في العيد

ثريا عاصي

سألته عن العيد، قال أنت تقصدين ذكرى العيد، التي لا يستقيم إحياؤها أو الفرحة بحلولها إلا بارتجاعها إلى الوعي الجمعي وإلى العقل . كان أنصار النبي محمد بن عبدالله على مدى ثماني سنوات ممنوعين من دخول مكة، فتمكّنوا من فتح هذه المدينة في شهر رمضان 630، واستطاعوا الحج لأول مرة، بما هم مسلمون، في 10 ذي الحجة من العام نفسه . بمعنى أنّ الثورة الإسلامية انتصرت في الجزيرة العربية في سنة 1930، ينبني عليه أنّ العيد لا يُجسّد حدثاً دينياً يتمثّل بنبوّة محمد وبالتواصل الإبراهيمي الرَّبّاني فقط، وإنما ينطوي أيضاً بحسب فهمي، على بعد اجتماعي وسياسي كما يتّضح من العلاقة التي ربطت بين النبي وأنصاره، من جهة، وبين أرستقراطية مكة وعلى رأسهم أبي سفيان، من جهةٍ ثانية .
جميع هذه المعطيات، كانت ملموسة في عيد الأضحى في الفتح الإسلامي، ومنها انطلق الفتح العربي . ولكن من المرجّح أنّ الذهنية البدوية القبلية لم تُدرك طبيعة الفتحين . بتعبيرٍ آخر لم تُدرك أنّ الإسلام دين، وأنّ العروبة ثورة اجتماعية سياسية . من المحتمل أنّ هذا العجز المزدوج كان من العوامل الهامة التي أفشلت بناء الدولة القطرية العربية .
أكتفي من هذا الاستطراد لأقول: إنّ الباحث في تاريخنا يخرج بانطباعٍ مفاده أنه كُتب علينا أن نتقاتل ونتلاعن، وأن يكون واحدنا خادعاً أو مخدوعاً، مُفسِداً أو مُفسَداً، سالباً أو مسلوباً . لقد أوصلتني مداورة هذا الموضوع التاريخي في الذّهن إلى ملاحظات أتمنى أن تُتاح لي الفرصة للعودة إليها في وقتٍ لاحق . من هذه الملاحظات :

ـ إنّ السلطة في بلاد العرب لم تمتلك الأهلية والكفاءة، في الواقع، من أجل إدارة الدولة المركزية . لم تقتنع هذه السلطة، بل أصرّت بكل الوسائل، أي بواسطة العنف وعن طريق منح الامتيازات للوجهاء ولزعماء العشائر والإفساد والصفقات، أن تحافظ على اجتماع مكوّنات اجتماعية، لم تتّحد، ولم تنصهر في جسم اجتماعي وطني . أي أنّ هذه السلطة ادّعت، معاندةً ومكابرةً، بأنها القائد الملهِم أو الخالد، وبأنّ الأمة الوطنية تُبنى من الأعلى إلى الأسفل، وليس بالضدّ من ذلك من أسفل إلى أعلى؛ أي من الضيعة إلى مجالس المناطق، إلى مجالس المحافظات، الى المجلس الوطني !

ـ من الصعب، بل من المستحيل أن نوافق بين انتماءين . ماذا يعني مصطلح نسمعه منذ أن أبصرنا النور « الأمة الإسلامية والأمة العربية « ؟ لا يعني شيئاً على الإطلاق. لا يهم أن تكون مؤمناً ومن أتباع هذه الديانة أو تلك، إنّ ما يهم هو معاملاتك، كونك استوطنت أنت وآخرين هذه البلاد . هل يستطيع جارك أن يأمنك، هل يستطيع العمل معك، الاشتراك معك في تنفيذ وإنجاز المشروع الوطني الذي من المفروض أنّه وُضع في المجالس التمثيلية التي اختار أعضاءها المواطنون.

ـ الغاية من المشروع الوطني هي ضمانة النمو والازدهار والأمن والاستقرار، والأمل بآفاق مستقبلية خيّرة، لجميع المواطنين دون تمييز، بحسب النسب والحسب، والمعتقد والرأي . هذا طبعاً ضمن حدود المستطاع، شرط توفير الحد الأدنى ممّا هو ضروري لكل مواطن، وشرط إحسان جزاء ومكافأة الذين يُحسنون عملاً، ويظهرون أمانة وإخلاصاً، ومهارة .

ـ الوطن ليس ذكرى، الذكرى نوعان . نصبٌ ننحني أمامه من وقت إلى آخر ثم نكمل سيرنا، وذكرى تحيا فينا، عِبَراً نتعلّم منها، نأخذ المبادئ الأساسية التي نبني عليها . الوطن حاضرٌ دائماً، ليس وطن الماضي ولا وطن المستقبل . مثل هذا الوطن الدائم الحضور، يستحق التضحية والعرق والجهد، وفي مثل هذا الوطن تبقى ذكرى الشهداء حيّة في عقل المواطن وفي ضميره.

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/