“كنعان” تتابع نشر كتاب “مديح البياض في الخطاب الفلسطيني الممنوع” لمؤلفه محمد الأسعد

 

 

حين يطلق الممثلون الرصاص

يعرض العالمُ نفسه، بصمته وضجيجه، بتظاهراته ومهرجاناته، في منظومة، في شبكة من الرموز أو إلإشارات. ونحن الذين ننشأ على مثل هذه المنظومة لانستطيع تخيل وضعية أخرى لهذا العالم، كأن تكون لرموزه أسماء أخرى، ولعلاماته دلائل مختلفة.

إننا نعتاده، ويعتادنا. ونتبادل الخداعَ أحياناً، فكل منا يعرف أوراق الآخر، وأحياناً نتبادل التواطؤ، فكل منا مرتبط وجوده بوضعية الآخر. ولكن مثل هذه الصورة قد تتغير، وقد تتعرض للتحوير، فنسمي هذا التغير والتحوير أشكالا أو تشويها.. أو كاريكاتيرا.

إن كاريكاتير العالم، أو العالم بشكله الكاريكاتوري، هو أخذه ووضعه في سياق منظور نقدي. المضي معه في أفكاره وأطروحاته ورموزه حتى النهاية القصوى. ما الذي يحدث حين نقيم علاقة لهذا العالم بما هو خارجه؟ أليس هو وجودا في التاريخ أيضاً؟ إنه يشبه نصاً مغلقاً يستبعد أي مقاربة من هذا النوع، ويعمل على منعها بكل وسائله، بما في ذلك جملة الخطابات اللغوية والصور والإعلانات والمهرجانات. إنه يقيم سوراً لمنع الاختراق وتفكيك وحدته المفترضة وحقيقته الراسخة. أليس هذا هو شأن عوالم مختلفة، في السياسة والإقتصاد والفن والعلوم.. وفي كلّ شيء؟

ماذا يحدث إذن حين تقتحم المقاربةُ عالماً من هذا النوع؟ فتستبدل زاوية نظر أخرى ومحاكمة بزاوية نظر وطرائق المحاكمة، وتتخلى عن الاعتياد والخداع والتواطؤ، وتأخذ بما هو أبقى، بنظرة البداهة الأولى؟

لنتخيل مسرحاً يتواطأ فيه الممثلون والمشاهدون. يتخذ فيه الأوائل وضعية ونهجاً أو يتحركون في مواجهة المشاهدين، وهؤلاء الأواخر لايغادرون مقاعدهم إلا ليعودوا إليها، وقد ينامون أو يصحون على المقاعد ذاتها.

المتواطأ عليه هنا هو زاوية النظر بالنسبة للمشاهدين، ووضعية وحركة وخطاب الممثلين بالنسبة للممثلين. يضاف إلى ذلك بالطبع أفكار المشاهدين المسبقة عن المسرحية ومن يقوم بالتمثيل، وهي في مسرح خيالي من هذا النوع لابد أن تكون نتاج السطوة الإعلامية، بحيث لايأتي أحد إلى المسرح إلا وقد احتشد ذهنه بأساطير ملائمة عن قدرات الممثلين الخارقة ونص المسرحية الفريد من نوعه. وفي هذا الجو من التواطؤ يتم تداول بضع إشارات لغوية وإيماءات يعرف كل من هؤلاء ماذا تعني بالضبط وفق النص الذي يحفظه المشاهدون عادة أو يتم نوزيعه على القادمين الجدد.

لنتخيّل الآن أحدهم ينتابه الشك لسبب ما، ربما من رؤيته لمسارح أخرى في عوالم مختلفة، فيغادر مقعده، ويحفر سقفاً في سقف المسرح ويتدلى منه ليشاهد المسرحية، فيدهش مما يشاهد من زاويته الجديدة، ويصاب بوجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر المتسمرين على مقاعدهم، فيبدأ بالصراخ وهو يشير إلى الممثلين محاولا لفت نظر المشاهدين.

لاشك أن شيئاً جديدا سيحدث هنا. فذلك الممثل المتعملق سيبدو في نظرِ المعلقِ بين الأرض والسماء مجرد كومة من الشحم، وتلك الممثلة التي خلقت منها الأضواء إنسانة طبيعية في نظر المشاهدين ستبدو كتلة معتمة أو حيواناً زاحفاً.

ولاستكمال هذا المشهد الغريب، يصل الحوارُ إلى صاحبنا المعلّق بألفاظ مختلفة ونغمات مختلفة، بل هو ليس حوارا وإنما هو هذر لاقيمة له. وسنسمعه يتابع ما يجري معلّقا أو ساخراً أو شاتماً حتى هذه المسرحية وأصحابها. فندرك نحن المشاهدين أننا قد خدعنا ونحن على مقاعدنا.

لقد انكشفت المسرحية عن حقيقة أخرى غير حقيقتها التي نتوهمها والتي اعتدنا عليها. وبدأ فنان الكاريكاتور عمله.

سينجح هذا العمل في اجتذاب نظرنا وسمعنا في مرحلة لاحقة، وبعد أن يكون قد شكك في وضعية المسرحية كلّها، وفكّك أجزاءها، وتناولها من كل زاوية، وخاصة من الزاوية الخامسة، أي من زاوية رؤيته لحقيقة ما يجري من وراء الكواليس. الأبعاد الأربعة لاتكفي لكشف التعارضات والتناقضات.

ماهو الشكل الأصلي لهذه المسرحية؟ لوجود الإنسان الذي تمثله؟ كل شيء يجري وكأن كل شيء مكتمل لاحدود لاكتماله، مغلق لاخارج له، بينما يمثل الفنان الناقد المعلّق بين السماء والأرض هذا الخارج. لقد تخلّى هذا الذي يلمّ بالمشهد من موقعه، بل ويلمّ بما يجري وراء الكواليس، عما نعتبره خضوعا لعادة مطلقة الصحة، وتبنّى عادة جديدة في النظر والتفكير. والأهم في رد الفعل. إنه يستخدم أوصافاً غير مألوفة، ويرسم ما نراه نحن ولكن بأشكال غير مألوفة. إنه ليس من صناع الحياد، بل من صناع الانحياز إلى ما يراه حقاً.

سيترجم الحوار إذن والأشكال، أو الأوضاع التي يتخذها الممثلون، إلى لغة فريدة لم نكن نحسبها خُلقت بعد. سيقلب المعاني ويتلاعب بالألفاظ، ويستخدم المثل السائر والقول المأثور والتشبيه والاستعارة بعكس ما وضعت له. سيقوس ظهر هذا، أو بطن ذاك، ليبدو الإثنان أشبه بقردين. وسيضخم جبين هذا وأنف ذاك، ويحذف الساقين، ليبدو الممثل أشبه بالزاحفة. سيتخذ البشر في نظره هيئات مختلفة. سيكون الغليظ أشد غلظة، أو يصبح الغلظة نفسها، وسيكون الرقيق أشد رقة، أو يصبح هو الشفافية ذاتها. إنه يفكك نصاً، أو مشهداً، أو مسرحية، أو عالماً، ويبني من هذا الركام نصه، النص الذي يريدنا أن نقرأ.

لنتخيل ما الذي سيحدث.

أمام الخطابات الجادة والرصينة جداً، وأمام الألقاب المهيبة والصفات التي تروع المشاهد فلا يملك إلا أن ينحني أمامها بحكم العادة، سترتفع القهقهات الساخرة! لقد بدأ جمهور المشاهدين بالنظر إلى المسرحية من منظور مختلف حتى لو ظل على المقاعد نفسها ولم يغادرها.

ويرتبك الممثلون على خشبة المسرح، وتتسارع حركة الشخوص، ويتأتيء الخطباءُ والشعراء، وربما توقفوا عن الحركة والهذر، وترتفع الهمسات، ويبدأ الخروج على النص، وقد يبرز المخرج غاضباً متسائلا عن سبب الخلل.. وفجأة نسمع صوت الرصاص؛ لقد أطلق الممثلون النار على الفنان الساخر المعلق بين السماء والأرض.

هل هو دفاع المقدس عن نفسه ضد الطفولة؟ لا بالطبع، ولكنه دفاع الخدعة عن نفسها حين يلقى القبض عليها وسط الجمهور والقاعة مزدحمة. فما أشد الإحراج والحقد والفزع الذي يصيب الأكذوبة حين تظهر فجأة حيةً تسعى على قدمين، وما أشد العظمة التي يكتسبها الفن حين يتخصص في ملاحقة الأكاذيب. إنه يمنحنا قدرة على الدهشة والخيال، أي قدرة على تصعيد معطياتنا الاولية وتهيئة الأرض لإثمار جديد.

ما الذي يقوله هذا الفن الساخر، فن الأبيض والأسود الذي لايطيق التلوين ولا التوشية ولا الخضوع للنص المعطى، نص المسرحية القائمة، لما يسمى الحقيقة الوحيدة الراسخة؟

في قلب هذا العالم الذي وصفناه، ينطلق الفنان الكاريكاتوري من مبدأ تعدّد إمكانيات النظر، وتعدّد دلالات القضايا، وقبل كل شيء من شك لايبيد في هذا المتوفر السائد. ومن هو ذاك الذي يقتنع باكتمال الخطاب السياسي العربي، سواء كان فلسطينياً أو غير فلسطيني في ضوء اجتياح الوجود الإنساني للعربي من كل الجهات؟ ومن هو ذاك الذي يستطيع أن يعبّر ولايكون تعبيره جملة معترضة أو صرخة في وسط نص ميت؟

هناك خطأ شائع في تسمية الكاريكاتير بالفن التشويهي، أو الاعتقاد أنه يقوم أساساً على تشويه الأشكال الطبيعية، بينما هو في الحقيقة وصفي إلى أبعد الحدود. السر في هذا الخطأ الشائع هو في حسبان ماتراه العين (عدسة آلة التصوير) طبيعيا دائماً. ولكن حتى هذه العين يمكن أن يتغير منظورها وفقا لزاوية الالتقاط وتوزيع الضوء، فما بالك بعين الإنسان.. أي بصيرته؟

يمكن أن نقول أنه فن يجرح المقدس والمألوف، فماذا لو لم يكن المقدس مقدساً.. والمألوف مألوفاً؟

الجرح مرحلة أولى في الوعي ضرورية، ومن الضروري وصفها كذلك لإظهار عمق ما يفعله الكاريكاتير في البداية، وما هو بسبيل صياغته لاحقاً. فلئن كان فعل الجرح جزءاً من تفكيك الحالة أو النص أو المسرحية، فإن بناء التصور هو الجزء الآخر من عملية البناء.

لننظر في تجربة ناجي العلي التي تلقي ضوءاً على هذه العملية. في البداية كان العالم مؤثثاً، حجر الزاوية في مكانه، والممثلون منتشون في أدوارهم وأماكنهم، والخطابات تتوالى بألفاظها الضخمة .. فماذا فعل ناجي؟

لقد أتخذ حجراً آخر للزاوية، الحجر الذي رفضه البناؤون، أي دعاة الثورة والتحرير، وكان هذا الحجر هو الضمير اليقظ الذي يرمز له بطفل صغير لم يكبر طيلة ربع قرن، وأضاف ناجي أحجاراً من عنده. لقد جعل الأواخر هم الأوائل في المسرحية، وألحّ علينا طيلة ربع قرن أن ننظر ونعي، بالقول والخط والسخرية والشتائم والصراخ والغناء، واجتهد أن يقدمنا إلى ممثلينا الحقيقيين.

وللوصول إلى هذه النقطة، كان لابد من تجريح كل ماهو بدهي بالنسبة لتفكيرنا، نحن السائرين في نومنا، وإظهار شذوذه الحقيقي، بدءاً من الشخصيات ووصولا إلى خطاباتها الكاذبة وإلى القيم المتعارف عليها.

وفي النتيجة يظهر الماءُ عصّيا على التشويه، وكذلك الملح والطفولة والعذاب الإنساني، هو يعرف ذلك كما أصبحنا نعرفه. ولكي تتسيد هذه العناصر كان لابد من تجريح أشباهها، تلك التي انتحلت صفات الماء والملح والطفولة والعذاب.

سيعرض لنا العالم بعد ذلك نفسه بأنقاضه وركامه وتشققاته، ولن نرتاح بعد ذلك أبداً، فلدينا البدائل، أو الشيفرة الأخرى التي تنتظم المعالم، ولدينا أسماء جديدة للعالم. أليس الفن في أعنف معانيه إطلاق الأسماء على ما لم يُعرف بعد؟ أو ماظلّ مجهولا ومهملا وبلا أسماء طيلة سنوات .. وقرون؟

يجرّب الإنسانُ الأول أن يبتكر من حوله ألفة العالم من قلب الغرابة، ذلك لأنه ولد حقاً، كما هي ولادة الفجر الكوني الأول، ولكن نحن الذين نولد في الألفة بوصفها نصا معطى، نحتاج إلى تجديد الميلاد وتغريب كلّ شيء ليكون لنا حقاً ما نبتكره.

وحين تمثل أمامنا مسرحيتنا، ويُنتحل وجودنا، ونصبح الأواخر، أو مجرد المصفقين أمام مشهد الأشباه، نكون في أشد الحاجة إلى خبراء في علم الأحياء، اولئك الفنانين الذي تختطفهم أو تغتالهم الوحوش المقنعة بأقنعة بشرية لأنهم وحدهم القادرين على كشف سرّها.

                                                                            6/8/1987

تطبيع العقل الفلسطيني

خبرنا المؤتمرات كلّها.. فمن مؤتمر للتهريج.. إلى مؤتمر للتكريس.. إلى مؤتمر للسياحة.. إلى مؤتمر لتقاسم المكاسب. تجوّل العقلُ كثيراً، وآن له بعد أن اعتراه ما اعتراه من ارتباك وتفكك وحيرة أن يكون له مؤتمره الخاص.

لقد تأخر هذا المقال كثيراً.. بعد أن ظل فكرة تجول في الذهن. فماذا لو تخطّى الفلسطيني عبثه الخاص، وعتبة السياقات التي لايستطيع أن يكون خارجها، ونادى بوقفة للعقل فقط، وتناسى للحظة كل لزوميات مالايلزم من ألفاظ ضخمة واستعارات مطولة، وتذكر فقط أن المهمات المفترضة لم تُنجز؟

قال أحد الذين سمعوا بالفكرة، ليس هناك أسهل من مؤتمر للعقل.. سيأتون لك بالجهابذة المعتادين، وبأجهزة حاسبة وإلكترونية.. ويقولون لك هذه هي العقول!.

كل شيء يمكن تطويره، وكل أصل يمكن اختراع شبيه له مزوّد بكل ما يلزم للإعتراف به.

لقد انشغل المثقفُ الفلسطيني بالثانويات، حتى ماعاد قادراً على التمييز بين الثانوي والأساس. وفي وضعية من هذا النوع، يتحوّل الخطابُ الفلسطيني إلى مقالة صحفية أو تصريح لنفي تهمة الغياب فقط. ليس هناك تعريف فلسطيني للأشياء، وإن كان هناك مثل هذا التعريف، فهو مكبوتٌ لايظهر، أو هو تعريف مسكوت عنه دائماً.

مؤتمر للعقل فقط، مؤتمر لاتنتخب فيه أمانة عامة، ولا تدور فيه المساومات للإتفاق على الرئيس، ولايذهب إليه الناس ويرجعون وكأنهم ما ذهبوا وما رجعوا.

هل لنا مهمة يومية؟ هذا هو سؤال العقل. هل لنا تعريف خاص بنا؟ هذا هو سؤال المعرفة. هل لنا خبرة نراكمها؟ هذا هو سؤال الثقافة.

مؤتمر للعقل فقط، مؤتمر يُطرح فيه للبحث هذا المسار العجيب الذي تشوّهتْ فيه القيم، واستبدّتْ به ثرثرة المقاهي، واختفت الأسئلة، وتزايد فيه عدد الذين يعتقدون أن فلسطين ليست شيئاً مذكوراً، وأن اسمها في الجغرافية والتاريخ هو”إسرائيل”.

هذا المسار الذي لايخرج فيه مؤتمر واحد من مؤتمرات الكتاب والصحافيين الفلسطينيين ببحث جدير بتسميته بحثاً من الدرجة الثالثة.

وحين يقال لنا هذه هي مؤتمرات الذين يكتبون بالدم لفلسطين، نكتشف أن كل الذين يكتبون بالدم فعلا هم الذين لامكان لهم في هكذا مؤتمرات، من اولئك الذين يخوضون صراعاً يوميا للحفاظ على النزاهة وسلامة الرؤيا، أو اولئك الذين يسقطون فجأة برصاص مفاجيء لايعرف أحد ولن يعرف من يقف وراءه.

مؤتمر للعقل، لايعود فيه العقل إمعة، ولا الفكر بندورة يطبخ بها كل شيء، من أقصى الرفض إلى أقصى الاستسلام. مؤتمر يمكن أن يكتب شيئا في قضية معينة لم يكتب فيها عقل فلسطيني حتى الآن.

لقد دعا الشاعر محمود درويش ومعه جملة من الأنصار الكتاب الإسرائيليين إلى الحوار. وقيل أن هذه الدعوة نوع من التحدي. ولكن اعطونا صهيونيا واحداً، أو يهوديا، من الذين يطلق عليهم اسم اليسار، أو اليسار الجديد.. وما إلى ذلك، يقول لنا أن “إسرائيل” هي فلسطين، مثلما يزعم بعضنا أو يلح على أن فلسطين هي إسرائيل؟

فما قيمة هذا التحدي الذي يسقط المقدس أمام سطوة الواقع القائم؟ وما قيمة هذا التحدي الذي لايرى من فلسطين إلا ما تسمح له برؤيته محطات الاستراتيجية الاسرائيلية؟ أتظلّ مطالبة هذه النماذج بفلسطين( الضفة والقطاع) قائمة لو فُرضت عليها الهوية الإسرائيلية كما حدث للساحل الفلسطيني؟ نشك في ذلك، فالمنطق الذي يجعل جزءاً من فلسطين “إسرائيل” تحت تأثير الاحتلال والإعتراف الدولي، بما في ذلك اعتراف جائزة نوبل، وكل لجان تقدير الفنون والآداب الأجنبية، لايستطيع أن يمتنع عن جعل كل فلسطين، وما يمكن أن يدخله الاحتلال من أراضٍ عربية،.. إسرائيل.

الذي سيختلف في هكذا منطق هو التوقيت فقط.

ويقال لنا، أترفضون ما أقرته وتبنته هذه المنظمة الفلسطينية أو تلك؟ او ترفضون ما أجمع عليه الجميع؟ نعم بالطبع.. فالبداهة ترفض المصطنع حتى لو كان عاماً، بداهة أن الساحل الفلسطيني وطن الفلسطينيين، وليس لهذا التجمع الإستعماري من شتى الجنسيات والقوميات، بداهة أن هذه الغزوة الطارئة بكل ما يدعمها من ثقل دولي، لايمكن أن تقف أمام الحقيقة وامتحانها؛ حقيقة الفلسطيني.

ليضعف من يضعف أمام إغراءات من شتى الأنواع، ولكن دلونا على شعب واحد أصابه الضعف وخاصة أمام قضية من هذا النوع؟ دلونا على شعب لم يزده العذاب إلا ثقة بنفسه؟

أليس عجيباً أن يتفكك الصوت الفلسطيني علناً، ويشتق له بعضهم، سعياً وراء أغراضه، مسارات بهذا الاتجاه أو ذاك بعيداً عن فلسطين، في وقت نزعم فيه أننا نمتلك مثلا ومؤسسات ومقاتلين وإمكانيات أين منها ما كنا نملكه قبل ثلاثين سنة؟

مؤتمر للعقل بعد أن ضجرنا وأضجرنا الناس بهذا الخواء الكامل إلا من بيانات وتصريحات لاتفعل شيئاً، لافي مصيرنا ولا في مصير أحد، بعد أن تبدّد ما أمكن تبديده من طاقات هذا الشعب الفكرية والجسدية، وصار سؤال المعرفة أساسياً؛ معرفة من نحن ومن الآخر؟ وما الذي بفعله هذا الحشد الفلسطيني وذاك في الشتات الفلسطيني اليوم وكل يوم؟ ماهي مهمته؟ مامعناها؟

لقد اختلط كل شيء، ولم يعد يُعرف معنى الفلسطيني. هل هو ذلك الذي يعمل لاستعادة وطنه، أم هو هذا الذي يحشد ما توفرله من إمكانيات ليقنع الناس بالإعتراف بأن وطنه ليس وطنه حقاً، وأنه وطن هؤلاء المستعمرين الصهاينة؟

إذا كانت هذه المهمة هي مهمته، فالصهاينة أقدر على القيام بها، ومن الأفضل له أن يختفي في غبار العواصم، وصفحات الماضي. أما إذا كانت المهمة الأولى هي مهمته، وهي مهمته حقاً، فلماذا ليس من دلالة واضحة على هذه المهمة؟

لماذا لاتقولها الثقافة بكل أدواتها؟

الثقافة ليست الأغنية ولا القصيدة ولا الرواية، ولا هذا الهبل الذي تنطق به المقالات الصحافية؛ إنها نظام هذه الظواهر، خلفيتها الفلسفية ومنطوقها، أي هو بالضبط ما يصيبه الخلل وما يصيبه الذهول والخواء. ألهذا السبب يُطرد العقل الفلسطيني دائما، لأن مهمته ملغاة؟ ألهذا لاتستطيع النسور إيجاد وظيفة لها تحت السقوف الواطئة؟

أليست قضية فلسطين قضية جديرة بالنسور؟ أليست جديرة بالعقول؟ أم أنها مجرد مباراة أو مقامرة لامكان فيها إلا للصدفة.. وما يسمى الحظ؟

ألهذا السبب تعقد مؤتمرات من كل صنف ونوع ولا يعقد مؤتمر للعقل؟

نحن بحاجة إلى طرح سؤال المعرفة قبل الجواب الجاهز، وبحاجة إلى تحديد ما يحدث ووضعه على الورق. هذه ليست مهمة السياسة التي تستغرق كياننا حتى الاختلاط، بل مهمة الثقافة، الثقافة التي تختار فلسطينها، تلك التي قد تكون نقيض فلسطين السياسي، وتلك التي قد تكون نقيض فلسطين السائح والمتفرج والممول والشعر البندورة.

هل توقفنا قليلا لنكتشف أن ثمة “فلسطينات” ونحن لاندري؟ يا لغفلة هذا الجيل الذي استيقظ على نشيد الأمهات والآباء بفلسطين واحدة، ممتدة من حيفا إلى الجليل إلى الخليل، إلى كل أماكن الشتات، ثم إذا به لايكاد يصل منتصف العمرإلا وألسنته تختلط، وتغيب فلسطين في تضاريس وتشققات الروح الفلسطينية. أيودون اختصار”الفلسطينات” هذه بلفظة “إسرائيل” خوفا على الوحدة، وشفقة على عذاب شعب لايعرفون منه غير اسمه؟

قبل ذلك ادعى بيغن أنه “الفلسطيني” الحقيقي، فماذا أصاب هذه الروح.. فأصبحت وكأنها تزايد على بيغن، وتعكس الآية وتدعي انها الإسرائيلي” الحقيقيّ؟ أهو انحطام عقل أم نزوة أفق لايتجاوز جسد صاحبه؟

مؤتمر للعقل.. أو مؤتمر للبداية التي لم تبدأ بعد.

        20/8/1987