الغرب ينشر الانحطاط الثقافي

أندريه فيلتشيك

ترجمة  حافظ الحافظ

ماذا يتمنى اي دكتاتور اكثر مما يجري الان؟ ان يفكر معظم سكان الامبراطوريه بالطريقه نفسها٠٠٠٠٠٠

الجماهير تحصل على “العلم” في مدارس و جامعات يدّرس فيها معلمون و اساتذه جبناء و خانعون وعلى معلوماتها العامه من ألوف الصحفيين و المحللين المستعبدين لا يتجاوز او ينحرف احد منهم عن الروايات الرسميه الاّ في القدر اليسير٠

مبروك لك هذا الانجاز يا امبراطورية الغرب! لقد نجحتِ فيما فشل فيه جميع الاخرون، و توصلتِ الى ما يشبه الخضوع و الانضباط المطلقين٠ انها العبوديه الكامله٠

هذا في وقت يعتقد اغلب الناس انهم في منتهى الحريه ، و انهم في موقع المسيطر على ظروفهم ، و انهم يستطيعوا ان يختاروا وان يقرروا شؤون حياتهم  وان حضارتهم هي الاعظم في تاريخ العالم!

عشرات الملايين من البشر يقفون طوعيا في طوابير طويله يريدوا ان “يتعلموا” وان يحصلوا على واحده من شهادات النظام الامبراطوري٠

هم يريدون ان يقُبلوا في المجتمع ، وان يشهد لهم و يمتدحوا من قبل حكامهم٠  يعرض الناس رؤوسهم المنكسه لعملية فتخ دماغ معقده و مجهده٠ وفي مقابل اوراق مختومه تسمى شهادات جامعيه يخسروا والى الابد قدراتهم على التفكير المستقل وعلى يروا العالم كما يجب بعيونهم هم لا عيون غيرهم٠

وفي مقابل هذا تزداد فرصهم للحصول على مواقع متقدمه في هرم        من المؤسسات و الجامعات التابعه للسلطه٠

الدرجه العاليه من الانضباط التي نشهدها من قبل نساء و رجال في المجتمعات المعاصره تجعل مؤلفات الخيال المستقبلي من قبل فهرنهايت ٤٥١ و ١٩٨٤ تبدو في منتهى الاعتدال٠

ان الواقع في عام ٢٠١٥ هو اكثر سرياليه ، غرابه من اي خيال ولا يملك كل من يعايشه الا ان يشعر بالعار

معظم الناس لا مانع لديهم ان يدفعوا من اموالهم الخاصه للحصول على انواع “التعليم” تلك وان تجري عليهم عمليات “فتح الدماغ” تلك ، بل انهم مستعدون للغرق في الدّيون من اجل ان يخضعوا للبرمجه وان يتأدلجوا بثقافة الحكْام٠ وبعد مرور سنوات الدراسه وعندما لا يبقى اي اثر لشخصيتهم المتميزه ، فان صدورهم سوف تمتلئ بالفخر وهم يستلموا تلك الورقه المختومه ، و التي تعني في الواقع شيئاً واحداً: ناجح ، و مقبول و مصادق عليه و جاهز لخدمة المملكه و سلطاتها الفاشيه٠

لا يتخلف الاجانب عن تلك المسيره٠ الملايين منهم يقفوا في طوابير في انتظار عمليات فتح الدماغ تلك٠ بل ان أولئك الذين يأتوا من البلدان المستعمره و المدمّره هم الاكثر تحمساً و الاكثر هوساً للحصول على ختم القبول من الامبراطوريه وعلى ان تتم اعادة صياغه شخصياتهم وان يتم دمجهم بسكان اوربا و امريكا الشماليه٠ و بعد ان يتخرجوا و يعودوا الى بلدانهم فانهم يعلقوا تلك الشهادات على الحيطان ، يضيفوها على بطاقاتهم الشخصيه، و يطالبوا الناس بان يقفوا اجلالاً لطرقهم الغربيه في الحياة و لتعاونهم الثقافي مع الامبراطوريه٠ وينغمر الكثير منهم في غسيل دماغ مواطنيهم لصالح الغرب٠

وفي العديد من البلدان لستَ حتى في حاجه ان تغادر البلد٠ اذ يأتيك غسيل الدماغ الغربي جاهزا من خلال العديد من المدارس التبشيريه و الكنسيه و المعاهد الثقافيه المموله من الخارج، و بالطبع من خلال وسائل التسليه و الترفيه٠

و حتى بلدان مثل الصين و التي نحسب ان لديها حضاره اكبر و اقدم مما للغرب ، فقد غدت متأثره و بدرجه تبعث على الاسف بأبنائها و بناتها الذين تبرمجوا على الاعتقاد بعظمة الحضاره الغربيه٠ البعض منهم غسلت ادمغتهم في معاهد التعليم هناك والاخر من قبل جيوش من “المدرّسين” و المبشرين المشغولين بدون انقطاع بالتنقل في كل ارجاء العالم لنشر تعاليمهم السامّه٠

و بدل ان يحصل الشباب على معارف وثقافات متعددة الاوجه فانهم يحصلوا على جرعات محسوبه بعنايه من عمليات “غسيل دماغ” ثم اتقانها خلال قرون من الامبرياليه و الاستعمار٠

 الامبراطوريه صارت تجيد تماما اساليب التلاعب بعقول البشر٠

النتيجه، ان أولئك الذين تعرضوا للاغتصاب باتوا يعتقدوا بانهم يرغبون به و أولئك الذين سرقت ديارهم و دمرت مجتمعاتهم صاروا يلقنوا على حب القوى الاستعماريه لانها تنشئ مؤسساتهم الاداريه و الطرق و سكك الحديد٠

وبدلا من تشجيعهم على التفكير المستقل وان يطرحوا تساؤلات لتحسين و تطوير طرق تفكيرهم ، صار الافراد مساجين في الزنزانات الثقافيه الضيقه٠اما الشجاعه و التفكير المستقل فقد صارت موضع مهانه و احتقار٠ النفوس الثائره لم يعد لها استعمال ، بل و صارت مضاره للسلوك الاجتماعي المقبول٠

وبدلا من ذلك اصبح الجُبن ، التذلل ، و النفاق هي التي يروّج لها و تسوّق من قبل منظومة الاعلام و الدعايه و مؤسسات تسويق ” الاحداث الثقافيه الترفيهيه” ، وهي المؤسسات التي تتحكم و تتدخل في كل تفاصيل حياة الناس٠

في عالم شديد التناظر حيث الاعلام و الثقافه يخدمان الامبراطوريه و مصالحها فان “الرجل المعاصر” و “المرأه المعاصره” اصبحوا يشكلوا من طينه ثقافيه واحده ليوضعوا في قالب واحد٠ كلهم طوال القامه و رشيقين يلوكوا كيليشيهات منمقه متجنبين اي موضوع حقيقي، وهم يتواصلوا و يتحدثوا بدون توقف مع بعضهم البعض عن لا شئ بينما هم في الواقع جهله و بصوره غير معقوله عن اي شئ في هذا العالم٠ “البشر المعاصرون”  دائمي الابتسام ، رشيقين ، حسنى الهيئه ، وهم يقودوا احسن السيارات و يحملوا عادة في ايديهم احدث الاجهزه٠وفي نفس الوقت هم انانيون بلا حدود٠

الكثير من اولئك الافراد يتناولون المهدئات او الادويه المضاده للكئابه او حتى المخدرات والعديد منهم في منتهى التعاسه ، و ليس لهم اي ثقه بالنفس ، بؤساء في اعمالهم و مع عوائلهم ، عاجزين ان يجدوا شريك حياة او ان يحتفظوا به٠ غير ان كل هذا بالطبع لا يطفو على سطح الواقع الذي لا يظهر عليه سوى اعداد غفيره من رجال و نساء غربيين في منتهى التألق و الجاذبيه!

 وقد حاول فاشيو ايطاليا و نازيو المانيا جهدهم ان يصنعوا هذاالصنف من البشر و الذي يبدو قوي الشخصيه ولكن  محكوم بعقلية القطيع ٠٠٠٠٠٠٠ غير انهم فشلوا٠

اما الامبراطوريه المعاصره فانها آخذه في النجاح،  ولاول مره في تاريخ البشريه هنالك احتمال ان يستبدل البشر باناس آليين ، ليسو مصنوعين من معادن و بلاستيك و انما من لحم و دم و لكن بعد ان اعيد تشكيلهم و استخدامهم كأناس آليين٠

الفاشيه الايطاليه و النازيه الالمانيه،و ثقافه المؤسسات الامريكيه،و السلطه الامبرياليه و الارث العنصري و الاستعمار و مفهوم الاستثنائيه ووسائل الاعلام و الدعايه و المؤسسات التعليميه ٠٠٠٠٠٠٠كلها ترابطت بمهاره و خبره في نسيج محكم٠

خالص التبريكات للامبراطوريه! فقد اصبحت اول من نجح في خلق هذا النوع من البشر٠

هل من السهل محاربة مثل تلك المؤسسه ؟ بالطبع لا اذ اننا لانحارب  ليس منطقا اوفكرا  هنا، و انما الوف التصورات و المفاهيم و المعتقدات التي تعمل باجمعها على خدمة هدف واحد وهو ابعاد الناس عن الحقيقه ، وعن التحليل و التفكيرالمستقلّ و الحرّ٠

ففي الواقع ان معظم سكان الغرب صاروا مغسولي الدماغ بصوره لا تختلف حتى عن مجاميع مثل طالبان و داعش ، طالما ان تلك الامبراطوريه تعمل بدون كلل على تشغيل ملايين من موظفيها لصياغة مفاهيم في منتهى الفعاليه والكفاءه  للسيطره على عقل البشر : هناك واضعي الخطط السياسيه ، و علماء النفس ، الاعلاميين ، اساتذة  ، فنانين و صحفيين و غيرهم من الافراد ذوي الاختصاصات٠

ابتداءاً من وسائل التواصل الاجتماعي حتى المسلسلات التلفزيونيه وافلام هوليود و حتى شبكات التلفزيون و قنوات الموسيقى ٠٠٠٠٠٠كلها تقود الى طريق واحد: أبعاد الناس عن اية مبادئ انسانيه وعن ان يفكروا كمجموعه عاقله من احياء يعتني بعضهم ببعض او يعطفوا على بعض٠

تلك الاجهزه و المؤسسات اما ان تستصغر الاحداث الواقعيه و تقلل من اهميتها او انها تضعها ضمن ابعاد خياليه او ضبابيه بحيث يستحيل التعامل معها باية درجه من العقلانيه٠

ألاتجاه الطبيعي للبشر بان يعلموا او يخططوا لعالم افضل و اكثر تسامحا قد ازيل تماما في الوضع الحالي الذي يعيشه نساء و رجال و اطفال الغرب و المستعمرات٠

ابناء هذا العالم صاروا محرومين من التفكيرو التصرف باي درجه من الطبيعيه ، ولذا فانهم متشنجين دائما وفي حالة اكتئاب وارتباك٠  و بدلا ان يتمردوا (و اغلبهم لا يستطيع ذلك على اي حال) فأنهم يلجأونَ الى العنف٠

وبينما يتم قتل و قمع و اذلال ضحايا الامبراطوريه ، فان ذلك لا يؤدي الى ان  يعيش سكان امريكيا واوربا في حالة نشوه او استمتاع بحياتهم  وهم لا يجنون من كل هذا الدمار سوى فوائد ماديه محدوده٠

اما على الجانب الاخر ، اي جانب الضحايا ، فينهال على البلايين من سكان المستعمرات سيل لا ينقطع من الوسائل الاعلاميه المشوّهه والمُكرره و التي يتم تغيير قوالبها تبعا لمناطق العالم المختلفه ، وهي تنهمر من قنوات غسيل الدماغ التي تلفّ العالم بشباكها : سواء كانت مسلسلات تلفزيونيه او افلام و العاب فيديو رخيصه ، او موسيقى حديثه بكلماتها الركيكه البلهاء و الفارغه ، او نشرات “الاخبار” و تقارير ترد عبر وكالات الانباء الرسميه٠

عالم الغرب و نظمه و مؤسساته هو في حقيقة الامر الاكثرعنصريه و فاشيه من اي نظام اخر في العالم، غير ان معظم ابنائه وبضمهم ضحاياه لا يملكوا سوى الاقتناع بانه في النظام الاكثر “تسامحاً” و “تحضّراً” في العالم٠

هل هنالك من امل ان تنجو البشريه من هذه البَلاده العامّه؟

بالطبع هنالك امل ٠٠٠٠٠فالصراع متواصل٠٠٠٠٠٠

ليس فقط البحريه الروسيه و الصينيه و الايرانيه هي التي تتحدى الامبرياليه الغربيه و ليس سكان امريكا اللاتينيه و افريقيا الجنوبيه هم وحدهم الذين يبذلوا جهودا صادقه لتسليح الناس بالمعرفه الحقيقيه بدلا عن الشهادات الجامعيه٠

بل يأتي الامل من جانب اخر٠ فقد كتب حديثاً احد افضل مخرجي اوروبا وهو امير كوستوريكا قائلا بسخريه ” الحرب العالميه الثالثه” سوف تبدأ عندما يهاجم البنتاغون شبكة “روسيا اليوم” ، اذ ان هذه الشبكه المميزه تمثل تهديداً حقيقياً للمؤسسات الاعلاميه الامريكيه وهي تصل الى الامريكين في عقر دارهم و تقدم برامجا بالانكليزيه قد تتفوق على افضل ما تقدمه مؤسسات اعلاميه امريكيه مثل “ال سي ان ان” مما قد يسبب نفاذ صبر واشنطن ويدفعها الى اسكات صوت تلك الشبكه بالقوه مثلما فعل الناتو مع تلفزيوه صربيا في ابريل ١٩٩٩.

و بالمقابل فان روسيا كما يتوقع كوستاريكا تستطيع تدمير “ال سي ان ان” التي يعتبرها حاملة الدعايه الامريكيه للعالم حيث هي و منذ عام ١٩٩٠ تُظهر ان امريكا تقود جهودا انسانيه وليس حروبا طاحنه ، وان طائراتها الحربيه تزخ ملائكه على العالم و ليس بقنابل مدمره٠ ورغم ان العديد من المفكرين العظام الذين واجهوا الامبراطوريه امثال ساراماغر، غاليلو و بنتر قد رحلوا عن عالمنا ، غير ان هناك العديد ممن لا يزالون احياء وقد استطاعوا ان يفلتو من عمليات غسيل الدماغ تلك٠

البعض منهم قد تكتل حول شبكات الاعلام البديل مثل روسيا اليوم ، “تلي سور” ، و “برس تي في”٠

وحتى ضمن عالم الغرب فما تزال هناك اصوات محافظه على مواقعها المبدئيه و ربما هي لم تنتصر بعد غير انها لم تهزم كذلك٠

وما دام الفكر الحر على قيد الحياة ،يمكننا القول اننا لم نفقد كل شئ بعد٠

يقول البير كامو “أنا اتمرد فأنا موجود” ويضيف بأن التمرد يولد من القمع٠

الامبراطوريه تنكر انها تقمع العالم بينما هي تغسل ادمغة الجميع “القامع” و “المقموع”  باعادتها تعريف القمع الذي صار يطرح على انه حريه٠

البعض ممن نجا من غسيل الادمغه هذا بدأوا في التمرد ، و ربما لهذا السبب ما تزال البشريه موجوده٠

الخلاصه ان ساحات المعارك صارت واضحه و مُحددة المعالم :انها بالدرجه الاولى مجال الاعلام و المعلومات٠

عمليات الزيف و الخداع التي يمارسها الغرب هي بدون شك في منتهى التلوّث و القبح غير انها مكشوفه٠ اما لماذا تتقبلها الملايين ، فليس بسيط : انه التكرار المتواصل للاكاذيب و للمفاهيم المشوّهه الي يدقونها كالمسامير في عقول الناس بواسطة مؤسسات التعليم الرسميه٠

الانسانيه تعيش معركة بقاء٠ وهي ليست بمعركه على اراضٍ و مناطقٍ جغرافيه بل على عقول و قلوب الناس٠ ومن ثم يحسن تسميتها بمعركة المعلومات٠ او هي معركة “تنقيه العقول من السموم”٠  انها صراع لاعادة البشريه الى الحياة بعد عهود المخدرات الثقافيه التي ادت الى مانشهده الان من غيبوبه وعبوديه٠

:::::

Original: The West Spreads Intellectual Idiocy, By Andre Vltchek

Source: Information Clearing House

URL: http://www.informationclearinghouse.info/article42685.htm