هل يأتي القطار(2)

ثريا عاصي

سؤال يُلحّ عليّ منذ أن بدأتُ أتهجّى على وجوه الناس النكبة ثم الهزيمة، وأخيراً الانتصارات التي تنبعث منها رائحة الدم وترتِجع مشاهد الدمار وتوقظ ألم النزوح، كيف ننجوا من عدو مفترس قوّته أكبر من قوّتنا، لا يُقارَن علمه وتقدمه بجهالتنا وتخلّفنا، ولا يُقاس تنظيم صفوفه ووحدة قيادته بالفوضى والانفعالات والخلافات التي تغذّيها وترفدها عصبياتنا القبلية خدمةً لمشايخنا، الذين تلقّبوا ملوكاً ورؤساء، وتزيّنوا بالرتب العسكرية، ولكنهم ما بدلوا تبديلا! كأن الزمن متوقف!
رغم أن أصولهم متعددة وثقافاتهم مختلفة، فلقد توافق المستعمرون على خطة واتفقوا على تنفيذها. استولوا على فلسطين، طردوا سكانها بالترهيب والترغيب ليستوطنوا فيها. حجّتهم أنه يمكن تجميع شعوب المنطقة، والفلسطينيون جزء منها، بقصد إخلاء «أرض الميعاد» واستعمارها زعماً أنها بلاد «اليهود» أو الشعب المختار فاخترعوا لهذه الغاية «ديانة يهودية جديدة «و» شعباً يهودياً جديداً».
بعد مضيّ ثمانٍ وستين سنة على إنشاء دولة للمستعمرين الإسرائيليين في فلسطين، صار السوريون والعراقيون كمثل الفلسطينيين، لاجئئن في معسكرات في الأردن ولبنان وتركيا، أو يخضعون في بلادهم لسلطة احتلال، وبعضهم يحاولون الهجرة بحثاً عن وطن بديل. كيف نواجه الاستعمار الإسرائيلي؟ هل يتوجّب علينا مواجهته ولماذا؟ لا جدال في أنّ المستعمرين الإسرائيليين شركاء فيما جرى لنا وما يجري، ولا مبالغة في القول إنّهم مجدّدون كمستعمرين عنصريّين في حقل الهمجية والتوحش منذ بدايات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
من البديهي أنّ الإسلاميين، الإخوان المسلمون والجماعات التي تفرّعت عنهم، وصولاً إلى «القاعدة» و«داعش» استفادوا من النموذج الإسرائيلي ومن دعم القوى الإستعمارية، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، وانتهجوا سلوكاً همجياً وحشياً ترويعاً للناس بقصد فرض سلطانهم محاكاةً للمشروع الإستعماري الصهيوني نفسه. ليس مستبعداً في هذا السياق، أن يكون الأميركيون قد وعدوا آل سعود أو خليفة «داعش» أو أمير «القاعدة» بدولة أو مملكة. ما نعرفه منذ تجربة الشريف حسين أمير مكة مع البريطانيّين هو أنّ وعود المستعمرين كاذبة! وأنّ الذين يعاونون الأخيرين هم عملاء أو أغبياء.
يحسن التذكير هنا بالمصير الذي كان من نصيب دولة القاعدة في أفغانستان، عندما انقلبت الولايات المتحدة الأميركية عليها، وتأثير ذلك على البلاد الأفغانية. من المفيد أيضاً أن نتعمّق في دروس التجربة العراقية التي أُريد بواسطتها أن يرجع العراقيون إلى عصر الحجر. الرأي عندي أنّ هذا النوع من التجارب يُمثِّل بالقطع معالم على طريق النضال من أجل الخلاص. إنّ «الثورة» التي تبدأ باستبدال «علم الدولة» هي ورشة من أجل إسقاط الدولة وتقسيم البلاد وتغيير أسس توزيع السكان. ليس إدخال «الله أكبر» على العلم العراقي، بحسب مفهوم الشراكة الوطنية، حدثاً عادياً. لم يكن من أولويّات «ثورة» الإسلاميين وحلف الناتو في بلاد كمثل ليبيا إعادة تأسيس الدولة. لم يكن علم الجمهورية العربية السورية يُمثِّل حزباً أو طائفة. الجنود السوريون قاتلوا، عندما تلقّوا الأمر بأن يقاتلوا، دفاعاً عن سورية في 1967 و1973، تحت هذا العلم، فبات أمانة الشهداء!
الذين أرادوا إلغاء هذا العلم إنما فعلوا ذلك من أجل إلغاء سورية وتمهيداً لدولة «طالبان» على أرض سورية ! لم يُمسّ علمي تونس ومصر!
هل هو قدر محتوم أن نتعرّض «بما اننا مسلمون وشرقيّون» لحرب من الخارج من جهة، باسم «صراع الحضارات» الضروري لإثبات شرعية هيمنة «الحضارة اليهودية ـ المسيحية» تأسيساً على تفوّقها العسكري وتقدمها التقني، ولحرب في الداخل من جهة ثانية، أو بالأحرى للاقتتال الداخلي بين قبائل المسلمين ومذاهبهم وإتنيّاتهم، دليلاً على تخلّف «الحضارة الإسلامية» وديمومة اعتلال المسلمين بالعصبية وبالنزعة نحو العنف على حساب التفكير والعمل المنتج والبنّاء؟!

 (يتبع)

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/