منطلقات لمعرفة اين نحن؟

ثريا عاصي

لا أعتقد أنّ التفكير في ما يجري منذ حوالى خمس سنوات، في بلادنا، وفي سوريا تحديداً، بمعزل عن الجرائم الأميركية الشنيعة أثناء حصار العراق ثم غزوه واحتلاله، يُحسب في خانة التحليل السياسي الموضوعي أو الإعلام المجرد ! فلقد كان الجنود الأميركيون، سواء في الجيش الأميركي الرسمي وفي جيوش الوكالات الأمنية الخاصة مشحونين بالكراهية للإنسان العراقي، إلى حد أنّ أقوال بعض هؤلاء الجنود كانت توحي أنهم مقتنعون بأن العراقي ليس إنساناً . يجب أن تكون حاضرة في الذهن حوادث كمثل الإذلال والتحقير في سجن أبوغريب، استباحة المنازل، اغتصاب الفتيات أمام ذويهن، «اصطياد العراقي» للتسلية ! dead bastard’s إنّ الذين نظروا إلى العراقيين «بما هم حشرات ضارة»، لا يرون فرقاً بين الأخيرين وبين السوريين.
كتبتُ في مقال سابق إنّ التدخل الروسي في سوريا يعتبر بادرة دفاعية عن روسيا نفسها، لا سيما أنّ الحرب في شمال سوريا، في إدلب، جسر الشغور وسهل الغاب، تدور بين قوات من تركيا والقوقاز، بالإضافة إلى متمردين سوريين من جهة، وبين قوات موالية للحكومة السورية من جهة ثانية . من المرجّح أنّ الصينين والإيرانيين متخوفون كمثل الروس من ارتدادات خطورة الوضع السوري في بلاد القوقاز وفي أفغانستان وباكستان.
إنّ معركة الروس الدفاعية في سوريا تبطّن في أغلب الظن محاولة لمواجهة استباقية للهجوم الإمبريالي الأميركي ـ الأوروبي، وتصميماً على عدم الخسارة. فهل يكتفي الأميركيون بنتيجة تعادل! . من المحتمل أننا حيال حرب غير مباشرة بالوكالة، بادر إلى إشعالها المهاجمون طبعاً، تشبه إلى درجة معينة لعبة الشطرنج، بحيث يستطيع الموكــِلون الخروج منها دون هزيمة . لأنّ الموكـَلين مجبرين لا مخيّرين، يتحملون عادة أثمان الإنكسار كاملة . علماً أنهم يأخذون نسبة فقط من جائزة الانتصار ! اللعبة لم تنته بعد في سوريا! وهي لعبة لا يتقنها إلا الكبار!
يحار المرء عندما يسمع رئيس دولة كمثل فرنسا يدّعي أحقية في التعبير نيابة عن السوريين، إلى حد أنه يبدي بصفاقة رأيه في شرعية رئيس الجمهورية العربية السورية. لم يبقَ شيخ خليجي أو مسؤول حكومي غربي ذو نزعة استعمارية، المستعمر هو عنصري، إلا وأدلى بدلوه في المسألة السورية، كأنّ السوريين اختاروا أوصياء لإدارة شؤونهم ! هل يريد الرئيس الفرنسي أن يحدّد بنفسه موعد الانتخابات الرئاسية في سوريا، كما فعل في مالي ؟
نسمع من آونة إلى أخرى، عن تسويات محتملة بين الدول الأجنبية بخصوص الأزمة السورية . يـُحكى عن مبادرات وصفقات لا تشمل سوريا وحدها وإنما تتعدّاه إلى بلاد عربية أخرى . كيف نوافق في سوريا الدولة العربية، بين الثورة، وبين آل سعود والولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وتركيا وروسيا ؟ لماذا يتم البحث في مدينة جنيف وغيرها عن حل للقضية السورية يُرضي آل سعود وآل ثاني، والأميركي والفرنسي والبريطاني والتركي . ألا يريد السوريون أن يكونوا أحراراً في بلادهم !
تفيد الأخبار عن لقاءات تجمع بين آل سعود ومسؤولين إسرائيليين، يهمّهم إبعاد 3,5 مليون فلسطيني عن فلسطين المحتلة، لأن وجودهم بحسب الإسرائيلي شريك آل سعود في اللقاءات المشار إليها، يـُغشي على «يهودية» دولة إسرائيل . بمعنى آخر لا يريد الإسرائيليون أن يعيش بينهم فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية . إنهم يعتبرون أنّ وجود فلسطينيين إسرائيليين يمثل مشكلة تحتاج إلى معالجة على نسق المشكلات الأخرى في المنطقة العربية، السورية والعراقية والمصرية والليبية، وربما الجزائرية والمغربية أيضا !
يتساءل المرء في هذا السياق، كم هو عدد السوريين الذين يطلبون في هذه الظروف اللجوء إلى بلاد أوروبية؟ كم هو عدد السوريين الذين استحصلوا على جنسية غير سورية؟ كم هو عدد اللبنانيين الذين يحملون أكثر من جنسية؟
الرأي عندي إنه لا مفرّ من الإجابة والنقاش الصريح والجريء حول هذه الأسئلة، ففي ثناياها يختبئ الكثير من أسباب إفلاس دولتنا الوطنية، وإخفاقاتنا، فضلاً عن قصورنا في إنجاز تحررنا الوطني وإعادة تكوين وحدتنا الجمعية الوطنية . من مفارقات هذا الزمان العربي الرديء أنّ جلّ الشعوب العربية لا ترى أنّ المستعمرين هم أصل شقائها وتخلفها، وأصل شقاء وتخلف جميع شعوب الأرض، وإنما تستنصر بهم وتدعوهم إلى العودة وإلى استعمارها.
( للحديث بقية )

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/