية الهمجية تجاه العرب. السياق الفعلي والكلامي يؤكد ذلك. فعلام ستفاوض سوريا ؟

غيلان الأكاديميا الغربية

الأكاديميا الغربية في عصرنا جهاز لخصخصة المعرفة والفن والعلوم الشفهية  والتطبيقية، واستعباد حركة الفكر، ودعم استبداد النظام  ونظام الإستبداد. وهي  تمثل تحكّم المنهج الشكلى للمصلحة، بنتائج التجربة المعرفية الجدلية، وتسخيرها لخدمة الإستغلال والسيطرة في العلاقات الإجتماعية عموما. كما أنا نظام تحويل المعرفة إلى كهنوت عقلي يتعقب أشكال التغييب الدينية في العقل السلوكي بالدعم، ويحول المتلقين إلى رعايا معرفيين موالين للنص المصنّع بالمنهج الأكاديمي المغالط. تصبح المغالطة  الغائية، (أي قوانين المنطق الشكلى ) هي المنتِج الفعلى لكيفية تداول النصوص  وتقرير صلاحيتها المكتسبة للتداول المعرفي. أي أن  النصوص يجري تعميدها أكاديميا، في كنيسة المنهج، قبل إثباتها في دستور المعرفة المتداول. وبهذا فإن المعرفة بزيها الأكاديمي هي ما يجب أن يُعرف، وهو ما تقرره شرطة النظام الأكاديمية الغربية التي تدير مصارف المعرفة التي توزع الدخل في العالم.

إن الإذرع العنكبوتية للأكديميا بدأت بإطلاق الغرب لحركة الإستشراق، الذي كان في أوله أقرب إلى هلاهل الثقافة الفكرية للعموم الرعوي المرتبط وجدانيا بالكنيسة، التي كانت في حالة تشبث يائس بأمجادها الإقطاعية الغابرة. كان ارتباط الأستشراق حينها بالتبشير، يبدو أوثق رسميا من علاقته بالمهام المحددة للغزو الأستعماري للشرق , ولكن التوافق الجدلي التلقائي بين مساري النفي الموحد للشرق والشرقيين الأثرياء والكفرة , حتم توحيد المسارين عمليا ومنطقيا في مسار واحد. فالهدف الإقتصادي قادر وبحاجة لاستيعاب فضيلتي نقل الحضارة والخلاص الديني للهمج التعساء  في الشرق. وفي غضون قرون معدودة نسجت الإمبريالية بتأن إبداعي، مؤسسستها الروحية للإستبداد المطلق على  شكل خلايا أكاديمية مترابطة عنكبوتيا، تغطي مساحة العالم تفصيليا بدود القز، الذي ينسج التهاويم الحريرية بخيوط من خفايا المعرفة الهادفة والغريزة الحرة لعبيد العالم الصهيومريكي القادم. ولم تعد الأكاديمية صفة للتبحر المعرفي النظري والتطبيقي، وإنما أهم مؤسسة في النظام العدواني الأمبريالي المحلي والعالمي، والحارس الفعلي لأمنه الإقتصادي والإجتماعي والسيادي الطبقي. أصبحت  مصممة للنمط الحياتي العام المستقر اعتقاديا على الولاء للنظام محليا، ومصممة  للعلاقة بالأخر الخارجي، من خلال نشاطاتها الثقافية الإرشادية وخبراتها المُسَفّرة، ومن خلال الجمعيات الخيرية والأهلية والإعلام الذكي التحويلي المسكلج أكاديميا، وبالتوظيف المباشر لكل أنواع الأكاديميين المحليين المحبطين والحالمين، في مشروع التصنيع العالمي للعملاء الأكاديميين  في الدول الأطرافية، كما يسميها الموظف الإستشراقي الإستدخالي إدوارد سعيد.  وبوضوح، أصبحت المراكز الأكاديمية الغربية، وأذرعها التأثيرية الطويلة والنافذة، المركز الدماغي والعصبي في الدول الغربية لنظام عولمة الإستبداد ” البناء “، الذي أنتج الصهيومريكية  الخلاقة، التي تقوم اليوم، بأكبر مشروع خلاق بعد حركة التطور الطبيعي الجدلي، لبناء عالم بشري متصوّر اقتصاديا فقط.

الغربي عموما، بما في ذلك أمريكا، خامة اجتماعية نشأت في أحضان ملابسة تاريخية للقوة والثراء الإقتصادي الملطخ بدماء  وذهب الشعوب الشرقية ” الهمجية “. ومن المؤكد أن الطفل الغربي في المتوسط المعيشي، كان يعي أنه محظوظ لأنه في الغالب يحصل على كل متطلباته في البيت والمدرسة والعطلة. وأن والده يملك سيارة جديدة تتبدل باستمرار. وسوف يدرك في سن معينة أن السبب هو أن دولته دولة غنية تعطي والده الموظف في البنك راتبا مرتفعا، وهي غنية لكونها دولة متقدمة وقوية ومتمدنة. وليس ذنبها أنها غنية ومتقدمة في عالم كل سكانه في الشرق متخلفون وشعوبه فقيرة وحكامه آلهة صغار ومستبدون ودمويون وليس لهم آداب مائدة ويتزوج الواحد منهم بمائة امرأة. وهذا الكلام، للأسف، صورة تكاد تكون دقيقة لواقع الحال في الشرق العربي والإسلامي  منذ وما بعده إلى الآن. جماعات بشرية تعيش التخلف والعزلة والغربة والإغتراب عن الوجود الواقعي، في فجوة من فقدان الذات والهوية الأرضية، لا يسمع في جنباتها إلا أصوات زبانية جهنم، وغناء طيور الجنة، وصفير الخراب.

والشرقيون كانت لهم في الماضي تجارب حضارية بنيت على الإستبداد والتعصب وحبهم للدماء، فلم يصمدوا طويلا وعادوا إلى الهمجية والتخلف كما نراهم اليوم. هكذا حاول الخبث الإستشراقي سلخ البنية العربية عن مركبها الحضاري المؤسس، والتستر على دوره المشترك مع مشروع الفقه الشعوبي، في تخريب تلك البنية عبر ” تهجير” المكوّن التاريخي  والعرقي والثقافي والحضاري العربي، ونفيه من سجل المعرفة، بالتهويد الفقهي، والقوة العسكرية.

هذا ما كان يسمعه الأكاديمي الغربي المستقبلي من  والديه في عصر النهضة الأوروبية ومن معلميه ويقرأه في الكتب والصحف ومن أفواه الخطباء في الشوارع. واستمر هذا في عصر الكاميرا والتلغراف واللاسلكي التي استطاعت ” إثبات ” هذه الرواية صوتا وصورة وتصوّرا.  كان التدمير والإستبناء الفقهي الممنهج دينويا، شاملا وجذريا حتي أنه لم يهمل علاقة الشرقي والعربي بحيوانتهما المنزلية، والتي كانت علاقة في منتهى القسوة  خالية من الرحمة والرفق.

لقد كان الإستشراق موجها،استبنائيا، إلى العقل والوجدان الأوروبي من حيث تكوين صورة العربي المريعة فى ذهنه، وموجه تدميريا عقليا ومعنويا ومعرفيا إلى البنية العربية، إلى درجة الإنشقاق التام  بين ثقافتها الدينية وهويتها القومية التي” تغضب الله ” وتغضب الغرب بالصدفة، والتنصل الفردي من الوعي الإجتماعي الذي يخالف ما يقوله الفقهاء. فلا مصلحة في الدنيا لمسلم سوى الآخرة وكل ما تبقى عبث. لقد نجح المشروع  الإستشراقي الفقهى فى إتلاف كل ديناميات الإعتزاز والوعي والمسؤولية الإجتماعية، وتكوين النموذج الهجري الفج والمريض، الذي استهوته العدمية المتنصلة من تكاليف الدين والدنيا، فلجأ إلى التستر عليها بالكذب والتظاهر والمنافقة في كل شيء. وبالمقابل مكّنت هذه الصورة المريعة  الأوروبي أن يشعر بكثير من الأعتزاز عندما يرى أساطيل السفن التجارية، حينما تبحر  بحماية السفن الحربية  إلى الشرق محملة بالسلع الصناعية، وتعود محملة بالذهب والعاج والتوابل والعبيد. وكان لا بد لهذا أن ينعكس على رهافة التمدن، والتعالى المتعالي للناشيء الغربي وتجعله  يحس بفضيلة المداخلة الأستعمارية، ربما كنوع من الوصاية التطوعية النبيلة، على أولئك الشرقيين التعساء. وعندما يصبح أكاديميا سيفهم اللعبة فهما براغماتيا بفضل المنهج الأكاديمي المحترف، لا يعود لديه صعوبة في الإعتزاز بجرائم الإبادة التي تمارسها بلاده ضد الآخرين لكونها ضرورة اقتصادية وطنية وأممية.

من هنا نري أن الأوروبي هو أولا، بحكم الظروف الموضوعية لتجربته، صناعة منزلية  ومدرسية وبيئية متمدنة ومتفوقة معرفيا وإبداعيا، على خلفية مداخلة “تجارية ” بالآخر المنفصل عن عالمه، في جغرافيا شبه عجائبية يعيش فيها أناس شبه  حقيقيين،لا يمكن التعامل معهم إلا بقوة  التمدن والتفوق التلقائي للمتحضر الأوروبي.  من هنا أعجب الأوروبي بنفسه إلي درجة ستشكله تدريجيا  بمساعدة أكاديمية  ليصبح  نازيا ثم صهيومركيا. سيصبح غاية في التمدن والخسة السلوكية والشعور بالإختلاف والنبالة التاريخية والأحقية في كل شيء ما دام يستطيع امتلاكه بالقوة. القوة هي القيمة ومصدرالحقيقة الوجودية، التي هي ببساطة صفقة بين القوة والمصلحة.

والقوة ليست همجية طائشة. إنها قوة همجية خلاقة لها منطقها في الوعي المتحرر من لعبة التوازنات التي عاشت على الحروب الساخنة، والصراعات الباردة، والسجالات العقيمة، بين نسب القوة في التاريخ العبثي. فإذا كان فشل التجرية التاريخية القديمة قائما على فشل لعبة التوازنات المتعددة الأطراف السيادية، فمن الطبيعي أن وجود  قوة سيادية واحدة عظمي، تفرض قوتها على الجميع البشري، وتبطل لعبة التوازنات الخرقاء والمدمرة، سيكون منطقيا  في مصلحة استقرار العالم. إن السمعة السيئة للإستبداد لا تمثل حقيقة الواقع الوجودي والقانون الطبيعي للحركة. إنها تمثل حالة الإستبداد التعددي القائم على المحاصصة المتوازنة، كما توهم الإجتماعيون من أمثال ماركس. إن النظام الماركسي الإشتراكي لم يصمد دورة عمرية واحدة. فالذين ساهموا في إقامته مشوا في جنازته. لقد اعتبر لينين أن الحزب الشيوعي هو قائد مسيرة الحرية والعدالة الإجتماعية لجميع شعوب الأرض، ولكن الحزب لم ينجح أن ” يحرر ” سوى الشعب السوفييتي  وحده، وطرد لينين من بطرسبرغ. إذن لا بد من  التوقف عن خزعبلات الفلسفة والأيديولوجيا، والبدء بتوزيع الهامبرغر  بدلا من توزيع حلوي الإنسانية الكاذبة على الناس. فما دامت الحياة هي غرفة مغلقة على الجحيم، وما دام الجحيم هو الأخر ( سارتر ) فلا مبرر لوجود العالم العبثي الذي نعيش فيه سوى التمرد على النص الوجودي لتحقيق وجودنا المغبون ومواجهة عبث الآخر بعبثنا نحن. مواجهة فوضى الوجود بحرية الفوضي. (انتهى سارتر صهيونيا  بالسقوط من الطرف الآخر لأنبوب العدمية  المجوف.)

هكذا قال أكاديميو الحداثة من المحافظين الجدد الأوائل وحتى اليوم. وطردوا كل الإشكالات التي تسبَّبَ بها التفوه البشري الأرعن، من معادلة العلاقة الحقيقية بين البشر وحياتهم، وأعلنوا جميعا أن ما يسمى  الإنسان، هو مجرد زكيبة من التفوّهات اللغوية السيكيولوجية،  تجعل منه إشكالا سياقيا, عليه أن يلتزم دوره البيولوجي ويكف عن الثرثرة.

ولم يكن أكاديميو القمة السيادية غائبين عن المشهد الذي طرحه الأكاديميون المتأزمون فكريا. لقد ادركت الأكاديمية الأقتصادية السيادية  دائما أن تغييب أو تحجيم الإجتماعي والإنساني، في الثقافة التاريخية للشعوب، تعني أزالة أهم العقبات أمام مشروعها الإستعبادي المنظم. وأن استغلال يأس االمواطن من نفسه ومن جدوى العلاقات الإنسانية في حل مشاكله المعاشية سيقربه من سيطرة النظام الإستبدادي، ويبعده عن سيطرة التفوّهات الجليلة كالحرية والعدالة والمساواة  وباقي كلمات الأهزوجة حول أهميته كإنسان. سيعود إلى أصالته البيولوجية، ويتعلم أن الأهمية  هي  لموقعه على مائدة الطعام. ومن المؤكد تقريبا أن دينامية الفوضى الخلاقة الموكلة للمشروع الفردي، ستصبح انعكاسا بديلا للتبني عن مشروع التاريخ الفاشل في الحرية الإجتماعية والعدالة الإقتصادية المجانية. سيتبلور عالم الرخاء النسبي الآمن والمستقر في ظل النظام الإقتصادي البراغماتي القائم على تكافؤ فرص الحياة والموت أمام الجميع.  وكان على المشروع الصهيومريكي أن ينظم نفسه الأكاديمية الملتزمة التي ستشكل عقل العالم الجديد تحت إشرافها المباشر.  فالدور كله لم  يعد التزاما بالآخر ” النظري”، بمدي ما أصبح التزاما بالنموذج التصوري للواقع  البشري الذي يجب أن يسود اقتصاديا. قال أكاديميو الغرب الحداثيون، أنه وراء الظاهرة البيو- اقتصادية للوجود  لن يقوم أي فضاء وجودي آخر، إذا تخلى البشر عن أوهامهم الجليلة حول أنفسهم. لن يعود هناك فضاءات وهمية للسيادة إلى جانب الظاهرة البيو –اقتصادية التي يجب أن تتحول إلى مسلمة الوجود الوحيدة. لذلك ما يجب تحقيقه بكل الطرق اللازمة، هوغسل البشر من أوهامهم القديمة ولو بالدم. وعلى الأكاديميا استعمال كل ذكاء وتلاعبات المنهج لتحقيق هذا الإستبدال النوعي للإنسان. إنها عقل  الإقتصاد والعلم والتكنولوجيا والعلمانية الليبرالية  الحديثة، أي عقل العالم الجديد. وهي أيضا عقل التفوق الغربي وسيادته المستحقة بمنطق القوة على فرض شكل النظام الجديد الذي يحتاجه العالم. وهو حتما النظام الإستبدادي المطلق الذي على بشر التاريخ الجائعين التفضل بقبوله رغما عنهم.

لقد توقفت كل السجالات  المعرفية التي لا تتعلق بمستوى المعيشة المرتفع لدى الغربي، وكيفية المحافظة على ارتفاعه باستمرار، لأن هذا هو الضمان الوحيد لاستمرار علاقة الحب بين النظام ورعاياه. ولم يبق في عقل الخبث الأكاديمي الغربي  سوى إشهار السجالات  الملحّة ميدانيا حول ترتيب أولويات الحاجات البيولوجية في المجتمعات المختلفة. من هنا بدأت البحوث العلمية المرعبة حول تآكل الثروات الطبيعية على الكوكب، مقابل جنون التضخم الديموغرافي  بين الشعوب المتخلفة التي تستهلك ولا تنتج.  ودُعّمت السجالات البحثية بالمجاعات المدبرة، والأوبئة  المخبرية التي جعلت الدواء  يزاحم الرغيف في آسيا وإفريقيا المنكوبتين بالريع النقدي المتأتي من الكدح في المناجم والحقول. وأكدت البحوث أنه على حل مشاكل الفقر والتخلف  يتوقف مصير عالم الكفاية والسلام الإقتصادي المقبل. فالعالم ملىء بفوائض البشر غير المنتجين الذين يستهلكون خبز غيرهم،   ويهددون أمن الحضارة الغربية بحجة أنها تهدد  أوطانهم وحياتهم وحرياتهم ومستقبلهم الإجتماعي والإنساني. وبما أن البشري في نظر الأكاديميا الخاصة بالمتخلفين  يمكن اعتباره قيمة اقتصادية، فقط إذا كان ينتج أكثر مما تنتج الآلة ويستهلك أقل منها ,  فإن وجوده بغير ذلك  عبء على الحياة واستقرار النظام. وهذا يعني، أكاديميا أيضا، أن على الناس أن يتدبروا التسليم  بمشاهد الكوارث الجماعية في المجتمعات الفقيرة بأسف هاديء، لأن للطبيعة وسائلها الخفية في درء خطر الإنفجار السكاني على سطح كوكب الأرض، وإعادة التوازن البيئي إلى نصابه. ومن الطبيعي والمنطقي أن تقع هذه  الكوارث في مواقع التخلف والإكتظاظ السكاني حول الثروات الطبيعية. لذلك بعد أن هدمت أكاديميا الحداثة هيكل التفرد الإنساني واعتبرته أكذوبة المعرفة، ودفنت الإنسان حيا، وقدمت بشريّ الفوضى البناءة بديلا تحديثيا لحركة القرد السارتري المتأنسن الذي يعيش على  المعلبات ( علب الكونسروة ) في مخازن التاريخ، أصبح  المطلوب هو تفعيل الأكاديميين أنفسهم ككهنة من جميع الرتب، لنشر تعاليم الإجماع الأكاديمي للإقتصاديين والثقافيين والعلميين والمبشرين الإعلاميين والأحفوريين الحداثيين وقادة الجيوش، الذين سيعيدون الإعتبار، وراء كواليس المشروع الصهيومريكي،   إلى أكاديميي الأساطير ممن بشروا بالثورة الخلاقة قبل ظهور الماقبل البشري. أي قبل ظهور القرود في السلسلة  الأحفورية لداروين. ويمكن القول بمنتهى الرصانة  أن أكاديميي القمة والقاع  في المشروع الصهيومريكي، يشكلون مركز التحكم الآلي للصهيومريكية، الذي ينتج ويسيّر كل آليات  المشروع  الأخرى المنفذة لمجريات الجريمة بكل فروعها الشيطانية  لدى الشعوب الأخرى. وأصبحت الأكاديمية الغربية تعني فعليا وليس اصطلاحيا الصهيومريكية في سياقها التخطيطي والقيادي والميداني. فالأكاديمية الغربية هي التي استولدت الصهيومريكية بعد انفصالها التخصصي عن الفلسفة، أي بعد تحولها إلى مجموعة من الحرفيين المنتجين الذين كونوا طبقة من أصحاب المهارات الأكثر إلحاحا في الحاجة  على مجمل الطبقات العاملة، وبالتالي على حاجات السوق الإقتصادية. هم الأطباء والمرشدون الثقافيون والتربويون والعلماء النظريون والتطبيقيون والمخترعون، صانعو عصر السرعة وتكنولوجيا الإنتاج والإتصالات وعلماء النفس والإجتماع والأنثروبولوجيا وتسليع الغرائز وسكلجة الميول. هم الذين يديرون الإعلام ويوجهونه ويخططون استطلاعات الرأي، ويهيئون للحرب ويوجهون العلوم نحو صناعة السلاح الذي يدمرون به مستشفيات  الفقراء، ويقتلون به الجياع والمتخلفين. هم الذين صنعوا القنابل النووية وأقمار التجسس وكثفوا البحث عن الحياة في كواكب تبعد عنا تريليونات الأميال، قبل أن يكتشفوا دواء للسرطان أو الجوع أو  حتى الأنفاونزا. هم الذين خططوا لمشاريع اختزال البشر  متعددة الأهداف في أكثر من موقع في آسيا وإفريقيا، واخترعوا الإرهاب واستحدثوا داعش وسمموا أجيالا باليورانيوم المنضب. هم كل شيء منحط وشرير ومحزن ومخيف في حياة الرجل والمرأة والطفل الذي ولد والذي لم يولد بعد. هم الذين يعدون في مختبراتهم وسائل سريعة وهادئة للإبادة الجماعية للفوائض البشرية، لأنهم يريدون عالما فسيحا وجنة أرضية لهم ولعبيدهم الضروريين فقط.

لا فائدة من التساؤلات.  كل شيء واضح وشرعي وضروري وعليهم أن يفعلوه بنا لمصلحة الجميع.  هذه هي الحياة. مما قالته جدتي الأمية دون أن تقصد شرا : يولد الولد أبيض ناصعا كالكفن. وبعد أن تغسله الداية، يأتي الملاك حاملا قلما من الذهب، ويكتب عليه نصيبه من الدنيا. وأول شيء يكتبه هو متى يجب أن يموت. والملائكة في عالمنا كلهم أكاديميون، وكلهم صهيومريكيين،وكلنا ورق للكتابة.

طبعا المقصود هنا هم أكاديميو الغرب الصهيومريكي، سواء كانوا من المركز أو الأطراف(إدوارد سعيد  مثلا ). هؤلاء كما قلنا يمثلون النطفة التي تخلّق منها الغرب الصهيومريكي، وبالتالي المشروع الصهيومريكي. إنهم الأرحام النجسة التي أودع فيها كهنة النخبة الإقتصادية نطفهم، على اختلاف تخصصاتهم وأدوارهم الوظيفية في المشروع الذينهم جسده. ونحن الآخرين في هذا العالم، سكان الأصقاع المسكونة بالفقر والتخلف وتحكم الآخر، أصبحنا هائمين في فضاء المصير الذي تحدده أكاديمية  الجريمة الفاضلة للغرب الصهيومريكي. نحن مصرون على ألا نفهم أن الغرب الصهيومريكي عالم مختلف حتى الجنون. إنه لا يشبهنا. فلسنا من كوكب واحد إلا بالإسم. لقد خرجوا من إنسانيتهم إلى نرفانا الهمجية متعمدين ليقتلونا بسهولة فائقة. لعبة الدم والدمار والإبادة الجسدية والمعنوية وتسميم التراب والأرحام لا يمكن أن تكون مجرد حرب. إنها أكثر من ذلك بكثير. إنها خطة مطاردة حتى الإفناء. صورة لإبادة الهنود الحمر بوسائل متقدمة. ونرى ونرفض أن نفهم. فهل هذا جزء مما أصابونا به ؟ هل تمت برمجة وعينا على استدعاء الموت، أم نحن الذين فعلنا ذلك بأنفسنا ؟ كلا الأمرين صحيح. سياق استراتيجي لإبادة حضارة التأسيس العربية الأقدم إنسانيا، بوسائل العصر الأرقى تكنولوجيا وعلميا ومعرفيا ودناءة عقلية. وشعب مثخن بالدسائس أجهزت على عقله الأكادينية وصنعت منه عينة بشرية مبرمجة على  الغفلة وذاتية السقوط.

الأكاديميون والأكادينيون العرب

معظم الأكاديميين العرب، وقطعا ليس كلهم، سواء كانوا من خريجي ” البلد ” أو الخارج يعرفون سلفا أن الأكاديمية بالنسبة لهم لن تتجاوز آفاقها الوظيفة التدريسية أو الحرفة المدرّة للدخل. وهم في كل الحالات يتعاملون مع سلع معرفية  مستوردة من الغرب. لذلك فإن المشروع الأكاديمي بالنسب لهم هو مشروع صوري فردي كل تطلعاته أنوية خالصة. فالركود الإجتماعي والثقافي الهجري لا ينتمي إلى مألوف تخلفي متطاول إلى المعرفة،  بل إلى ثقافة تخلف عميقة الجذور تعتبر تجديد التخلف وحفظه مصدرا وحيدا للإعتزاز والنبل والتمظهر الأخلاقي والتفوق على الآخر. وكانت أكادينيات حفظ التخلف الهجرية كالأزهر وموازياته المذهبية، ومرتزقته الذين يملأون الشوارع وأماكن العبادة  تشكل مجمل المعرفة  المطلوبة للدنيا والآخرة في الوعي الهجري. وكان  هؤلاء الأكادينيين مجموعة سائبة تحمل رسالة المشروع الفقهي المدمر وتواصل نشرها بدون أن تدري. ولكن  المشروع الأكاديمي الإستشراقي للغرب الإمبريالي، لم يكن مؤسسة احتياطية للفعل المرحلي، كان مؤسسة النظام نفسه وحركته الإجتماعية وسياقه الحيوي الشامل ومعادلته الإستراتيجية للإمتداد في  فوقية الوجود على حساب الآخر الذي يجب أن يتخلى أو يواصل التخلي عن كونه موجودا بذاته. لذلك لم يكن من الممكن إهمال دور زوار الأكاديميا من العرب خاصة، والشرقيين عموما، في القيام بمهام الشطب الذاتي في بلادهم من خلال تحويلهم إلى نماذج ” راقية ” للسقوط  والإسقاط على غرار  معادلة الناطور المشهورة ( إذا كان البيك نفسه قد ضرط فلماذا لا أضرط ). فهم يبدون في بلاد القحط المعرفي والثقافي كأنهم واحات  للوعي النموذجي. كما أن هناك كثيرا من المهام الصغيرة التي يحتاج تنفيذها إلى قضية المظهر والحد الأدنى من المعرفة. أي أن دور هؤلاء المعارفة لا يتعدى مهمة واحدة على الأغلب هي التطبيع مع المشروع الصهيومريكي، والإجهاز على شعوبهم المثخنة بوعي النواطير. ولكن هذه المهام الصغيرة على المستوى العربي، كانت مصيرية في خطورتها وتأثيرها. فليس هناك ثقافة اعتراض قادرة على أية مواجهة. على العكس من ذلك كانت اللوثة الهجرية هي السائدة وما تزال عربيا. وهي ثقافة تهويدية اعتقادية معادية للذات ومجندة رسميا في السياق الإستشراقي منذ قرون. وكان مشروع الفقه الإسلامي هو الوجه الشعوبي الشرقي لمعاداة العرب تاريخيا. أي أنه  ظل يشكل مع الصهيوغربية منذ تأسيسه مع ظهور الإسلام، حركة واحدة قوضت الإسلام في طريقها إلى اجتثاث الحضور العربي على أي سياق سوى التخلف.  وظهورهم اليوم كرأس حربة للمشروع الصهيومريكي في الأوطان الهجرية هو أمر طبيعي ومنطقي كان يجب استشفافه عربيا ( افتراض نظري ) منذ محمد عبده والأفغاني من المنظرين الأكادينيين الدهاة،الذين استنهضوا مع الغرب الثقافة الهجرية تنظيميا لتؤدي دورها في التخريب والطائفية وتشكيل التنظيمات الإرهابية لتصفية كل ملامح الهوية القومية المتبقية. أما الأكاديميون العلمانيون العرب فمعظمهم عبوات ليبرالية للتخزين منحازون للصهيومريكية بوصفها متسوقا. ولكن منهم من لا يمكن استعمالهم بأي حال من الأحوال لأنهم  لا يشكلون حتي هراء معرفيا. وهناك أكاديميون لا يمكن شراؤهم أبدا بمبالغ  ضئيلة لا تليق بمواهبهم  كما يعتقدون. هؤلاء يظلون يراوحون بين المواقع، ويتعمدون المشي على الحواف العالية لتبين سيقانهم،على أمل أن يلفتوا نظر المتسوقين. وأحيانا ينقطع حيضهم  قبل أن يحصل ذلك.  وهناك من لا سبيل إليه، يختار عذاب جهنم  على السقوط. هؤلاء الأخيرون، يشكلون أصواتا صارخة في البرية، ويموتون أحيانا بدون سبب منطقي  كما عاشوا. وهم ليسو قلة ولكن الذين يعرفونهم قليلون. ونادرا ما يحبهم أحد، فهم ملتزمون متأزمون مصابون بالتعصب لإنسانيتهم. وهذه كلها بضائع كاسدة بالطبع عاقبتها الإفلاس.

ولكن يظل أبرز الأكاديميين لدينا على الإطلاق هم الأكادينيون. أولئك هم شرطة الأكاديميا الحقيقيون للمشروع الصهيومريكي في العالم  العربي. فهم جزء عضوي من الوعي الصهيومريكي والفوضى البناءة  وشركاء صغار في تنفيذ المشروع. وهم يتبعون كل الألوية الأكاديمية، ويَبيضون في كل الميادين، من ميدان الحور العين إلى ميدان قيادة جيوش المرتزقة الصهيومريكية. وهم عادة نخب أكاديمية ثقافية ممتدة ومرابطة  تاريخيا في كل  مشاريع الأسلمة الأستشراقية، التي تشاركهم العداء لأي مشروع نهضوي عربي مفترض ومستدعى بمنطق الحركة التاريخية. هؤلاء هم أسلاف الصهيومريكية  وليسوا أتباعها، من حيث تأسيس العدمية الأخلاقية وتسخيف الوعي الإنساني. لقد بدأوا بتحليل الدم وتحريم وعي الحرية  وتحويل الدين إلى طقوس وثنية والأباحة إلي إباحية، والعقوبات إلى شرائع  دموية للقتل والنهب، ليمسكوا برقاب العامة  ويُسهّلوا انقيادهم. وأشهر هؤلاء الأكادينيين في التاريخ الفقهي ” الإسلامي ” المعاصر هم حركة الإخوان. وهم حركة براغماتية لاقومية ولادينية ذات طموح سيادي واقتصادي متطور، لها طموح في العالم الإسلامي مواز للطموح الإستبدادي الصهيومريكي العالمي متمثل في الحكم الخلافي المرتبط مباشرة بالنظام العالمي الصهيومريكي.  لذلك أوكلت إليهم الحركة الإستشراقية المعاصرة، تنفيذ أبشع جرائمها ضد العرب، فتجاوزوا  في ولاؤهم  لها كل تصور.

هذه هي صورة النسيج الأكاديمي والأكاديني الذي بث الغرب، ثم الصهيومريكية  من بعده، خيوطه خلال قرون الإستشراق  إلى اليوم، في هلاهل النسيج البشري الهجري وحوّله إلى نوع اجتماعي مختلَق ومختلِف.  ولكنها ليست الصورة الكاملة. فهناك أكاديميو الندرة العرب، الذين استطاعوا بمواهبهم العقلية والفكرية المتميزة، وخاصة في مجال العلوم الإجتماعية أن يشقوا طريقهم بجدارة بحثية ذاتية، ويتألقوا عالميا. أشهر هؤلاء، المستشرق الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد، وهوعقل عالمي وشمولي فذ، يشبه عقول الفلاسفة المدرسيين، بحس حداثي متألق وأصالة وجدانية راقية،  ولكن بإيمان ساذج  بأهلية أمريكية للتغلب على أصالتها البنيوية المتوحشة والهمجية المؤسسة , وملاقاة همج الشرق الأصلانيين المزمنين في منتصف الطريق وإقامة تطابق مورفولوجي استلحاقي  معهم بحيث تبقى الأطراف أطرافا مع ارتباط عضوي بالمركز يحقق بالضبط  بنية النفي الإستدخالي للنظام الإستبدادي الذي تريده الصهيومريكية. لقد افترض هذا التبشيري الحضاري الفذ، ربما بقصد  نزيه، دورا حضاريا وإنسانيا غير مستحق أو محتمل  حتى افتراضيا، لمركز الإستبداد العالمي الصهيوغربي المتحدر بنيويا من تحالف الهمجية والتمدن الإنتاجي، بينما لم يستطيع إعطاء هذا الحق الإفتراضي، للأصلانيات الشرقية بما فيها العربية التي أسست من التمدن والمعرفة حضارة الإنسان الأولى في ميسوبوتاميا وعلى امتداد الساحل السوري. هذه السقطة التفكيكية جعلت من البنيوية الهمجية المؤسسة للتاريخ الأمريكي الذي قام فيه شذاذ الآفاق الداعشيين من الأوروبيين بإبادة  ملايين الهنود الحمر بقرار مزاجي، مقابلا تفكيكيا للإنحياز التراثي الأصلاني للعرب. وليس هذا فقط، بل زعم أن الهمجية البنيوية للأمريكي قابلة للفكفكة بالنفي الحضاري التطوري المستمر، بينما أصلانية الشرقي والعربي  التراثية فإن كفكتها غير واردة بدون الإلتحاق الحضاري المسبق  بالغرب، معطيا بذلك لساقطي الألقاب الأكاديمية في العالم العربي وعلى الساحة الفلسطينية، فرصة للتبختر التطبيعي الإلحاقي والخياني الصريح تحت عباءته “الوطنية “.  وجعل من التطبيع مطلبا نظريا وعمليا وارتزاقيا مشروعا. فما دام السلم المدني سيؤدي إلى إبطال الصراع المبدئي والحقوقي، فأي سلام أفضل من أية حرب، كما تقول الصهيومريكية.