مبضع النقد الآن وكل آن

محمود فنون

كتب عادل سمارة :

“حذار من الحرب الأخرى/ في الوقت الذي يقف العدو موقفا مندمجا ضد شعبنا، ينشغل البعض في التشكيك في الفصائل الفلسطينية المسلحة إلى درجة مسح تاريخها بكل إيجابياته. ويغطي هذه الحرب “الحرص والنقد”. من يقاوم لا ينشغل ضد غيره إذا كان هو حقا يقاوم أو إذا كان غيره لا يقاوم. تقييم هذا متروك للناس لاحقا. هذه  الأشكال من الاستثمار تفتح على أمور تخدم العدو إن لم تكن لها قنوات على الأقل مع الأمريكي. دعونا من هذه الحرب. وإذا كان الهدف هو النقد، فالنقد لا يُسمع لحظة لاشتباك بل يقود للارتباك. بل يُسمع في اوقات الهدوء النسبي.”

إن هذا القول يفتح بابا للنقاش .

ولكن قبل النقاش اريد ان أحدد هويتي ، كي يفهم نقاشي على هذا الأساس : أنا أنتمي للنضال الفلسطيني ومع كل نضال ضد العدو الصهيوني المحتل لفلسطين وانا مع تحرير كل فلسطين لتكون حرة عربية بدون الصهيونية .

من جهة أخرى انا انتميت للنضال من خلال الفصائل الفلسطينية وأعتز بها وبتاريخها وبراياتها وبتضحياتها وفي نفس الوقت هي اليوم ليست كالأمس وقد أصبح تحت الرايات ما يستحق النقد بل ما يوجب النقد .

إذن نقدي هو نقد أهل البيت حتى لو كان موجها لأي فصيل غير الذي انتمي إليه .

بعد ذلك : ما هي موجبات النقد اليوم ، والشارع الفلسطيني يشتعل نضالا وعلى كل مساحات الوطن وبكل أشكال الممارسات النضالية ، وسوف اوردها لتبيان ضرورة النقد وأهميته الآن وفي كل آن .

لا بد من التنويه أولا لعاملين أساسيين لهما دور في نماء وتطور الحراك الشعبي وتعميمه بشك مباشر :

الأول : نضال أهل القدس الممتد دفاعا عن الأقصى وانتهاكات الأقصى من قبل إسرائيل ممثلة بالقوى الأمنية والمستوطنين وكل أشكال الممارسات الأخرى في القدس ..

والثاني : إضرابات المعتقلين التي من شأنها ان تساهم في تحريك الماء الراكد، وتَحَسس الحالة الجماهيرية من مصائر المعتقلين المضربين والتفافهم حول الحالة .

هذين بشكل مباشر .

ولكن هناك دائما تناميا مضطردا للإحتقان ضد العدو الغاصب وهناك دوما نضالات متفرقة وشهداء ،وممارسات استفزازية للعدو ، علما ان كل حالة نضالية هي تحريض ودافع لحالات نضالية أخرى وكل ممارسات تفصيلية للعدو تزيد من وتائر الإحتقان وردود الأفعال مما يستثير حالة نضالية تستثير حالات نضالية أخرى . والنضال بوتائره لم يتوقف.فدافع النضال الأساس هو إحتلال فلسطين وتشريد اللاجئين …الخ.

والأهم من كل هذا أن الشعب الفلسطيني وحتى وهو منصرف لشؤون الحياة كي تستمر الحياة ، لم يتحول إلى كتلة رجعية أو مهادنة أو لا أبالية في علاقته مع العدو : هو شعب تكشف الأيام كل يوم أنه شعب يريد حريته وتحقيق أهدافه ، وأنه يربي الأجيال بصورة تلقائية أو موجهة على حب الوطن وحرية الوطن والحقد على عدو الوطن  والنضال ضد العدو الغاصب.

وهكذا وحينما بدأت وتائر النضال الشعبي تتزايد  وتدفع إلى وتستثير حالات وامتدادات أخرى كان لا بد من التساؤل عن القيادة ودور القيادة .

لا بد من التساؤل عن القيادة بمعناها الضيق  – لجنة هيئة في المستوى السياسي الأعلى . لجنة تنفيذية مثلا ، ولكن حماس والجهاد ليستا فيها .، قيادة موحدة مثلا تضم الجميع ،ولكن حماس تخشى على نفسها بحق من السلطة . قيادة تنسيق وطني علنية لتقود نضالات حامية فيها العنف المسلح ، إما انها قيادة لا تقود ولا يبطش بها العدو ، أو انها قيادة تقود هذا النضال ولا يجب أن تكون مكشوفة كي تستمر في وضع قيادة الأركان وتقود كفاح الشعب بكل أشكاله .

ويطرح السؤال فورا : من يتحمل المسؤولية عن شغور موقع القيادة ؟ والسؤال التالي هل يمكن أن يستمر نضال ويتأجج في اتجاه واضح دون قيادة ؟ ومرة أخرى من يتحمل المسؤولية ؟ من يتحمل المسؤولية بما يفتح المجال لبقاء عباءة قيادة السلطة هي قيادة لشعب متأجج .

إن قيادة السلطة مكبلة بالإتفاقات وبدور لا يصل إلى مناخات قيادة نضال ضد حكم الإحتلال . إن قيادة السلطة في أحسن الأحوال تبحث عن الهدوء أو أن تكون النضالات الجماهيرية سلمية سلمية سلمية وتحت أسقف يسكت عنها الإحتلال .

إن الفراغ القيادي لا يمكن السكوت عليه ولا بد من تحميل المسؤولية للجهات المتكلسة التي هي مثل أي مراقب على الأقل ترى اتجاه الحركة منذ مدة طويلة ولم تتخذ أي موقف ولا أي إجراء لمعالجة هذا الأمر الخطير والمهم لكل نضال  .

وكذلك لا بد من التساؤل عن القيادة بمعناها الأوسع : مجموع الفصائل والتراكيب الحزبية ومجموع المثقفين الطلائعيين وقادة الرأي والمحرضين وذوي المنزلة والتأثير في بيئتهم  ودورهم في إعداد الشعب وتحريضه وتنظيمه

دورهم في التقاط الإبداعات الكفاحية بكل أشكالها وتعميمها ، ودورهم في ملاحظة النواقص لتغطيتها ودورهم في ملاحظة السلب والخمج والخطأ لتنظيف ما يمكن تنظيفه . والأهم الدور القيادي بمعناه الضيق والواسع لتربية الكادرات السياسية والمجتمعية بما يجعلها أهلا لتحريك الشارع وقيادته .

إن الموجود من هذه المستويات وتحت هذه الرايات يحتوي على خمج وعجز مع تكلس في المستوى المتدني من الأهلية لقيادة هذه الحالة المتفجرة . بل ان الكثير منهم هو في الجبهة المقابلة عرف الناس ام لم يعرفوا ..

لننظر إلى ابداعات الجماهير بإمكانياتها البسيطة : الإعتصامات والمسيرات بأي مناسبات ،  اشتباك الشباب مع العدو على نقاط التماس بالحجر والمولوتوف، هجمات السكاكين في أماكن متعددة على مساحات الوطن ،الهجوم على العدو بالسيارات وعمليات الدهس ، العمليات العسكرية والرصاص والقنابل .إن هذا يشكل سمفونية النضال وكل مظهر من مظاهر النضال يستثير المظاهر الأخرى وكل حالة نضالية في موقع تستثير فرص تمدد النضال إلى مواقع أخرى وعلى كل مساحة الوطن .

لقد أعرب معظم الناطقين عن تخلف المستوى القيادي عن حراك الشعب . لكن هذا ليس كل الجريمة ولكن هذا المستوى القيادي عاجز عن اللحاق وهذه الجريمة الأكبر.

والجريمة الأكبر أن عباءتهم هي التي تقيد الجميع .

لا بد من الخروج من تحت هذه العباءة والإنطلاق في الميدان الرحب وهذا الخروج يبدأ من النقد الذي يمزق هذه العباءة   ويفضح قصورها وخمجها . مع العلم ان هذه المستويات القيادية تتمسك بتكلسها .ولا تفتح الباب لرياح التغيير وهذه كذلك مشكلة .

إن هذا العجز قد غيب دور الفصائل في التربية الوطنية وغيب دورها في استخلاص العبرة تعميم الدروس وتعميم التجارب ، وغيب دورها في تأمين مستلزمات الكفاح وإعداد الكادرات المتقدمة للمعارك الأكثر جدية ، كما غيب دورها في تلافي النواقص وتكرار الأخطاء . ثم إنها تترك المناضلين لمصيرهم وعلى سجيتهم .

لم تكن هذه الحالة على أعتاب انتفاضة 1987م ومن كان على صلة يعرف ما الذي جرى منذ بداية الثمانينات والدور العظيم الذي قامت به الفصائل وامتداداتها الطلابية والعمالية والتطوعية والإجتماعية وغيرها وغيرها . لقد دخلنا على انتفاضة  بجيش مدرب وشعب مدرب وقيادة سرية وفصائل تدفع بالحراك وتسد النقص في تشكيل اللجان التي أصبحت هي السلطة الوطنية المعترف بها شعبيا والمخيفة للقيادة التقليدية.

من يبادر اليوم لتشكيل هذه اللجان ؟

قرأت مداخلات أخرى للدكتور الملتزم عادل سمارة تتحدث عن تقسيم أدوار !

ولكن من يقسم هذه الأدوار ؟ وكيف يكون لقيادة التنسيق الأمني دور دوبلوماسي ؟

هذا مع العلم أن حماس وفتح لا يتأثر موقفهما من الإنقسام نتاج الحالة النضالية المتأججة ، ولا يدفعهما القول : إن الدم الذي يسيل يوحدنا وإن وإن ..

وإن الحراك الشعبي الفلسطيني لا يحرك النظم العربية ذلك أنها تتحرك في الجانب الآخر موضوعيا . أما مسيرات الغضب العربي وتأييد الإنتفاضة الفلسطينية وهيؤ إيجابة وأنا ارغب أن أرى الملايين العربية في الشارع تهتف لفلسطين . إن هتافها هذا ضروري جدا وينعش روحنا . وهو في نفس الوقت يا رفيق عادل لا يرفع عنا قنبلة غاز واحدة ولا يتلقى نيابة عنا رصاصة حية واحدة . ومع ذلك فكل غضب على الإحتلال هو لصالحنا ، وقد ياتي يوم ليكون فيه هذا الغضب العربي نارا تحرق الأنظمة العفنة وتفتح سياقا جديدا في تاريخ الأمة العربية فالنضال الجماهيري في مكان يحرض ويعبيء الجماهير رغما عن الأنظمة ..

إن كل العيوب التي ذكرتها هي كذلك نواقص خطيرة وإن استمرارها بمثابة خلل عام في الوضع الفلسطيني .ألا يوجب هذا النقد  ومبضع النقد . فمن يحمي هذا النضال من التبديد والهتك .ومن يدفع النضال الفلسطيني خطوات أعلى إلى الأمام ولماذا نظل بعد  خمسين سنة نعود للتجربة والخطأ من جديد ومن نقطة البداية ؟ ومن هو المسؤول في العامل الذاتي ؟ولنترك دور العدو والظروف إلى مجال آخر .

إن كل نضال ، نعم يزيل شيئا من التكلس وينظف عجلة العمل الجماهيري ولكن تلقائيا  وعفويا وهذا لا يكفي لتطوير الحالة .