لسنا بحاجة إلى مزيد من الدروس

نحن بحاجة إلى قيادة ثورية

محمود فنون

ما اشبه اليوم بالبارحة !

تتداعى القوى الفلسطينية إلى عقد الإجتماعات للبحث في الأحداث المتفجرة في الأراضي الفلسطينية . ما أشبه اليوم بالبارحة .

انطلقت ثورة 1936م في شهر نيسان ولم تكن لها قيادة مركزية في حينه منخرطة في هذا النضال الكبير الواسع .ولم  تتشكل سوى في اليوم السادس بعد انطلاقة الإضراب الكبير أي انها ركبت الموجة  بعد ستة أيام من انطلاقة الإضراب الكبير .

“وخلال الايام الستة الاولى من الإضراب والتي امتازت بحماس وطني منقطع النظير لم يسمع هناك صوت آو رأي للقيادات السياسية المعروفة، حتى جائت البادرة الاولى من مدينة حيفا عندما وصل وفد منها للقدس مؤلف من :رشيد الحاج ابراهيم ومعين الماضي ومحمد علي التميمي وحنا عصفور للقيام بمهمة انشاء قيادة عليا للاضراب الشعبي تتالف من قادة الاحزاب الستة. ولم تكن هذه المهمة سهلة ، ذلك ان ائتلاف الاحزاب على صعيد زعمائها والاختلافات الكبيرة بين توجهاتهم ، (بعضهم تأسس بدعم الإنجليز وبعضهم تأسس بدعم الحركة الصهيونية – الكاتب)والاضراب العام يشل البلاد، يعني قبولهم بحتمية الاصطدام المباشر مع السلطة على غير ما يرغبون. كان زعماء الاحزاب يدركون هذا ويدركون انهم ان تخلوا –هذه المرة – فلن تكون لهم هناك بعدئذ كلمة”فهم اذن تمت دعوتهم لتسنم موقع القيادة دون ان يبادروا هم بأنفسهم ,وكانو جميعا هيابين” .

مقتطف من كتاب :أزمة القيادة الفلسطينية من اللجنة التنفيذية الى اللجنة العربية العليا إلى الهيئة العربية العليا إلى اللجنة التنفيذية(متف)(محمود فنون)

وهكذا تشكلت القيادة – اللجنة العربية العليا ،بعد انطلاقة النضال

ويضيف المصدر السابق : ”  والواقع ان اللجنة العليا على الرغم من مكانتها الرسمية داخل البلاد وفي المحيط العربي لم تكن – في فترة الاضراب-هي الموجه الحقيقي للنضال…ان دور اللجنة العليا لم يكن اكبر بكثير من دور الناطق الرسمي في القاموس السياسي المعاصر.. “

وقبل تشكل اللجنة كان هناك فراغا قياديا .

وقبل ذلك كانت اللجنة التنفيذية التي يمكن تشخيص موقفها بأنها هيئة عشائرية تقليدية تسلمت مركز القيادة من خلال الصفات العشائرية والتقليدية لشخوصها :

…” ثم” ان اللجنة التنفيذية الممثلة للمؤتمرات العربية الفلسطينية كانت لا تضمر الشر للانتداب البريطاني بل ترى العداء فقط ممثلا بالصهيونية… وظلت تحمل هذه الرؤيا حتى بعد احداث البراق واشتراك الانجليز لصالح الصهيونية … والحكم على ثلاث فلسطينيين بالاعدام وعلى 700 بعقوبات متفاوتة”.

واصدرت بيانا حينها تبريء ساحة الانجليز من مشاركة الصهيونية وتدعوا “شعب فلسطين جميعا الاخلاد الى السكينة والهدوء ….”

وكانت مشكلة من “كاظم الحسيني رئيسا والمفتي أمين الحسيني وراغب النشاشيبي ومحمود الدجاني واسحق الشهابي وعارف الدجاني”وكانت لجنة فوقية ينصاع لها الناس ولكن بدون صلات تنظيمية.
ان اللجنة التنفيذية اذن كانت قيادة بهذا الحجم وبهذا التخلف وتصر ان الانجليز ليسوا اعداء،ومع ذلك هي التي تملأ كرسي القيادة.” المصدر السابق

كما انها كما تدل شخوصها كانت تضم رجالات الإنجليز والخصوم العشائريين الذين يكرسون جل طاقتهم للعداء القبلي .

واليوم تنشر وسائل الإعلام أخبارا عن تداعي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية للإجتماع للبحث في مجريات الأحداث المستمرة لأكثر من اسبوع بكثافة عالية تخللها عمليات ثورية ضد الإحتلال وسقوط شهداء وجرحى ، وكل أشكال قمع الإحتلال .

اللجنة التنفيذية موجودة في فلسطين .في فلسطين المحتلة ! هل من الممكن أن تكون هيئة رسمية علنية وفي نفس الوقت قيادة لأعمال ثورية متفجرة ومتواترة ضد الإحتلال؟؟! .. نضالات جماهيرية واشتباك متصل مع العدو  وبكل أشكال النضال .

واليوم كذلك تتصاعد الدعوات لتشكيل قيادة وطنية واسلامية موحدة  لتقود نضالات متصلة كانت قد انطلقت في القدس منذ مدة طويلة وتتواتر هنا وهناك وتتنوع باشكال مختلفة إلى أن ازدادت كثافتها خلال الأسبوع المنصرم . ولم تكن هناك قيادة موحدة  ولا تزال حتى كتابة هذا المقال .قيادة تتشكل من حماس وفتح وبقية الفصائل والفعاليات .

أفعال وردود أفعال من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ، وتواتر الإستفزازات الصهيونية – الإعتداءات المستمرة والمتصاعدة على الأقصى والقتل والحرق والإستيلاء على الأراضي وبناء المستوطنات وكل أشكال وانواع ممارسات العدو الصهيوني المحتل ، وتنامي الإحتقانات الفلسطينية وتفجرها . إن النضال الفلسطيني لم يتوقف ولا يتوقف.

في عام 1936 تشكلت قيادة الإضراب من وطنيين ومن متعاونين مع الإنجليز  ومن أفراد لا يرون الإنجليز عدوا للشعب الفلسطيني .

ونقتطف من المصدر السابق : ” فجاء تشكيل اللجنة العربية العليا بعد ستة ايام من انطلاق التحرك الثوري عام 1936ليسد الفجوة التي دامت سنتين بلا أي مظهر قيادي سياسي رغم ان كل هذه الوجوه والاحزاب موجودة، ورغم ان الاوضاع تتفجر باعمال ثورية تتطلب وجود انشطة قيادية منظمة ،وقيادات سياسية تقود النضال، وتحرض، وتوجه، وتتصادم مع الانجليز ومشروعهم الصهيوني. 
ولكن وخلال هذه النضالات الجماهيرية الواسعة والاضراب الشامل استمرت صلات هذه الزعامات مع الانجليز.
لقد تكررت الاتصالات بين الانجليز والقيادة التقليدية من اجل وقف الاضراب.وقال الزعماء العرب لواكهوب(المندوب السامي البريطاني)”انهم راغبون بالفعل في مساعدته على اعادة النظام…”

وها نحن نسمع من مصادر الأخبار تصريحات تدعو إلى الهدوء تحت عنوان تفويت الفرصة على الإحتلال .

ونسمع عن استمرار التنسيق الأمني كما يصرح قادة العدو:

“تل أبيب: أكد مصدر عسكري اسرائيلي مسؤول الليلة الماضية “استمرار التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية بالرغم من تصاعد الاوضاع في المناطق”.

ومصدر آخر :أكد ضابط صهيوني كبير مساء الاثنين أن التنسيق الأمني بين الكيان والسلطة الفلسطينية في الضفة “بخير”.

وقلل الضابط وفق ما نقلت عنه مصادر صهيونية من الأنباء التي تحدثت عن ضعف التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية”

ما اشبه اليوم بالبارحة .

في انتفاضة الأقصى التي شهدناها وتفاعلنا فيها ، فقد انطلقت كفعل جماهيري عفوي ، تداعت القوى والشخصيات الوطنية والإجتماعية خلال الأيام الأولى لانطلاقتها وبعد انطلاقتها وأخذت تبحث عن  دور لها في هذا الفعل الثوري الجماهيري المتفجر ، وتشكلت القيادة الوطنية والإسلامية في المواقع وتشكلت القيادة الوطنية والأسلامية في رام الله بمشاركة أعضاء مركزيين من الفصائل ومنهم أعضاء لجنة تنفيذية للمنظمة لتكون مركز قيادي للمناطق .

لم تكن هذه الهيئات تقود بالمعنى القيادي والسياسي والتنظيمي والإداري وغير ذلك . كانت عبارة عن ناطق رسمي . ولم تكن دعواتها وترتيباتها ملزمة للحراك الشعبي الذي كان يتصرف ارتباطا بتفجر طاقات الشباب وفي محاولة منهم للقفز على السلطة وامن السلطة بل وتعمد الصدام بهم حينما كانوا يعترضون طريقهم في الوصول إلى الأماكن التي يصمموا على الوصول إليها .( أنا شاهد من الداخل )

لم تكن اللجنة التنفيذية تقود النضال الفلسطيني كما هو دورها الإسمي والرسمي ، وكذلك لم تكن اللجنة المركزية لحركة فتح تقود الإنتفاضة بل إنني سألت بعد مدة طويلة لانطلاقة انتفاضة الأقصى ،سألت عضو لجنة مركزية في فتح عن دوره ودور اللجنة المركزية في هذه الإنتفاضة ، فقال :” ليس لي أي دور و إننا في اللجنة المركزية  حتى اللحظة لم نجتمع.”

الصورة التي ارغب في توصيلها :

إن الهيئات الموجودة بالشكل الموصوف أعلاه هي عاجزة تماما عن قيادة هذه الأعمال الثورية ، وإن كفاح الشعب الفلسطيني أجل وأعز من ان تتصدى مثل هذه الشخوص والجماعات لقيادته . وأثناء كتابة هذه السطور استمعت لتصريح لأحد الناشطين يقول فيه : حركة الجماهيرسابقة على القيادة . وسألته مقدمة البرنامج عن دور الفصائل فأجاب : بأن الافصائل مدعوة للحاق والشباب الفلسطيني سبق الفصائل.

إنني اريد أن أضع إصبعي على جذر المشكلة التنظيمية في النضال الفلسطيني من جهة والقول أن العدو يتدخل في وجود وصياغة هذه القيادة ويفسح المجال ويغلقه كيفما شاء.

فحينما تتشكل الهيئات العليا في اجتماعات واسعة ، يدخلها من كل الإشكال ، ومع بقاء التنسيق الأمني فإن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تظل على اطلاع على ما يجري في هذه الهيئات  كما هو حال كل الأمن في العالم   ويتكفل التنسيق الأمني بالباقي . إن تشكيل القيادات العلنية يتناقض تماما مع نضالات متعددة الأشكال بما فيها العنف الثوري المسلح . ومن جهة أخرى لا يمكن لهذا النوع من التشكيل أن يقوم بالمهمة القيادية المطلوبة .

وهكذا يكون الحراك الشعبي يتيما ويتسم بالعفوية وتحصل المفارقات من نوع الثأر للشهيد :

حينما يسقط شهيد مثل الطفل عبد الرحمن عبيد الله في مخيم عايدة في بيت لحم ، يتداعى الشباب للثأر له فيتوجهون إلى نقاط تمركز الجنود الصهاينة المحصنين في ابراج اسمنتية منيعة ، فيمطرونها بالحجارة ، وحينها قد يقوم الجندي المسلح بحرية اطلاق الرصاص ، فيطلق النار ليسقط شهيد او شهداء وجرحى  آخرون فيحملهم الشباب للمستشفيات ويعودوا للثأر لهم مرة أخرى بشهيد أو شهداءوجرحى آخرون . لا توجد نقاط تماس أو تداخل كما كان الحال في انتفاضة عام 1987م حيث يتواجد الجيش اليوم في ابراج اسمنتية  محصنة ضد الرصاص والحجارة .

إن الهيئات العلنية الموجودة في رأس الهرم الفلسطيني هي هيئات عاجزة عن فهم ومتابعة وقيادة نضالات الشعب الفلسطيني . ومع ان الإحتلال قد يضربها أو يضرب بعضها حيث سبق وان اعتقل الرفيق عبد الرحيم ملوح وهو عضو لجنة تنفيذية وعضة في القيادة الوطنية والإسلامية  المركزية ولم يعتقل غيره من أعضائها بل أن أعضائها الآخرون كانوا يتجولون بحرية ويسافرون ؟؟؟!!! والله قيادة الناس تستشهد وتعتقل وتلاحق بينما القيادة تحمل الحصانة .

خلاصة القول هناك فراغ حقيقي وجدي تعجز الفصائل عن اشغاله وتعجز الهيئات الرسمية عن قيادته بل ان هذه الهيئات ليست أهلا لقيادة هذا النضال . وهي متناقضة معه وتدعو إلى الهدوء  وسوف يكون دورها بكل تأكيد سلبيا إلى أن تتبدد هذه النضالات .

وحيث ان الفصائل عاجزة كذلك فإنها لم تؤسس ولم ترع تطور ونماء هذه الحالة الشعبية المتنامية وبالتالي لا تستطيع قيادتها بل تستطيع إهمالها وتركها .

صرحت مرة في كلمة امام جمهور متضامنين مع إضراب أسرى الشعبية في مخيم الدهيشة : ” بأنني لا أتمنى أن تتفجر إنتفاضة ” وكان قولي هذا خشية من تبديها بعد انطلاقتها كما حصل في انتفاضة الأقصى وانتفاضة 1987م وإضراب 1936م الذي دام ستة اشهر و الثورة الفلسطينية ثورة 1936- 1939 م وفي كل مرة كان لما سمي بالقيادة دورا مهما في هذا التبديد . إن هذا لا ينفي أنني مع كل نضال ضد الإحتلال ومع انتفاضة تصوغ لنفسها قيادة سرية تقودها وترعاها وتحدد هدفها بإزالة العدوان عن فلسطين بوضوح وبدون لبس وبدون تنسيق أمني وبدون قيادات عاجزة .