عنوان الرسالة

ثريا عاصي

يُقال أنّ الرسالة تُعرف من عنوانها، يا ليت لبنان بلد عادي تتّسع منابره، ليس لزعماء الطوائف وأصحاب النفوذ فقط، ولكن للخبراء والباحثين أيضاً في القضايا الثقافية، بوجهٍ عام، وفي علم الاجتماع وعلم الدلالة خصوصاً.
الرأي عندي، بكلّ تواضع، فأنا لستُ باحثة، أنّ التناقض كبير وواسع بين تسمية حركة جماهيرية مطلبية في لبنان، وبالتالي سياسية بـ «طلعت ريحتكن»، ألفاظ من العامية، من جهة، وبين الذّهنية الشرقية والأعراف المتبعة في الشرق العربي في حقل الفكر والنظريات، من جهةٍ ثانية.
بناءً عليه يحقّ للمراقب أن يتساءل عن أصل مثل هذه التسمية. هل هي محليّة المنبت، أم أنّ جهات أجنبية أرسلت من همس بها. إلى من؟ أيّة أوساط شعبية تستجيب لشعارت كمثل «طلعت ريحتكم»؟
ما أودّ قوله هنا هو أن هذا التبسيط هو أسلوب جديد، أو بالأحرى، غريب في النشاط السياسي اللبناني. الفرق كبير بين «طلعت ريحتكن» من جهة، وبين شعارات الحركة الوطنية اللبنانية 1975 ـ 1976، من جهةٍ ثانية. أيّة علاقة تربط بين شعارات اليوم السطحية، كمثل الرسائل النصية التي يتبادلها المراهقون، وبين شعارات الأمس؟ الإجابة: إنّ الولايات المتحدة الأميركية كانت إلى جانب نُظُم الحكم ضدّ الذين رفعوا شعارات الأمس، لأنّ هذه كانت عناوين لمشروع وطني عصري، أمّا اليوم فإنّ الولايات المتحدة الأميركية تدعم حـَمَلـَةَ الشعاراتِ «الربيعية» التي لا تُعبّر في الواقع عن فكر أو خطة وطنية، ولكن عن تشغيل صمّام بقصد التنفيس عن الاحتقان، أو سدّه بهدف تفجير أزمة أو إشعال حرب. «ارحل»، فرحل زين العابدين بن علي، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. اغتالت الحكومة الفرنسية العقيد معمّر القذافي ظلماً وعدواناً، باسم حق التدخّل في شؤون الآخرين. هل ينعم الليبيون بالأمن والرخاء؟ هل يتوجّب على الليبيّين أن يعترفوا بالجميل للرئيس الفرنسي السابق؟! لائحة «الثورات» التي قادتها، عن بُعد، الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية التابعة لها، طويلة جداً. قبطان مركبكم سكّير وماجن، اقتلوه وارموا جثّته إلى البحر. مركبكم مهترئ، حطّموه.. ارموا بأنفسكم وأولادكم ونسائكم إلى البحر، سنُلقي إليكم سترات النجاة! الغريب في الأمر، أنّه في كلِّ مرة، تولد فجأة من حيث لا يدري أحد، حركة شبابية مسالمة، ولكن شجاعة، ومعها شعارات سطحية بسيطة، لا يختلف عليها إثنان. «ارحل»، «طلعت ريحتكن»! أسأل عن موقف الولايات المتحدة الأميركية!
أعترف، في الواقع، أنّي في حيرة. أتساءل ضدّ من يتظاهر المتظاهرون في بيروت في ساحة رياض الصلح أو ساحة الشهداء. قد يدهش البعض من صراحتي، أنا لا أعرف الإجابة، ولكن أعتقد أنهم لا يتظاهرون ضدّ السلطة، هذا من ناحية، أما من ناحيةٍ ثانية، فإني أشكّ بأنّ الأحزاب الوطنية، هنا أقصد العلمانية طبعاً، أو بقاياها، تملك خريطة طريق في هذا الزمان وفي الظروف الراهنة تحديداً. يستتبع ذلك، إذا صدق ظنّي، أنّ الأحزاب المذكورة لا تتبع نهجاً، وإنما ترتجل سلوكاً.
أنا على يقين من أنّ السلطة لو عزمت على معالجة مسألة النفايات، لوجَدَتْ الحل، والإمكانيات اللازمة لذلك. بكلامٍ آخر: إنّ السلطة في لبنان توجد تحت رعاية جهات أجنبية. ينبني عليه أنّ بقاء السلطة، أي الحكومة، مرهون بإرادة هذه الجهات التي تستطيع مساعدتها، إذا شاءت، على رفع النفايات وعلى إنشاء مصانع من أجل تحويلها. مجمل القول إنّ الغاية من النفايات هي أن «تطلع ريحتكن» تمهيداً لمسرحية، من المحتمل أن تكون هي نفس مسرحية «الثورة» التي عرضت، ولاقت إقبالاً عظيماً في أكثر من مكان، ولكن بإخراج يتلاءم مع «الثقافة» اللبنانية.
من البديهي أنّ السلطة ليست خائفة على نفسها أو قلقة، الدليل على ذلك أنّ جميع الشركاء فيها، قرّروا أن يلتقوا حول طاولة مستديرة، وعلى جدول أعمالهم، كما نما إلى العلم، نقطة واحدة هي كيف يرمّمون سلطتهم؟
أمّا في موضوع الأحزاب الوطنية العلمانية، فإنّ هذه الأخيرة أدرى بالأوضاع وبهُزال الديمقراطية في لبنان، وبالتالي، فإنّ الذين أسكتوها في الماضي، يمكنهم تكرار فعلتهم، فلا القانون يحمي الحرّيات العامة، ولا الناس قادرة على الدفاع عنها، ولا أعتقد أنّ السفير الأميركي سيتبنّاها.
لا يستقرّ الوضع في لبنان، طالما أنّ رحى الحرب لم تتوقّف في سوريا. كلّ فكر أو تحليل لا يأخذ هذا المُعطى بالحسبان هو نوع من السفسطة. ما هو مطلوب أميركياً وأوروبياً وسعودياً في لبنان هو خلق وضع يُضعِف المقاومة السورية واللبنانية.

:::::

“الديار”