لبنان على عتبة الأخطار …فما هو الحل الذي يمنعها؟

 العميد د. أمين محمد حطيط 

يقترب لبنان رويدا رويدا من الدخول في الحريق العربي الذي طالما تغنى البعض بالنأي بالنفس عنه أو تجنبه أو الطمأنينة إلى الضمانات الأجنبية التي تبقيه خارج دائرته. وقد كان في الاهتمام الإعلامي الدولي بالحركة الاحتجاجية اللبنانية ضد فساد الطبقة السياسية وما أفرزته من نفايات عضوية في الشوارع تحاكي طبيعتها التي أسميت بحق ” نفايات سياسية ” ثم الحديث عن مبادرة لمجلس الأمن لبحث هذه الحركة، كان في كل ذلك مؤشر لشيء كبير يتحضر للبنان، خاصة وأننا نعلم أن مجلس الأمن لا يتدخل لمصلحة الشعوب المظلومة بل جل تدخله يكون عادة لخدمة المنظومة الدولية التي تمسك بالقرار الدولي خدمة لمصالحها على حساب الشعوب.

ومع هذا الخطر الداهم  نرى انه لا زال أمام للبنان فرصة تكاد تكون وحيدة لتلافي الانفجار الذي يلحقه بالحريق العربي ، فرصة يمكن استغلالها  للخروج من  المأزق  الداخلي بما يقطع الطريق على  التدخل الخارجي، نقول هذا رغم قناعتنا بان اللبنانيين أو لنقل إن من هم في السلطة في لبنان لا يملك جلهم قراره وهو خاضع في قراراته للإملاءات الخارجية، ورغم ذلك نرى انه وتحت الضغط الشعبي الذي بدأ  يتشكل في الشارع، وتحت وطأة الخوف على المصالح ، نرى أن هناك فرصة وأن كانت محدودة لقطع الطريق على المخاطر الآتية فكيف نستفيد منها؟

بداية يجب أن نسلم بان الحل الذي يخرجنا من الخطر هو الحل الذي يشارك فيه الجميع، وأن لم يكن إجماع فعلى الأقل أوسع تمثيل للأطراف والطبقات الشعبية التي تؤيدها، حل يراعي الشرعية الدستورية والقانونية ويأخذ بالشرعية الواقعية في الآن ذاته فينطلق من الواقع لصنع شرعية تطابق النص.

فاذا أخذنا بهذه المبادئ فأننا نصل إلى اعتبار المؤسسات الدستورية الحالية أداة إطلاق حل يمكن استعمالها كرافعة للخروج من حالة الطعن بشرعيتها ودستوريتها والانطلاق منها لإعادة تشكيل السلطة بما يضمن العودة للشعب الذي هو مصدر السلطات.

و عليه فأننا و مع عدم إقرارانا بشرعية التمديد الذي حصل لمجلس النواب لانتفاء السند القانوني الصحيح ، حيث أن الوكيل لا يجوز له العمل خارج حدود الوكالة و لا يجوز له تمديد وكالته ، كما أن نظرية استمرار العمل بالمرفق العام أو قاعدة الضرورات تبيح لمحظورات لا تتوفر شروط أعمالهما و مع ذلك و بما أن التمديد حصل و المجلس موجود واقعيا فانه يمكن اللجوء اليه  في امر وحيد هو فتح الطريق للعودة للشعب بانتخابات تجري  على أساس  قانون انتخاب جديد عصري يضعه هذا المجلس فيتيح عدالة التمثيل و المساواة بين المواطنين ، و أن كان ذلك متعذرا فيمكن للمجلس هذا أن يتخلى عن صلاحيته التشريعية للحكومة الحاضرة التي تقوم هي بالشأن .

وانطلاقا من ذلك و أخذا بعين الاعتبار نصوص الدستور و تعقيدات  الواقع  فأننا نرى أن الصلاحية الوحيدة الممكن القبول بها  لمجلس النواب المدد لنفسه هي إقرار قانون انتخاب و ليس أي عمل أخر حتى لا نفاقم حالة الطعن بالشرعية و إن الواجب الرئيسي للحكومة القائمة  هي  أجراء الانتخابات و بأسرع وقت ممكن و تسيير أعمال الناس حتى تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات  و لأجل ذلك فأننا نطرح الحل الذي نراه ملائما  للخروج من الأزمة و نستبق به مخاطر التدخل الأجنبي الذي بات يلوح في الأفق حل يمكن أن تعتمد له صيغة مما يلي :

أ‌.   الصيغة الأولى: تنطلق من الاحتفاظ بالمجلس والحكومة لمهمة محددة هي إعادة تشكيل السلطة بالعودة إلى الشعب مع أحياء مجلس الشيوخ وينفذ ذلك خلال ستة أشهر عبر ما يلي:

1)  قيام مجلس النواب بإقرار قانون انتخاب على أساس النسبية ولبنان دائرة انتخابية واحدة وخارج القيد الطائفي.

2)  تشكيل مجلس الشيوخ على أساس طائفي وإصدار القانون المناسب لذلك وفقا لأحكام الدستور ومنح المكونات فيه حق الفيتو.

3)  أجراء انتخابات للمجلسين (نواب وشيوخ) في عملية اقتراع واحد في يوم واحد لكل لبنان.

4)  انتخاب رئيس الجمهورية فور تشكيل مجلس النواب بعد الانتخابات ويعطى مجلس الشيوخ بشكل استثنائي واتفاقي حق ترشيح 4 أشخاص لمنصب رئيس الجمهورية يختار مجلس النواب واحدا منهم رئيسا.

5)  تشكيل حكومة يختار رئيسها بالأكثرية المطلقة في كل من مجلسي النواب والشيوخ. وتنال الثقة بالأكثرية المطلقة من كل من المجلسين.

ب‌.   الصيغة الثانية: تشيه الأولى ولكن من غير مجلس الشيوخ ابتداء ويعمل بها كالتالي:

1)  إقرار قانون انتخاب نسبي ولبنان دائرة واحدة مع المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

2)    أجراء انتخابات عامة بمهلة شهرين من إقرار القانون.

3)    انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب المنتخب فور تشكيل مكتب المجلس.

4)    تشكيل حكومة يختار رئيسها وتمنح الثقة بالأكثرية المطلقة من أعضاء مجلس النواب.

ج‌.  الصيغة الثالثة: وهي الأكثر دستورية وعدالة ولكنها كما نعتقد هي الأكثر رفضا من الطبقة السياسية القائمة لذلك نطرحها مع عدم التعويل كثيرا على الأخذ بها وتقوم على ما يلي:

1)  ممارسة الحكومة لصلاحية رئيس الجمهورية في تشكيل حكومة جديدة وتكليف رئيس حكومة انتقالية في لبنان لا يكون من الطبقة السياسية التي مارست السلطة منذ 1992.

2)  تشكيل حكومة من 10 وزراء من الخبراء ورجال القانون والسياسة والاقتصاد مع عسكريين وامنين.

3)    بعد نيل الثقة تمنح الحكومة صلاحية التشريع لمدة سنة في كامل المجالات.

4)    يحل مجلس النواب الحالي مباشرة بعد منح الحكومة الثقة ومنحها صلاحية التشريع.

5)    تتولى الحكومة وضع قانون انتخاب على أساس النسبية ولبنان دائرة واحدة.

6)  تدعو الحكومة إلى انتخاب مجلس النواب بمهلة ستة أشهر من تاريخ وضع قانون انتخاب.

7)  فور انتخاب مجلس النواب يتم انتخاب رئيس جمهورية بأكثرية أل 23 وفي حال عجزه عن ذلك بمهلة شهر من تاريخ الدعوة الأولى يلجأ إلى الانتخاب المباشر من الشعب ويتحقق المجلس الدستوري من استيفاء شروط الترشيح بعد أن يتقدم صاعب العلاقة بترشيح حسب الأصول إلى مكتب مجلس النواب.

8)  فور انتخاب رئيس الجمهورية باي من الصيغتين تشكل حكومة جديدة تتولى إعادة النظر بالدستور وتطرحه على مجلس النواب باتجاه إقامة دولة المواطن القادرة والعادلة.

9)  بعد تعديل الدستور بمهلة لا تتجاوز السنتين من تاريخ انتخاب مجلس النواب يصار إلى انتخابات جديدة على ضوء الدستور الجديد.

إن لبنان في امنه ووجوده بدأ يهتز ونخشى أن نكون على عتبة 1975 جديدة أو 2004 أخرى، ونتوجه لمن سيلتقون في الحوار المفترض انعقاده في الأسبوع المقبل لنقول لهم سارعوا إلى الحل قبل أن يأتي الحل على حساب الوطن ولا حاجة لجدول أعمال فضفاض فيكفي أن تتفقوا على قانون انتخاب يعاد تشكيل السلطة بموجبه فتنقذوا لبنان.

:::::

“البناء”، بيروت