أمريكا والرواية الصهيونية

سميح حمّودة – جامعة بيرزيت

 

استنكرت وزارة الخارجية الأمريكية بشدة يوم الثلاثاء الماضي (20 الجاري) سعي السلطة الوطنية الفلسطينية استصدار قرارٍ عن منظمة اليونسكو لاعتبار حائط البراق، وهو الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك، جزءاً من المسجد.  والقرار إن صدر لا غبار عليه لأنّه ينسجم مع الحقائق التاريخية والآثارية التي يعرفها كلُّ المتخصصين والدارسين لتاريخ وآثار فلسطين، فليس هناك أية علاقة بين هذا الحائط وبين هيكل سليمان الذي يسعى الصهاينة لإعادة بنائه مكان المسجد الأقصى.  وقد أرسلت عصبة الأمم في العام 1929-1930م لجنةً من خبراء قانونيين دوليين للبت في مسألة ملكية الحائط بعد الأحداث الدموية التي نشبت في فلسطين بين العرب واليهود بسبب محاولة اليهود الصهاينة الاستيلاء على منطقة الحائط وتغيير الوضع القائم فيه، وهو وضعٌ لم يتغير منذ عقودٍ طويلةٍ من السنين قبل الاحتلال البريطاني للبلاد، وأصدرت اللجنة تقريرها الرسمي بعد فترة طويلةٍ من التحقيق والاستماع إلى أدلة ورواية كلِّ طرف، وبعد أن قدّم الطرف العربي عشرات الوثائق والأدلة التي تثبت أنّ الحائط جزءٌ من وقف أبو مدين الغوث، في حين لم يقدِّم الطرف اليهودي أية وثيقة تثبت ادعاءهم بملكية الحائط، وقالت اللجنة أنَّ الحائط ملكٌ للوقف الإسلامي ولا يوجد لليهود أيُّ حقٍ فيه، سوى حق الزيارة، والذي منحه المسلمون لهم في العهد العثماني، وقد نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية التقرير كاملاً بنصِّه العربي كاملاً تحت عنوان الحق العربي في حائط المبكى في القدس تقرير اللجنة الدولية المقدم إلى عصبة الأمم عام 1930.

لا يقف الأمر عند هذا الحدِّ بل إنَّ الحفريات الإسرائيلية التي بدأت بعد احتلال المدينة سنة 1967 ولم تتوقف حتى يومنا هذا، وشملت كلَّ المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى، لم تعثر على أيَّة آثارٍ لهذا الهيكل أو بقايا تعود لزمنه، وهذا أمرٌ يقرُّ به علماء الآثار اليهود أنفسهم.  والمعروف أنَّ علاقة اليهود بالحائط لم تبدأ قبل القرن التاسع عشر، حين سمح المسلمون لليهود بالبكاء عنده حزناً على خراب الهيكل الثاني، بعد أن كانوا يبكون على جبل الزيتون، أو عند أبواب المدينة، فالادعاء بأنَّ الحائط جزءٌ من بقايا الهيكل لا أساس تاريخي له، ولم يكن اليهود يدّعون هذا الأمر إلاّ في القرن المذكور، واستند هذا الادعاء لقول أحد الزائرين الغربيين الذي رأى حجارة الحائط الضخمة فاعتقد أنها لا بدَّ وأن تكون من بقايا الهيكل اليهودي، ونشر اعتقاده هذا دون أيِّ سندٍ تاريخي.

        هناك وقاحةٌ بالغةٌ في موقف وزارة الخارجية الأمريكية، وهي نفس الوقاحة الأمريكية التي نراها دائماً في التعامل مع الحقوق الفلسطينية، ومع سائر القضايا العربية، فأمريكا تتخذ موقفاً ثابتاً في الانحياز لإسرائيل وفي تبني الرواية الصهيونية، دون أن تلتفت للحقائق التاريخية أو لحقوق العرب والفلسطينيين، فليس بالأمر الجديد أن تضرب أمريكا بعرض الحائط بكلِّ ما يقوله الخبراء والمختصون ورجال القانون في أيِّ أمرِ بتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وليس بالمستغرب أن يقفز ساسة أمريكا فوراً في كلِّ خلافٍ بيننا وبين إسرائيل لدعم أكاذيبها وتبنّي أساطيرها.  ثمَّ لنا أن نتساءل ما دخل وزارة الخارجية الأمريكية بهذا الموضوع وما هو تأثيره على المصالح الأمريكية في المنطقة؟  فهذا موضوعٌ دينيٌّ تاريخيٌّ لا يرتبط من قريبٍ ولا من بعيد بأيَّة مصلحةٍ أمريكية في العالم العربي.  والجواب طبعاً نجده في جرأة ساسة أمريكا على التنكر للحقيقة، بل ومعاداتها والسعي لطمسها، لأنَّ الحقيقة تضع العلاقات الدولية والإنسانية على أسس سليمة، ولا تشرعن العدوان واغتصاب الحقوق والاعتماد على الأساطير وعلى قوة الإرهاب والقهر، فأمريكا تتنكر للحقائق حول تاريخها نفسه، وترويه بعد حذف حوادث كثيرة فيه، فتطمس في روايتها لتاريخها مساعيها لإلغاء وجود الشعوب الأصلانية، التي يطلق عليها خطأً لقب الهندية، وتنكر أيَّ تاريخٍ مهمٍ لهذه الشعوب على أرضها، وهي تقدِّم سيرةً مزيَّفةً لقادتها ورؤسائها مظهرةً لهم بصورة مشبعة بالبطولة والأخلاق العالية والقيم الإنسانية، وتخفي في المقابل جرائمهم البشعة ضد هذه الشعوب، ومنها منحهم الجوائز المالية لمن يأتي بفروة رأس هنديٍّ أحمر، سواءً أكان رجلاً أم امرأةً أم طفلاً، وتنكر ارتكابها جرائم الإبادة الجماعية بحقِّهم حين قتلت عشرات الملايين منهم بطرقٍ كثيرةٍ جداً، منها تزويدهم بالأغطية المشبعة بأنواع عديدة من فيروسات الأمراض القاتلة، عدا عن الذبح والقتل الجماعي؛ وأمريكا مارست جريمة نعقيم نساء هذه الشعوب، حتّى تقطع نسلهم وتنهي وجودهم على أرضهم التاريخية.

سجلُّ أمريكا الإجرامي معروف ولا تسعه مجلدات، وقد كتب فيه كثيرون، وأكتفي بأن أشير هنا إلى كتب الباحث العربي السوري منير العكش، ومنها كتاب أمربكا والإبادة الجماعية: حق التضحية بالآخر، وكتاب أميركا والإبادات الثقافية: لعنة كنعان الإنكليزية والتي فصّل فيها استناداً للمصادر الموثوقة جرائم الإبادة والتعقيم التي مارستها أمريكا بحق الشعوب الأصلانية فيها، وبحق ثقافاتهم وآثارهم، وكتابات نعوم تشومسكي الذي كشف في العديد منها جرائم أمريكا في أمريكا اللاتينية وحربها ضد الديمقراطية، وسعيها الحثيث لمنع الشعوب المقهورة من الوصول لحقها في حكم نفسها بنفسها، وفي استقلالها في استخدام ثرواتها، وفي دعمها للنظم التسلطية والقمعية والإرهابية، مثل كتابه ردع الديمقراطيةوكتابه الغزو مستمر.  والأدلة بالأطنان أنَّ أمريكا في قضايا حقوق الشعوب وفي القيم الإنسانية مجرمة وتستحق اللعنة والعقاب، فكيف تسمح لنفسها استنكار السعي لاستصدار قرارٍ صحيحٍ عن هيئةٍ ذات اختصاص، ويتوافق مع كل الحقائق التاريخية، ثمَّ تدّعي أنها حريصةٌ على السلام في هذه المنطقة من العالم، ولماذا لم تستنكر ولم تضع حداً للاستفزازات الإسرائيلية المتكررة لمشاعر المسلمين والمسيحيين من خلال الاعتداء على مساجدهم وكنائسهم وعلى حقهم في الوصول إليها والصلاة فيها، وهذه الاستفزازات هي التي تشعل حرباً دينيةً في المنطقة وهي التي تشعل العنف وتؤدي إلى عدم الاستقرار، والغريب أنّ أمريكا التي تدَّعي أنّها دولةٌ تدين بالمسيحية تسكت عن جرائم الاعتداء المستمرة على كنائس المسيحيين ولا تطالب إسرائيل بفتح الطريق أمام مسيحيي غزة والضفة الغربية للوصول لكنائس القدس والجليل للصلاة فيها.

من المؤكد أنَّ القارئ لن يستغرب موقف أمريكا هذا، ولعلّ من القرّاء من يعرف تفاصيل كثيرة جداً حول سياسة أمريكا الوقحة والمتناقضة والمعادية لحقوق الشعوب في العالم العربي وفي كل العالم، ولكن هناك من ينبغي أن يوجّه لهم اللوم في هذا السياق، وهؤلاء هم حلفاء أمريكا وأصدقاؤها والواثقون فيها، المتحالفون معها في سوريا واليمن ولبنان والعراق والسعودية وسائر دول الخليج، ولهم نقول اتقوا الله في مقدساتكم في فلسطين وفي دماء إخوانكم العرب والمسلمين، وقولوا لأمريكا كفى وقاحةً وإرهاباً واستكباراً.