لاجئون في موسم الهجرة الى الشمال!

ثريا عاصي

لا أظن أنّي أبالغ إذا قلت أنّ ما يجري في بعض البلدان العربية (البلدان الأكثر تقدماً ثقافياً، والأكثر فقراً، باستثناء ليبيا، والأكثر التزاماً بالقضية العربية بما هي قضية تحرّر وطني غير ناجز) مردّه بدرجة عالية إلى حاجة فئات شعبية تتكاثر بشكل مطرد، إلى الهجرة.
من البديهي أنّ أسباب ذلك متعدّدة ومتشعّبة. يحتاج الإلمام بها إلى تفاصيل لا يتّسع هذا المجال لها، علماً أنّ دراستها هي من وجهة نظري، ضرورية وملحة، لأنها تمثّل خطوة نحو وضع ركيزة أساسية من ركائز إصلاح هيكلية المشروع الوطني.
أقتضب من هذا الإستطراد فأقول: إنّ متطلبات الناس المعيشية تزايدت وتنوّعت دون أن تلقى العناية الكافية من السلطة، بل أعتقد أننا لا نتجنّى على هذه الأخيرة إذا نعتناها بالتكلّس وقصر النظر، فلم تكترث لأوضاع الناس وحسب، وإنما أطلقت أيدي الزبانية توخّياً منع الاضطرابات والاحتجاجات ضدّ عربدة المحاسيب وجشعهم وظلمهم وفسادهم.
يُخيّل لي أنّ السلطة في البلدان العربية التي عصفت بها في السنوات الخمس الأخيرة ثورات وحروب الإمبريالية الأميركية الأوروبية والتي تتهدّدها أخطار مثل هذه الثورات والحروب، وزّعت اهتماماتها على ثلاثة محاور:
ـ محور الطبقات الشعبية: توفير الحاجيات المعيشية الأولية، وفرض السكوت السياسي. وكأن هذه الطبقات الشعبية مكوّنة من أناس «صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يفقهون». غباء السلطة العربية، مدهش أحياناً، إلى حدّ الذهول. كانت ظواهر التناقض بين الطبقات الشعبية من جهة، وبين الحكام وأصحاب النفوذ من جهة ثانية، تبدو للعيان بوضوح وجلاء. أناس يعيشون تحت مستوى الفقر إلى جانب الحكّام، وأصحاب النفوذ الذين يجارون مشايخ النفط عبثاً وبذخاً. الأخيرون يتظلّلون بالقواعد العسكرية الأميركية، في حين كان المطلوب حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية، واسترجاع هضبة الجولان السورية. أنا على يقين من أنّ حالة العجز عن التجديد والإبداع الفكري والسياسي في مجال العمل الوطني، هي التي فاقمت الانفصام بين الناس والحكام. بين المواطن العاطل عن العمل، اللاجئ في بلاده من جهة، وبين «المواطنين» الذين يسكنون القصور!
ـ محور حرّاس السلطة: إنّ الأوضاع الداخلية المأزومة، تحمل السلطة على الاعتماد أكثر فأكثر على الأجهزة الأمنية، وتحديداً على قيادات هذه الأجهزة، لضمان استمرارية الحكم والدولة. ليس بالضرورة من أجل الإحتفاظ بالسلطة، ولكن لأنّ الحاكم أو الطغمة الحاكمة تعرف جيداً أنّ الأزمة الوطنية، ناتجة، بنسبة كبيرة، عن تأثير القوى الخارجية التي تطمع باقتسام البلاد بواسطة كسب الولاءات الطائفية والعرقية المختلفة في المجمتع الوطني، والتي حالت الاعتداءات الاستعمارية والإنقلابات العسكرية، دون كفاحها وطمسها كشرط ضروري لتكون الأمة الوطنية المتماسكة. ينبني عليه، إنّ سقوط السلطة بين أيدي أعوان المستعمرين يؤدي إلى انهيار الدولة وضياع البلاد !
ـ محور الإمبريالية الأميركية الأوروبية : فضّلت الحكومات العربية استرضاء الأمبريالية، عن طريق تقديم بعض الخدمات لهذه الأخيرة، ضمن حدود، ظناً منها أنّه بسلوك هذا النهج يمكنها إشباع نهم الإمبريالية ! فضّلت هذا السلوك أملاً بأن يجنّبها المواجهة ضدّ الإستعمار، وبالتالي الرجوع إلى الجماهير الشعبية وإلى تسييسها، أي إلى السماح للناس بالتعبير عن الرأي والمشاركة في رسم السياسات، وفي اختيار الذين يتوكلون بتطبيقها. هذا يتطلّب ثورة ذهنية وفكرية وسياسية لم تشهدها بلاد العرب على مدى تاريخها السياسي! أما الآن فإنّ الزمان ليس زمان الثورات، فلقد انطلق قطار الثورة الوطنية ولن يعود. نحن في زمان العولمة.
مجمل القول، إنّ حصاد الحكومات العربية، كان سيئاً للغاية، إذ كان لعِشرة المستعمرين ومشايخ النفط الخليجيين ارتدادات سلبية على مستوى الأخلاق، فضلاً عن السياسات الداخلية، وتحديداً في مجال خدمات القطاع العام، بالإضافة إلى تصاعد ممارسات المستعمرين الإبتزازية. إلى أن وصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم، حيث استغلّ المستعمرون ضائقة الناس، فجيّشوهم ضدّ حكوماتهم وأعطوهم السلاح والمال، فصاروا تابعين للمستعمرين، مرتبطين بهم بعلاقة تشبة العبودية. قالوا لهم ثوروا فثاروا. اقطعوا الطرقات، اسرقوا، خرّبوا، دمّروا، ثمّ طلبوا منهم النزوح إلى مخيّمات الأمم المتحدة في الأردن ولبنان وتركيا، لتحلّ مكانهم ميليشيات الوكالات الأمنية، جبهة النصرة، داعش… الآن جاءهم الأمر بالهجرة نحو أوروبا.. وتوظيف غرق بعضهم في مياه البحر.
(للحديث بقية)

:::::

“الديار”