هـــل يأتي القطار؟

ثريا عاصي

أنا على يقين من أنّ القضية الفلسطينية نموذج ذو أبعاد تتجاوز جغرافية فلسطين، بل جغرافية البلاد العربية، التي كان من المأمول أن تتعاون فيما بينها في مجالات التنمية، وأن تتضامن في النضال من أجل التخلّص من الاستعمار. بمعنى آخر، كان من المفترض أن يكون كفاح الاستعمار في فلسطين متواصلاً، وأن تكون المشاركة فيه، إلى جانب الفلسطينيّين وغيرهم من شعوب المنطقة في اتّساع متزايد. ولكن ما يدعو للأسف هو أنّ المشاركين يتناقصون، وأنّ مقاومة المستعمرين الإسرائيليّين تكاد أن تكون دورية، ولكن ليس بانتظام. تبدأ ثم تنتهي وتغيب خلال أعوام القَحـْل في مجتمعات هزيلة البنية متداعية، ضربتها في السنوات الأخيرة عواصف أطلقها تحالف ضم المستعمرين ـ والإسلاميين الوهابيين ـ وأموال مشايخ النفط، فتهاوت كمثل قصور من ورق وأطبق أحياناً بعضُها بعضا.
ومن المشكلات العديدة التي تعترض أيضا كفاح المستعمرين الإسرائيليّين، مشكلة ثبات الأسلوب والوسيلة رغم أنّ تغيّرات وتبدّلات طرأت حتماً بفعل عامل الزمن. هناك فرق كبير بين ظروف «الانتفاضات» التي جرت في ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديداً انتفاضة عز الدين القسام سنة 1935، والإضراب العام سنة 1936، أي قبل الإعلان عن إنشاء دولة إسرائيل في سنة 1947، من جهة، وبين ظروف الصراع ضدّ هذه الدولة في الراهن، بما هي دولة استعمارية استيطانية تأسّست على التمييز العنصري من جهة ثانية. لا نبالغ في القول أنّ إسرائيل دولة عظمى، نظراً إلى العلاقة العضوية التي تربط بينها وبين الإمبريالية الأميركية – الأوروبية. ما أودّ قوله في الواقع هو أنّ النضال ضدّ هذه الدولة يبدو بحسب رأيي عبثياً، إذا استمر بالأساليب والوسائل التي استُخدمت في الماضي. هنا لا أقصد الجانب العسكري والعنفي فقط، وإنما أعني أيضاً ما يجري في مجال الفكر والسياسة، وطرق اختيار القيادة السياسية.
من البديهي، وضعاً للأمور في إطارها الصحيح، أنّ السياسة التي تنتهجها السلطتان الفلسطينيّتان في رام الله وفي قطاع غزة، لن توصل الفلسطينيّين إلى برّ الأمان وقد تحرّروا من الاستعمار الإسرائيلي، لن تجمع شملهم في كيان وطني مستقل. يستتبع ذلك من وجهة نظري أنه ليس جائزاً ومنطقياً أن يستسلم الفلسطينيون، وسائر شعوب المنطقة إلى نوع من الجبرية، بحيث لا يكون أمام المرء في بلادنا إلا خيار من ثلاثة، الهزيمة أو الاستشهاد أو الهجرة.
استناداً إليه، لا مفرّ في اعتقادي من تقييم الأوضاع بموضوعية وعقلانية، بحثاً عن وسائل وأساليب عمل ونضال وتنظيم، تلائم هذا الزمان وتضمن البقاء والتطور والمنعة. لا شكّ في أنّ هذه الوسائل والأساليب موجودة. بدليل أنّ شعوباً أخرى تمتلكها، وأنّ مهاجرين من الشرق العربي، السوري والعراقي، رفضوا الهزيمة والاستشهاد، وفضّلوا الهجرة. انضمّوا إلى هذه الشعوب، فأدّوا ما عليهم من واجبات واستحقوا ما لهم من حقوق، لا أكثر ولا أقل، بالضدّ مما كانوا يلاقونه في بلادهم الأصلية.
لا حرج في القول إنّ الفلسطينيين ينتظرون قطار الخلاص في محطات أربع. في مخيمات اللاجئيين في البلاد المجاورة لفلسطين، في قطاع غزة الذي طرده المستعمرون الإسرائيليّون من فلسطين جغرافياً وسكانياً. القطاع كيانٌ معادٍ. في الضفة الغربية حيث يرزح الفلسطينيّون تحت وطأة المستوطنين، ويعانون من سياسة التمييز العنصري الهمجية والوحشية. وأخيراً نذكر الفلسطينيّين الإسرائيليّين الذين استطاعوا البقاء في المناطق الفلسطينية التي أُنشئت عليها دولة إسرائيل في سنة 1948. هؤلاء مواطنون إسرائيليون من درجة أدنى من درجة المواطنين اليهود! السؤال، هل يأتي القطار؟ وأية محطة هي الأقرب إلى فلسطين؟
أعتقد أني طرقت بابا رئيسياً. لا أظن أنّ الباحث يستغرب تطابق أوضاع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعراقيين، بعد مرور ثمان وستين سنة على إنشاء «إسرائيل»!

(يتبع)

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/