حرب روسيا في سوريا

ثريا عاصي

من المرجّح أن يجد خصوم الدولة السورية في دنيا العرب صعوبة كبيرة في فهم أسباب انخراط الروس في الحرب دفاعاً عن سوريا، مثلما أنّهم أخطأوا، بحسب اعتقادي، في إدراك طبيعة العلاقة التي تربط بين إيران من جهة، وبين حزب الله وسوريا من جهة ثانية، هكذا وقعوا في أحابيل الولايات المتحدة الأميركية والمستعمرين الإسرائيليين، الذين شبّهوا لهم الثورة الإيرانية كأنها سيرورة يريد «الفرس» منها استرجاع المدائن عاصمة كسرى أنوشيروان. كما صوّروا لهم اندفاع الإيرانيين لإغاثة سكان جنوب لبنان عندما كان الأخيرون يرزحون تحت نير المستعمرين الإسرائيلين، صوّروا هذا الاندفاع كما لو أنّه نذير ظهور «الهلال الشيعي» الموهوم !
أنا لا علم لي بموقف الكنيسة الروسية من الحرب في سوريا، وأشكّ شخصياً، بالتصريح المنسوب إلى هذه الكنيسة الذي تعلن فيه، على ذمّة الناطقين باسم قبائل العرب، أنها تؤيد التدخل الروسي في سوريا، وتنعته «بالحرب المقدسة». هذه العبارة «الحرب المقدسة» هي ما تحتاج إليه، في الواقع، الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية لترتجع بواسطتها إلى الذاكرة حروباً دارت في القرن التاسع العشر، بين القوزاق (الأرثوذوكس) من جهة وبين «القوقاز» (الإسلاميين) من جهة ثانية. حروب بين «بين الإمام وبين القيصر» ! هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فلا ننسى أنّ القيادات «الروحية» الإسلامية ضربت رقماً قياسياً في إصدار الفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان !
ولكن هذا موضـوع لستُ بصدده لأنّه لا يسـتحق أن نضيّع الوقت في مناقشته.
بالعودة إلى الحرب في سوريا. من المنتظر ألا تقف الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها وعملاؤها مكتوفي الأيدي، فبحسب وسائل الإعلام، بدأت تصل إلى المتمردين في سوريا شحنات كبيرة ونوعية من السلاح. من البديهي أنّ أعداء سوريا وجوقات إعلامييهم المحليين، سوف يجيّشون، كما فعلوا في أفغانستان، الإسلاميين الفقراء والمساكين، من أجل الدفاع عن «الإسلام» في سورية، ضدّ هجمات الروس «المسيحيين».
أنا على يقين من أنّ حيلة استخدام الدين في أوساط الغوغاء والمهمشين والعواطل استنفذت مفاعيلها بالكامل، ليس في سوريا وحسب، وإنما في البلاد العربية أيضاً. من المستبعد جداً أن يخرج من تونس على سبيل المثال لا الحصر، مرة ثانية، عشرة آلاف «مجاهد ومجاهدة» للإنضمام إلى «داعش» أو إلى «القاعدة». يستتبع ذلك أنه سيتعين على الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية بدافع الحرص على الإسلام والمسلمين، أن تبحث عن «مقاتلين من أجل الحرية»، من خارج المحيط العربي.
أعترف أنّ محدودية اطّلاعي على الأوضاع الإجتماعية في البلاد التي تعرّضت في العقود الأربعة أو الخمسة الماضية لحروب أميركية، لا تسمح لي بتقدير حجم «المخزون الجهادي» الإسلامي، إذا جاز التعبير، في البلاد المعنيّة، علماً أنّ حجم هذا المخزون الجهادي يتبع بيانياً مخزون آل سعود المالي، الذي أعتقد أنّه في الوقت الحاضر يسير في خط انحداريّ.
التسليم بأنّ الولايات المتحدة الأميركية ستبذل أقصى الجهود من أجل إطالة أمد الحرب بقصد استنزاف جميع الأطراف، لا يعني أنّ القيادة الروسية غير جادّة في الحرب في سوريا، حتى تسترجع الدولة السورية حدودها السياسية، أو أنّ هذه القيادة لم تأخذ بالحسبان ما يمكن أن تفعلة الولايات المتحدة الأميركية.
مجمل القول أنّ هذه المداورة أوصلتني إلى سؤال بسيط وربما ساذج أيضاً. من أين سيعبر «الجهاديون» إلى سوريا، ومن أين سيدخل السلاح ؟ الإجابة عنـــدي هي من تركيا أو من العراق، لأنّ الأوضــاع في لبنان والأردن لا تسمح برأيي بأن يتورط هذان البلدان إلى درجة تتجاوز الحد المقبول. أما بالنسبة للعراق فمن المعروف أنه غير مستقر. ينبني عليه أنّ المغامرات الخارجية قد تزيد المنازعة الداخلية المستمرة حدة.
استناداً إليه، تبقى تركيا هي التي من المحتمل أن يعبر منها الجهاديون والسلاح الأميركي والمال السعودي إلى سوريا ! ما يعني أنّ تركيا ستدخل الحرب في سوريا إلى جانب «داعش» و«القاعدة»، ضدّ الدولة السورية وحلفائها.
من غير المعقول أن تقدّم تركيا على مثل هذه الخطوة دون مشاركة الحلف الأطلسي. حرب كبرى لماذا ؟! ولكن ليس مســتبعداً أن تنــزلق تركيا تحت زعامة أردوغــان، وحيدة ولكن بدعم من «حلفائها»، فتقع في الحفرة التي سبق وأن سقط فيها الرئيس صدام حسين !

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/