“كنعان” تتابع نشر كتاب “مديح البياض في الخطاب الفلسطيني الممنوع” لمؤلفه محمد الأسعد

 

خطاب محاصر بالإنتماء

لكي ينال خطابٌ ما اعترافاً من مؤسسة أو جماعة أو فرع معرفي، عليه أن يعالج إشكاليات تطرحها هذه المؤسسة أو الجماعة أو الفرع المعرفي. وأن يبحث لنفسه عن الطقوس اللازمة عادة لأمثال هذه الخطابات المعترف بها. أي أن عليه أن يبحث عن الحقيقة ضمن ماهو حقيقي بالنسبة لدائرة أو منظومة أو مجال، وإلا حكم على نفسه بالهامشية أو اللامعنى.

وهكذا فإن مايُقال عادة ضمن الخطاب، وخضوعاً لآلياته ليس بريئاً من نية الاندراج في مفهومية خاصة وأفق نظري خاص. والمشكلة هي أن مانصوره إمكانية أو ينبوع ولادة مثمرة لخطابات، يتحوّل إلى سلسلة من منظومات الحصار غير الموعز بها غالباً.

ولعل تقنية الخطاب الشعري هي  أكثر الأمثلة وضوحاً في التاريخ القريب. فهي تقنية تتضمن دفعة واحدة ما يدعوه ميشيل فوكو المثل أو السابقة. ذلك الذي يأتي كتعليق أو تعقيب أوتفسير، ويتضمن أيضاً عنصر النوع الأدبي الذي يحدّد مستوى الموضوعات، كما يتضمن هيمنة الشخصيات الشعرية. وحتى وقت قريب مازال الجزء الأكبر من المقول الشعري يعتبر هامشياً وبلا معنى قياساً بأساسيات الخطاب الشعري هائل السيطرة.

كل هذا يمكن النظر إليه كنوع من الرقابة الداخلية التي تمارسها آليات الخطاب نفسه، بعكس تلك العناصر الخارجية الواضحة مثل منع قول هذا وإباحة قول ذاك، أو التمييز بين ماهو معقول ولامعقول، أو ما مايتعلق منها بمفهومنا لما هو حقيقي بالتطابق مع الحقيقي.

إن النصوص الثقافية، وحتى مصائر المثقفين، لاتنطلق من فراغ، بل هي أنواع من الاستجابات بهذا القدر أو ذاك لمنظومة خطاب ما. استجابة لمحرماته ولما يبيحه في الوقت نفسه. فإذا كان النص هو أحد الجزيئات التي يتحقق فيها الخطاب العام، فما الخطاب العام إلا الأرضية او مجموعة القواعد المعرفية التي تجعل هذا النص ممكناً. ومثل هذه القواعد لاتوجد عادة على صعيد منظور وبشكل حصري، بل تكاد تكون صعيداً من الحس بالواجب والحقيقي والمعقول، من دون أن تكون هناك حاجة لإيجاد مبررات علنية.

ولانجد بين أيدينا نموذجا لخطاب ثقافي يحقق شروط الحصار هذه أفضل من الخطاب الثقافي الفلسطيني. ليس إذا أخذناه في سياق تعارضه مع الخطاب الثقافي العربي الذي لايحاصره إلا ظاهرياً، بل إذا أخذناه في سياقه الخاص، وفي نطاق مفاعيله الداخلية. وفي تاريخيته المتأخرة حين انفصل عن الخطاب العربي، وأصبح يمتلك استقلالية وسلطة مهما كان مبلغها انتقلت حتى إلى فرض محدّدات على الخطاب العربي من حولها.

لقد أصبح بهذا الإنفصال مالكاً لقدر معقول من عناصر الحصار الذاتي بالنسبة للإنسان الفلسطيني، وإلى حد ما بالنسبة للإنسان العربي الذي يمارس الفعل الثقافي. سواء بوصفه نتاج مؤسسة أو نتاج تجمعات وجماعات ضغط.

وسيكون غريبا بالطبع الإشارة إلى أن لمثل هذا الخطاب طقوسه ومؤسساته ومفهومه لما هو معقول ولما هوغير معقول، لما هو ثوري ولما هو عدو للثورة. خاصة وأن عملية بنائه تتم في ظروف القهر السياسي والملاحقة العنيفة. ولكن، ربما كانت هذه الظروف بالذات هي التي مكنت هذا الخطاب من امتلاك هذا القدر من المعقوليات والبدهيات التي لاتناقش، والمرجعية اللغوية المتحررة من كل واقعية باعثة على الشك وسوء الظن.

فهل كان خطاب غسان كنفاني مثلا تأسيساً لخطاب جديد أم كان نابعاً من خطاب ما؟ وهل ساهم هذا النص مع غيره في اختزال ممكنات الحدث الفلسطيني وتسريده في منطق معين أم العكس؟

هذه أسئلة داخلية بحتة لم تطرح حتى الآن، ربما بسلطة الموانع الخارجية والداخلية، سواء بالنسبة لنص غسان أو لغيره من النصوص الأخرى، ثقافية أو سياسية، تلك التي عاشت وتعيشت على خطاب عام لم تجد من ينقب حتى الآن حول أسسه وبدهياته ومصادراته.

فمن ذلك الذي يستطيع أن يؤكد ان محاكاة السرد الفلسطيني مثلا لجغرافية سرد كتاب مجتمعات مستقرة ومتماسكة في الزمان والمكان كانت نزيهة ومخلصة لتجربة الفلسطيني الذي تشتت مكانه وزمانه؟ وإلى أي مدى كان خطاب الثقافة الفلسطينية خطابا مبتكراً غير خاضع لمواصفات الخطابات العربية، ورهين ارتهاناتها ورؤيتها إلى العالم؟

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، في ضوء تقليدية الخطاب الفلسطيني رغم عدم تقليدية تجربة الفلسطيني، هو: من الذي قام بالرقابة وأعطى لهذا الخطاب حدوده ومواضعاته ومسلماته، أي مواصفات انتاجه وطقوسه وآماله، وطرائق تعامله مع الزمان والمكان والذاكرة؟ وبالتالي نفوذه الذي يطالب الإنسان بالإنحناء أمامه لاغيره؟ أو بعبارة أخرى من أعطاه عناصر حصاره، بحيث أمكن في ضوء هذه العناصر تهميش كل حقيقة أو رؤيا تقال خارج متضمناته؟ أليست أشياء من داخله أيضاً، وبسطوة المنظمات السياسية صاحبة البندقية والضمان المالي ومجرى التسويق؟

أن يقال ما يقال وفق قواعد خطاب رائج فذلك هو الحقيقي؛ الحقيقي الذي تعينه وتشير إليه مواصفات ثقافة ما، وذلك هو ما يمنح “هوية” مقابل “لاهوية”، و”معنى” مقابل ” لامعنى”، و”أملا” مقابل” يأس”. مثل هذه الأزواج المتقابلة والمتضادة هي بالضبط آلية الحصار، أي آلية تهميش خطابات أخرى ونصوصها. ولعل استخدام تعبير “إما.. أو” هو العلامة الأشد وضوحا لسلطة خطاب في أتم تجلياته.

ولكن لنراقب هذه الآلية الداخلية عن قرب، هذه النصوص العديدة التي تتوزع شعراً وفناً وخطاباً سياسياً وبحثياً، وتكاد تخضع بشكل او بآخر لمنطق تسريد أعلى أو إرادة تسريد هي ماندعوها خطاباً.

منذ أن افتقر الفلسطيني إلى “الهوية” المحددة، لم يكن الهم إعادة تحديد الهوية بشهادة الميلاد فقط، بل إعادة الإعتبار لخطاب الهوية، تحديد هذا الخطاب وإعلان سلطته ووضع الاستحكامات الكفيلة بجعله خطابا مميزاً عاجزاً عن التناقض داخلياً. استحكامات هي خليط من استيهامات وردود أفعال وملحوظات واقعية.

لم يتم هنا إنكار التعدد والغنى، ولكن تم تحديد هذا التعدد، وتقرير نوعية الغنى المطلوب، وفي أي اتجاه. وستكون أول سمات هذا الخطاب المميزة له هو أنه مجبر على التفاؤل، والثقة بالتواصل التاريخي؛ مجبر على أن يكون له أمله. والأمل على إطلاقه، أي على نفي التشاؤم بكل وسيلة ممكنة. وكأن ماهو حقيقي و”فلسطيني” هو ما يعكس الأمل فقط. أما مايعكس نقيضه فهو زائف أومشوه أو غير واقعي. وهكذا فإن الأمل، وهو دال لغوي، يحلّ محل المدلول الواقعي مهما كان من شأنه. وبهذا تصبح اللاواقعية مرادفة للأمل، وتصبح الواقعية مرادفة لغير الحقيقي، للمحبط والمخذول. الأسئلة هنا لاتتواصل، وإن تواصلت فإلى حد معلوم، وإلا أصبحت بلا معنى.

في مثل هذاالسياق يتم شاعر مثل  سميح القاسم نشيد الأمل في مجموعة “شخص غير مرغوب به” تحت رقابة الأمل، أو يقع في حصار دال لغوي لا أكثر، فيختار أن يحكي لنا قصة البداية والذروة والنهاية، وليبشرنا بالخاتمة السعيدة.*

ويقع كثيرٌ من الشعراء الفلسطينيين في القبضة نفسها، وبل وتقع فيها الفعاليات الثقافية الفلسطينية رغم اختلاف نوعية الخطاب بين سياسي وشعري وروائي..إلخ. حتى ليكاد الطابع الأدبي أن يكون سمة الخطاب السياسي والإجتماعي أيضاً. ولا حاجة للبحث عن خطاب فلسفي في هذا السياق، فالفلسفة مستبعدة بشكل ملحوظ، بل هي من غير المفكر فيه.

الأمل هو مرادف الحقيقي، ولكن مثل هذه المعادلة ليست إلا لغة تكرّر ماسبق وأن أعلنه خطاب الثقافة العربية في معادلاته الشهيرة؛ المطر يرجى بعد السحب، وآخر الليل نهار.. وما إلى ذلك. تحت رقابة من هذا النوع تكتب المقالات وتلقى الخطب وتقال القصائد، وتلتهب الأكف بالتصفيق.

السمة الثانية من سمات هذا الخطاب هي السمة الطقسية. تستمد هذه السمة وجودها من إشارات متنوعة أصبحت ملازمة للقول الفلسطيني وكأنها جوهره الأزلي. إشارات تحدّد المواصفات التي يجب أن يمتلكها القائل الفلسطيني، وإلا أنتفت عنه هذه الصفة، وأصبح قوله بلا معنى، أو أصبح عدمياً كما يرى بعض المنتفعين من هذا التجويف. ومثل هذه الإشارات ضرورية لإعطاء الخطاب والنصوص التي ينتجها الفعالية والقدرة المفترضتين.

وهنا تواجهنا أزواج متقابلة: الملتزم مقابل غير الملتزم، والمنظم مقابل الفوضوي.. وهكذا. وخضوعاً لمقتضيات الممارسة الطقسية، رأينا منذ عدة سنوات ان للبقعة الجغرافية أهمية استثنائية لقائل النص وإلا وقع خارج الخطاب الفلسطيني. والبقعة الجغرافية المقصودة هي المكان الذي تعيش فيه القيادة، أو البلاط بالأحرى، حيث تتجمع صنوف من الإعلاميين والشعراء والكتاب حول دائرة الضوء الوحيدة في الظلام الدامس؛ خارج هذه البقعة لامكان ولا معنى لأي فعل أو نص فلسطيني. ورأينا أيضاً أن للجماعة الأهمية نفسها، ومفهوم الجماعة هنا يتطابق مع مفهوم رجال البلاط ذاته، حيث نقطة الضوء التي يتنقل صناع الخطاب الفلسطيني معها أينما تنقلت، وخارج هذا البلاط من العبث التفكير بانتاج خطاب.

وهنا لايستمد الخطاب أو النص الذي ينتجه قوته من ذاته بل من خضوعه لهذه الإشارات الطقسية. ولهذا من السهل أن ينزوي في العتمة أي نص إذا جاء من بقعة جغرافية أخرى خارج بقعة الضوء، أو غيّر صاحبه مكان إقامته. إن النص الفلسطيني يكتسب قيمته من قربه أو بعده من دوائر الضوء التي يسمح بها بلاط السياسي، ومنه يكتسب نفوذه، وليس من شيء آخر، كأن تكون قيمته بذاته. وتنزوي وتقصى حتى الجموع البشرية الفلسطينية إذا حدث وإن غادر موقعها البلاط وأصحابه. وكأن الخطاب الفلسطيني ليس فعالية فكرية تتجاوز المكان والزمان، بل هو مصنع لانتاج بضائع استهلاكية تنتهي صلاحيتها بانتهاء مدة خدمتها.

ألم تكن هذه الطقوس محركاً لعدد من المثقفين الفلسطينيين الطامحين إلى أن تكون نصوصهم في السياق الكبير، سياق خطاب “القضية” لاخارجها؟ ثم اكتشف بعضهم فجأة أنه لم يكن ثمة خطاب بل آلة لتصنيع نصوص دعائية تستهلك وتنتهي صلاحيتها بانتهاء حاجة صاحب البلاط إليها؟

حتى مفهوم الخارج والداخل لم يبق بعيداً عن التصنيف الزوجي: الملتزم وغير الملتزم، الثوري والفوضوي.. إلخ. فأصبح كل من هو داخل هذا الطقس وشروطه يمتلك نصه المعنى والحقيقة، أما من هو خارجه فنصه لامعنى له، أو عدمي، أوغير حقيقي.

يضاف إلى ذلك تلك السمة الثالثة العجيبة التي رافقت الخطاب الفلسطيني؛ إنصرافه عن النقد الداخلي انصرافا شبه مطلق، وتوجيه النقد إلى الخارج دائما. الذات هنا مبرئة من كل عيب ونقص، العالم فقط هو الناقص والمثقل بالعيوب. وستنضم هذه السمة المبرَّرة تحت صيغة الانتماء إلى جملة من المتاريس والموانع” الأخلاقية” التي تصد أي نزعة نقدية، بل وتقمعها وتقصيها. ونجد أنفسنا هنا أمام سمة حصارية عنيفة، تحاصر النص وصاحبه في وقت واحد معاً. وتخلق مايشبه الغيتو الذي يديره كهنة مقدسون أو أبقار مقدسة بالأحرى.

إخضاع في اتجاهين يشبه الإخضاع المذهبي الذي تحدث عنه فوكو: إخضاع الذوات المتكلمة للخطاب واخضاع الخطابات للمتكلمين. وكما أن أعضاء الرهبانيات أو مواطني المدن القديمة لايوجدون خارج الرهبانية أو المدينة، كذلك لايستطيع المتكلم قول الحقيقة أو حتى أن يكون موجوداً إذا لم يستجب لقواعد معينة تسيّج مجالا معيناً وتعلنه مجالَ كلّ ماهو حقيقي وذي معنى.

ويُعتقد الآن، وعلى نطاق واسع، أن هذه هي الشروط الناجحة للقول “الفلسطيني” بل وللوجود الفلسطيني. وعلى أساس من هذه المنظومة اللغوية تخاض معركة مواجهة الخطابات الأخرى، الخطابات الصهيونية وغير الصهيونية، الواقعية والوهمية. وتتحدد هويتكَ وتتحدد هوية نصكَ وقيمته وفق وجودك في أحد الطرفين من الأزواج المتقابلة، إما.. أو. ولذا لاغرابة إذا وجدنا أن أكثر الأسئلة جدية هو الأوفر حظاً من الغياب. وأن الروح النقدية غير مفكّر فيها، بما يعنيه هذا من غياب للعلم والفلسفة.

إن لنا هنا اعتراضاً، ولكنه اعتراض لايُنظر فيه، ناهيك عن أن يؤخذ به، لأنه يدخل فوراً في فئة اللامعقول. ولنا هنا سبب لمراجعة بدهيات هذا الخطاب، ولكن أي مراجعة من هذا النوع تدخل فوراً تحت صنف خطاب آخر، قد يتهم بأنه معاد للثورة وبلاطها.

                                                                                1987

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من طبيعة الأمور أن يُكتب الكثير من الأدب الرديء باسم فلسطين مما قد ينزل في حساب أدب المقاومة قبل 1967 وبعدها، فيطالبنا لذلك بالتساهل في الحكم عليه، كأن أحكامنا يجب أن لانتمسك بها بحذافيرها إلا بشأن الموضوعات الأخرى. غير أن حكمنا على أدب المقاومة لامحيد له عن اعتماد مقاييس الخلق الأدبي مهما يكن الموضوع. لابد أن نستضيء بما فيه من رؤية مجذرة في التجربة، بالأصالة ، بالجدة، بالثورة الداخلية.

(جبرا إبراهيم جبرا، 1970)