تعريفات 5

أحمد حسين

 

ماذا تعلمنا من الماركسية ؟

 

لا قانون للمعرفة في الطبيعة سوى امتثال الوعي للتجربة  التطورية. أي أن قوانين الطبيعة  هي  قدريةُ الوجود وغيبيتُه، لأنها موضوعيةٌ بالحتم لا بالوعي. فنحن لا نعرف عن الغاية من شكلها أو مضمونها بالتجربة، فنأخذها كما هي. يمكن أن نتحدث عن  درجة غليان الماء ونجيب علميا انها كذلك بسبب قوانين الطاقة والكثافة والضغط الجوي. حسنا، هذا كله اكتشفناه بالتجربة، ولكن قد نتسائل لماذا وجدت القوانين هكذا، وهل يمكن أن تكون  درجة غليان الماء نظريا في درجة 20 بدل مئة؟ ولماذا لم تكن القوانين على هذا النحو ؟

يمكن أن نتسائل وقد نضع جوابا من عندنا لا قيمة له علميا.  فما وراء الطبيعة ليس موضوعا للتجربة أو الإكتشاف. ليس موضوعا حتى للمعاقلة غير الإيمانية. والمعاقلة الإيمانية وجدان فلسفي وسيكيولوجي وليست علما. لذلك يمكن دائما انتقاد أشكال الوعي على ضوء قوانين المادة وحركتها في الطبيعة، ولا يمكن العكس.  فإشكالات الوعي ظاهرة تناقض بين وعيين في طريقها إلى الحل الجدلي، بواسطة مجموعة من الحركات المكتشفة علميا يفرضها وعي التطور العلمي المكتشف على الوعي  المختل، طال السياق أم قصر. وما يولد التناقضات المولدة للجدل هو دائما الإخلال بالتوازن الوجودي المتعمد أو غير المتعمد داخل المجال الحيوي المشترك، وبالتالي تتولد صراعات الوعي والحركة في السياق الوجودي المقنن.

 الطبيعة  إذن نظام وحيد  للقوة المطلقة ينتج نمطه المعرفي وليس العكس. وبما أن الطبيعة هي القوة المطلقة فان  سياق التوازن الفعلى في النظام الطبيعي هو بين الإمتثال لقوة النظام المطلقة،وثبات النمط النسبي، الذي يتخذ شكل القانون. ولكن حتى داخل النظام الطبيعي هناك توازنات متغيرة تتأثر بديناميات السياق البنيوي الداخلية، تولد جدله السياقي في حركة الوعي قصرا. ولكنه يبقى قانونا يخص النظام  الطبيعي  فقط، ولا يُلزم أنماط العلاقات والتوازنات في التجربة البشرية القائمة على النسبية والتجربة قصرا أيضا.

إذن ” لا وجود ” وراء القوانين الطبيعية علميا إلا للصفر المعرفي بالنسبة لنا. والإيمان هو الشكل الوحيد لهذا الصفر المعرفي. لذلك فإن العلم لا يتعامل معه إلا اجتماعيا، ولكنه يقر بوجوده على هذا الأساس كفصلة جدلية بين الروحانية والعلمانية.

وحينما نقول الصفر المعرفي فإننا نعني معرفتنا. ومعرفتنا هي الوقوف أمام جدار الكونية المغلق دون أن نستطيع أن ندعي معرفة من أي نوع. فنحن لو جزمنا بعدم وجود شيء ما وراء الطبيعة فهذا بحد ذاته معرفة. وهو مناقض للتسليم المتفق عليه بعدم المعرفة. أي كمن يدعي عكس ما يريد. حتى. فالمؤمنين عموما، عدا من يسمون أنفسهم  ” الفقهاء ” أو من يؤمنون بما يقولونه، يجزمون بوجود الروح بدلائل عقلية وفلسفية، وأن الطبيعة هي عالم المادة وما وراءها هو عالم الروح. وهو ما لا يستطيع الماديون أكثر من إنكاره والقول أن ما لا دليل على وجوده فهو غير موجود، وهذا أيضا رأي فلسفي ومناقض للعلم ذاته. فالعلوم كأنظمة معرفية لم تكن قائمة دائما، والديناصورات لم تكن ” موجودة” قبل اكتشاف وجودها. والقمر والكواكب البعيدة كانت موجودة دائما، ولكنها لم تكن قائمة فعلا لأنها كانت آلهة تعبد، أي ذوات غيبية تحولت بالتجربة إلى مواد صخرية. فمعرفتنا إذن غير نهائية. والإنسان والحيوان ليسا قطعا مادة خالصة. إنهما مادة ووعي. وهل الوعي مادة ؟! وما هي حدود هذا الوعي غير المادي ؟ والموت ظاهرة مفسرة ماديا، ولكن لماذا لا يحدث ماديا إلا بعد اختفاء مظاهر الوعي ؟

لم يدخل ماركس في دوامة الغيبية  الروحية. ورفض الغيبيات المادية بقسوة ونكل بأصحابها. تناول دور الدين الإجتماعي كمؤرخ وعالم اقتصادي واجتماعي، وعلاقة طبقة الكهنة الماكرة والإنتهازية والطفيلية بالروحانيات وبالطبقات الفقيرة من ناحية، مقابل علاقتها بالطبقات  العليا وانضمامها إليهم كشركاء  ” روحيين ” بدليل ملابسهم الفاخرة وتيجانهم الذهبية من ناحية أخرى. من ينكر دور تنابلة الكهانة والفقه البذيء والطفيلي في كل الأديان هو شخص بدون أي تشخيص عقلي أو روحاني. وماركس سلك طريق وعيه التاريخي المادي والعلمي، ولم يتدخل في المغيبات إلحاديا، بل في مظاهرها الكهنوتية الإستغلالية التي شكلت لونا بارزا من ألوان الدجل الإجتماعي الإنتهازي مثل كون كانت الكنيسة هي الإقطاعي الأكبر والأغنى في العالم المسيحي، وليس الأرستوقراطية.

أعتقد أن الماركسية لها  كل الفضل في حل معضلة الثقافة مع الدين. فقد قدمت وعيا ماديا علميا لكل شيء، دون أن تتوقف طويلا أمام مظاهر الثقافة الروحية لدى الأفراد، وكأنها تقول : إذا كانت لكم نوافذ روحية على الوعي فهذا شأنكم. ولكن إذا كانت  هذه النوافذ على الكهانة فأغلقوها قبل أن تنغلق على عقولكم.

 

بوتين

 

ما زال رجل المرحلة المقترح. قوي الحضور، شجاع العقل بدون ترد، قائد أمة عظيمة، إنساني الثقافة والسلوك. ضرورة دولية سياسية وإنسانية مفصلية.

قادر مع قادة دول المقاومة والدول الإجتماعية في العالم على التصدي لتيار دول التمدن الهمجي المفترس، لأنه قائد أمة لا تزال لديها القوة والقدرة على  الصد، وتطويرها إلى مستوى الردع المطلوب في فترة زمنية مناسبة. فإذا أضفنا إلى هذا مصداقيته  القيادية لدى أكثر شعوب الأرض ذات العنفوان الإجتماعي التاريخي والحضاري، رغم قوتها المادية المحدودة، فإن الغرب سيصبح هو السافل  الأكبر وليس الأقوى.  هذه الشعوب إذا رفعت سقف العلاقات بينها إلى درجة الإلتزام المبدئي، ووعت أنها تدافع عن وجودها الإنساني المادي والمعنوي أمام دول وشعوب مسمنة بخبزها هي، وقوية بضعفها هي، ومتمدنة بصلف العنصرية ضدها، ومتحضرة بمعاداة  حضاراتها الإنسانية مبدئيا، ويداها ملطختان بدماء البشر وتعاستهم كما تثبت الوقائع، فسوف تلغي كل تفوق للقوة المريضة التي لا تحتمل حتى  سقف الصمود وحده، كما أثبتت التجربة السورية الخالدة حقا وفعلا. فهل سيترجم بوتين بأهليته القيادية هذا الواقع الميداني إلى واقع إيديولوجي ولو مرحلي للضرورة ؟ في هذا الواقع الشري المندلع في الغرب كعقيدة مستشرية، لا حاجة للبحث عن إيديولوجية غير إيديولوجية الحياة الإنسانية. إنسانية الدفاع عن الحياة والحرية ورفض الإستعباد هي  إيديولوجية كل شيئ. والعدو الغربي خطر على كل هذه الأمور التي بدونها يصبح الوجود الإنساني مجرد مذاود لحمير الإمبريالية.

بالتجربة والأهلية المعرفية والثقافية، يعرف بوتين  ما هي حقيقة الصهيوغربية والصهيومريكية. الصهيومريكية تُحالف الصهيووروبية مؤقتا، ليرفضا معا كل حقيقة فكرية تقول أن انضمام روسيا للمعسكر الغربي أشبه بمنحة ديبلوماسية واقتصادية للإمبريالية. لماذا ؟ لقد كانت الدماثة والشفافية التي أظهرتها الدبلوماسية الروسية  تجاه هذا الموضوع  تدل على أن روسيا تريد مواصلة التنمية الطبيعية لشعبها في بيت دولي واحد، وليس مزاحمة مصالح الآخرين استعماريا. وكانت الإستثمارات الغربية في القارة الروسية الجريحة مضمونة الجدوى ماديا ومأمونة النتائج سياسيا بالنسبة للغرب. فلماذا يرفض الغرب ذلك ؟ ألا يدل هذا أن النظام الشيوعي المتهاوي في الإتحاد السوفياتي لم يكن هو المقصود الأول  بالتدمير الصهيوغربي، وأن المقصود الفعلي بذلك هو الدولة والشعب الروسي ؟ فهل من المعقول أن بوتين مصر على اختراق هذا الرفض الغربي له، ولماذا ؟  هذه ليست أسئلة ساذجة، ولكنها أسئلة غير مطّلعة على دخائل الواقع التي قد تحوي أسبابا لها ثقلها من جانب بوتين والمصلحة الروسية. ومع ذلك، فقد قلل الحزم الروسي الأخير من الصلف الأمريكي والأوروبي السخيف. وفهم بوتين أخيرا أنه، إذا كان لم يفهم ابتداء،  أن التعايش مع الغرب والصهيومريكية غير ممكن إلا بشروطها. هذه الشروط قائمة على اختزال حق الآخر في أية علاقة معه أو إلغائه تماما أحيانا. هذا الوضوح المهين الذي يطرح بطبيعته الإستهانة المسبقة بالآخر، يجب أن يواجه باتزان مترفع  وشديد الصرامة بوضوحه القمعي  من جانب طرف لا يقبل الإهانة من الآخر. وهذا ما فعلته الديبلوماسية الروسية في الأيام الأخيرة من هذا الشهر.

وحتى الآن تثبت الوقائع والسجالات السياسية، أن بوتين ومن معه من السياسيين الروس، ليس ممن يقبلون بحدوث حرب يمكن منعها بأية وسيلة ديبلوماسية متوازنة. وبالمقابل تثبت الوقائع أن الصهيومريكية والصهيوروبية تسارع إلى أية حرب سانحة تخدم أهدافها. كل حروب أمريكا والغرب المعاصرة مبررة ذاتيا بكونها أسهل الوسائل لتحقيق الأهداف المنشودة. الحرب في ثقافة الصراع الأمريكية  والغربية  ليست أمرا بشعا بذاته. الفشل فقط هو الأمر البشع. أما الحرب فهي حسناء كل عصور المصلحة الإمبريالية  إذا توجت بالإنتصار وتحقيق الأهداف. الثمن يمكن حسابه عند الهزيمة فقط. وفي حالة الإنتصار فإن ارتفاع الثمن  يزيد من رومانسية الحروب الجميلة، وعدد الأعمال الشعرية التي تمجد بطولات الموتى وترفع أسهم النظام. وبدون أي تجاوز للنزاهة والموضوعية، فإن هذا هو الفارق بين البشر الأسوياء الذين ترعرعوا في  أحضان الحياة العادية  في الحقول والمصانع، بين العمل والكد والتمتع بجمال الطبيعة المجاني وبين حب الحياة في الآخر ومعه، وبين البشر المستذئبين الذين تمتليء رؤوسهم الفارغة ووجداناتهم القاحلة بهوام الثقافات المريضة بالعظمة الدنيئة، التي ولدت من قدرتهم على قهر الشعوب الضعيفة، وأهليتهم الثقافية لارتكاب جريمة الدم  والإلغاء المعنوي ضد الآخر، ليحصلوا على أوسمة البطولة، وعلى علاوة  في الراتب. هذا هو الفرق بين الديبلوماسي الروسي في أكاديميته الثقافية السوية، والسياسي الغربي المنحرف في أكاديمية تصوراته  المريضة حول نفسه والآخر. حتى  المواطنين السود والسمر في أمريكا ما زالوا يؤمنون أن الأمريكي الأبيض أفضل منهم في أمريكا ، وأنهم أفضل من البيض غير الأمريكيين في  البلدان الأخرى. كائن بهذه الخطورة على نفسه وغيره، يصر بوتين على التعامل معه كآخر سويّ، رغم أنه نتاج حضارة خليعة جعلت منه مستذئبا قاتلا. ولا يمكن حتى للمستذئب الأمريكي أو الأوروبي أن يحس أمام نموذج  أوباما  الأمريكي الرمادي بالراحة والطمأنينة النسبية التي تفرض نفسها عليه أمام نموذج بوتين الواثق والإنساني.

   لم يكن ما قام به بوتين أخيرا انقلابا في السياسة الروسية في اتجاه التشدد، كما يعتقد البعض. إن الجوهر المتعقل والأخلاقي للسياسات الروسية لم يتأثر بنيويا بفظاظة أنظمة المحافظين الجدد في أمريكا وأوروبا، لأن جوهره البنيوي هو رهان استراتيجي  لمصلحة الأمة الروسية والعلاقات الدولية  قبل كل شيء، وليس نهجا متعقلا للمداراة الخبيثة، كما يُسقِط  مستذئبو الإرتداد الهمجي. لقد غير بوتين نهج التعامل فقط وليس جوهره القائم على البناء البراغماتي المبدئي المنحاز إلى عالم السلام والتعايش الإنساني المتحضر. وبعد أن فعل كل ما بوسعه  ونجح في إقالة عثرة الدولة الروسية بعد إسقاط وسقوط الحزب الشيوعي، وجد أن الوقت قد حان ليعيد لروسيا وشعبها دورهما الإلزامي في العظمة والتقدم  على أساس خيار السلام الدولي  وليس على أساس المنازلة الهمجية للقوة. وقد أخرج هذا المستذئبين عن طورهم،وحاولوا أن يجبروه على تبني نهجهم المتوتر لصالح المقارنة  على الأقل، ولكنه دخل من باب آخر للمقارنة وهو باب محاربة الإرهاب، لعبتهم المكشوفة التي لا يمكن أن تكون فيها المقارنة لصالحهم أبدا.  ودخل من باب الحقيقة الميدانية للواقع بشفافية استثنائية زادتهم بلبلة بالنسبة إلى مركزية الرئيس الأسد وسوريا في قيادة الحرب الدولية لمحاربة الإرهاب. من كان يتذرع بمحاربة الرئيس الأسد كمدخل لمحاربة الإرهاب هو مختل عقليا وأخلاقيا ولا يعرف حدوده، ومضحك سياسيا. لماذا ستحارب سوريا وجيشها وشعبها الإرهاب، إذا كانت أمريكا ستقرر لهم من يكون رئيسهم ؟  هل الوعي لمفهوم الحرية، يوازي وعي مباراة لكرة القدم لدي الأمريكي الغربي ؟  لقد رد عليهم بوتين ليس باسم سوريا فقط، بل باسم كل شعوب الأرض السوية الوعي ومنها الشعب الروسي.  قال كلمة ربما لم يقلها، ولكنه قالها بدون كلام. أيها السادة أنتم غريبون حقا.  لماذا تريدون القوة والحرب، وليس القوة والسلام ؟

بالطبع أنا منحاز لبوتين. لمن يمكن أن أنحاز جنابي أو غيري، إذا كان البديل هو الشر المطلق المعادي لمسيرة الحياة الإنسانية ؟ هل أنحاز لمن يكره أمه وكل الأمهات أم لمن يحب أمه وكل أمهات العالم ؟

 

فرنسا

 

دولة في سن اليأس، ما زالت تحتفظ  بمخدع معطر، تختلط فيه رائحة العطر برائحة الرطوبة والعثّة في خشب السرير الملكي القديم للويس الرابع عشر، الذي ولدت فيه ” الثورة الفرنسية ” إمبراطورا قصير القامة، قُتل بالسم على صخرة تدعى سانت هيلانة، مثل فأر ما. هكذا بدأ تاريخ هذه السيدة وانتهى بدون مجد كأنه حلم ليلة صيف. ولكنها لا تستطيع الإعتراف بذلك.

الثورة الفرنسية  حادثة دموية لم تسفر عن شىء  سوى الحرية الجنسية. فليفتخر الفرنسي إذن بالمقصلة وخلع الملابس الداخلية، فهذا شأنه. ولو كانت تيوس الماعز الخليجية لها ملابس داخلية للخلع لتفوقت عليهم في هذا. وقد سبقني إلى مثل هذا القول كاتبان أمريكيان قالا في رواية مشتركة لهما  عنوانها ” الفارس الثالث عشر ” أن الفرنسيين يتباهون بكثرة المومسات في بلادهم. ولكنهم لا يعرفون أن  عدد المومسات في نيويورك وحدها يساوي أضعاف ما في فرنسا من مومسات. ويدل هذا على مدي احتقار الأمريكان للفرنسيين ليس سياسيا فقط، ولكن حتى في كثرة الأسماء الثنائية في فرنسا بالنسبة لبلد يشبه مزرعة لاستيلاد للقطاء.

اشتهرت باريس بالتقصير عما ينسب إليها من الشهرة في كثير من المجالات. فقد اشتهرت بأنها عاصمة الفن. ولكن لا يوجد رسام فرنسي واحد في القائمة العشرية الأولى لرسامي العالم. وتعود هذه الشهرة الكاذبة إلى أمرين. أحدهما الأجواء البوهيمية والجنس الفاقع المتوفر  للفنانين الغرباء الذين كانوا يؤمونها بكثرة، وكون معظم رساميها من مني محلي مصابين بالزهري والأمراض الجنسية الأخرى، مما جعلهم يلفتون النظر بغرابة إنتاجهم الذي يستجدي الإثارة، وليس بمستواه الفني.

إن التاريخ الإكاديمي هو ماخور الغرب الأشهر. هناك يمارسون التاريخ كما يشاؤون، وكما تمارس الأحلام والهلوسات. وذلك لأنهم أخلاقيون على طريقتهم. فاللوفر في فرنسا مثلا لا ينقص من قيمة الفرنسيين أخلاقيا رغم أنه مخزن ضخم للمسروقات والمنهوبات. وهم لدى البعض شديدو التحضر مثل دمى الأطفال الخزفية. لذلك كانوا يهزمون دائما أمام البريطانيين الخشنين كالدمى المصنوعة من عظام البقر. قادتهم مرة فتاة صغيرة  فانتصروا على البريطانيين  مدة ساعتين فرسموها قديسة. وكانوا يحاولون التعويض عن نعومتهم بالعنف الدموي.  في الجزائر كانوا يطلقون النار على الثوار المحكومين بالإعدام من فوهات المدافع الميدانية وليس من البنادق، ويشربون النبيذ  بجماجم الأطفال ليثبتوا خشونتهم.

وهم سياسيون سخفاء. يرسلون وفدا برلمانيا إلى دمشق، وفي نفس الساعة يعلنون عن إرسال شحنة أسلحة إلى جبهة النصرة. وهم يقصدون أن يقولوا لسوريا : الأجدر بكم أن تتفاوضوا معنا وليس مع أمريكا. وإذا رفضتم سنجعلكم تندمون. وهذا يشبه خيارات الموت المقدمة من خليلة القيصر المنتهية الصلاحية للإختيار بين رضاها ورضا القيصر.  وهي تقدمه لشعب اتخذ قراره بالحياة رغما عن القيصر الذي لو قرر التلاعب بمخصصاتها لابتلعتها شوارع الليل. شعب قال لسيد القتل : لا ! وهو لن يستطيع إنقاذها من حسابات الدم السوري حتى لو أراد. فبماذا تهدد السيدة معطلة الساقين التي تعيش على مخصصات الهجر الأمريكي ؟ هكذا هو خرف سن اليأس. السقوط إلى الأعلى.

 

السيسي

 

لو لم يقبض على السيسي متلبسا، لظللت حائرا في شأن الرجل. لم أقل عن الرجل خيرا أو شرا إلا مؤخرا لأنه لم يكن لدي ما أقوله. لم تعجبني مسرحية الصعود التي قدمها، ولكن الإحساس شيء والمعرفة شيء آخر.  لذلك فضلت مبدئيا أن أنخدع بالسيسي مع الشعب المصري الذي انخدع على أن أزاود عليه. فالمزاودة على الشعوب حماقة حتى لو كانت مخلصة. والوعي الشعبي بطبيعته أقرب إلى الإنخداع من الأفراد ولكنه ينساق ويخطيء ولا يغش.  وعندما يتبنى الجمهور وعيا معينا فإنه ينتج تيارا من الوعي العاطفي المتدفق  كالشلال ليس لأحد حق مناقشته حتي. قد تكون الإرادة في البداية إرادة شخص أو  تيار وعيوي أوحزب يملك وسيلة التأثيرعلى الشارع، ولكنها بالتبني الجماهيري أصبحت اندفاعا ثوريا، أي إرادة شعب، من الغباء التعرض لها حتى ولو كانت متوهمة. الإرادة الشعبية تملك دائما حق السيادة، فهي تعبر عما يريد الشعب فعلا، وقادرة في كل الظروف على تجاوز ما ليس في مصلحتها بعفوية الوعي.

السيسي كان من المفروض أنه قام بحركته لحماية الشعب من الإخوان المسلمين الذين غلبهم التحكم على الحكمة، وشردت عقولهم المريضة في فيافي الخلافة العثمانية. أما الحقيقة فهي أن السيسي والليبراليون قد ساهموا في إيصال الإخوان إلى الحكم بهدف فضحهم ليقوموا بإسقاط أنفسهم ذاتيا. لقد كان السيسي منذ البداية عضوا إلى جانب عمرو موسى ومبارك المعزول في صف السعودية وإسرائيل، ضد الأوبامية التي رفضت الحرب على إيران وسوريا. كانت علاقاته  مع الإسرائيليين من خلال  التواصل الأمني قائمة منذ أيام مبارك. وكان مبارك عرابا لكل التوافقات التطبيعية  العربية –الإسرائيلية التي وصلت ذروتها في التحالف السعودي-الإسرائيلي  الإستراتيجي ضد  إيران  ومحور المقاومة، وضد سياسة الإحتواء والتفاوض التي اتبعها أوباما بالنسبة لإيران خصوصا. داخل هذا اللوبي الخدماتي الساداتي ترعرع السيسي  في أحضان التيارالثالث :  تيارالمقاومة، تيار الأوبامية، تيار التحالف مع الصهيومريكية ( المحافظون الجدد ) الذي يقوده أعداء إيران في المنطقة ومن بينهم السيسي الصهيوني ” الناصري “.

كان مبارك وما يزال صهيونيا ساداتيا. وهذا منتهى النزاهة إذ لا يمكنك أن تكون ساداتيا ولا تكون صهيونيا. ومع أن السيسي لا يختلف عن مبارك بشيء من هذه الناحية، إلا أنه حاول تحديث اللعبة بسبب الظروف. فالنخب المصرية وكثير من الأوساط الشعبية، تراوح بين الليبرالية الساداتية (الكلب الحي )، والناصرية ( الأسد الميت ). والسيسي ينتمي إلى الفئة الأولى. ولكن كثير من المعتصمين في ميدان التحرير أضفوا عليه طابع الناصرية، وعلى رأسهم الناصريون المصريون. ومع ان الساداتيين هم القوة الحقيقية وتمثلهم البرجوازية المصرية، واللبارلة الأمريكان، إلا أن الساداتيين  لا يمكنهم القول أن السيسي منهم، فمن المفضل تكتيكيا أن يكون محسوبا على الناصرية التي لم تعد تؤذي أحدا. فهي الآن مثل النوادي الصوفية في مصر تشكل استلهاما روحيا، بدون فعالية سياسية نظرية  أو عملية فعلية. وأصبح الرجل الذي أسس لوعي الذات في مصر، ووضع العامل والفلاح في صدارة المشهد التنموي، وبنى وبنى وبني، وصنّع وصنّع وصنّع، وأصلح نظام الملكية المشوه للأرض، وعلم بلغة العلم والتاريخ، وتحدث عن كرامة الإنسان وإنسان الكرامة وأن الكرامة هي دينامية الدفاع عن الحياة والحرية ووعي الذات مع الآخر وبه….. أصبح هذا الرجل وليا من أولياء الصوفية، لا يوجد ما تقوله عنه سوى الدعاء له بالرحمة. فليكن السيسي الساداتي إذن ناصريا لأن الناصرية هالة من الرومانسية السياسية تشبه النياشين، ستقرب الناس من السيسي وليس السيسي من الناس.

التيار الثالث الآن بقيادة نتنياهو الخليجي وسلمان الإسرائيلي، ورعاية المحافظين الجدد في واشنطن، وعضوية السيسي الليبرالي الساداتي، يشكل الخطر الأكبر على دول المنطقة جميعا.  والسيسي  هو نسخة مبارك الإسرائيلية. وكل الكلام الفارغ حول موقف مصر الغامض والمتردد يجب أن يتوقف. إن هذا التيار الثالث يضرب بوحشية وجنونية لا عقل لها إلا العقل البدائي الأرعن للسعودية والعقل الإنتهازي لصهيومريكية المحافظين الجديد. ومن المتوقع استغلال قادة التيار الحقيقيين لكل خزائن الغباء الهجري الفطرية والمتوارثة، ليستدرجوا السيسي وسلمان إلى غواية يمكن معها توفير المبررات الدينية والأخلاقية أمام نتنياهو ليرتكب ما يشاء في الأقصى بدون أن يجرؤ أحد على الإحتجاج.